حصري.. إسرائيل تصل إلى الحدود العراقية في حدث هو الأول من نوعه

شفق نيوز/ شهدت منطقة جنوب سوريا خلال الأسابيع الأخيرة تطورات عسكرية لافتة، تمثّلت بقيام الجيش الإسرائيلي بشنّ غارات جوية استهدفت مواقع عسكرية في جنوب دمشق، ترافق ذلك مع تحركات برية في ريفي درعا والقنيطرة.
جاءت هذه الخطوات على لسان المسؤولين الإسرائيليين، وفي مقدمتهم وزير الدفاع إسرائيل كاتس، الذي أكد عدم سماح بلاده بتشكّل نموذج مشابه لجنوب لبنان في جنوب سوريا، ما يعني سعيًا واضحًا لاحتواء أي نفوذ عسكري أو أمني قد تعتبره تل أبيب معاديًا لها في تلك المنطقة.
وعلى ضوء ذلك، أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى نية الجيش الإسرائيلي البقاء في منطقة جبل الشيخ والمناطق العازلة المحيطة به لفترة زمنية غير محددة، في محاولة لفرض واقع جديد قد يؤسس لتحرك أوسع في المستقبل.
ويرى مراقبون أن إسرائيل تحاول استغلال الأوضاع في سوريا لفرض حائط أمني داخل الجنوب السوري، وسط حالة عدم الاستقرار الداخلي.
توسع ام استيطان؟
وتعود جذور هذا الوجود الإسرائيلي إلى احتلال هضبة الجولان عام 1967 وضمّها لاحقًا عام 1981، رغم الرفض الدولي لتلك الخطوة، إلا أن الاعتراف الأمريكي في عام 2019 بضم إسرائيل للجولان أضاف ثقلًا سياسيًا للتحركات الإسرائيلية الحالية.
وعلى أرض الواقع، بدأت وزارة الدفاع الإسرائيلية بإجراءات ترمي إلى استقدام عمال دروز من داخل الأراضي السورية للعمل في قرى الجولان، تحت إشراف منسّق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية غسان عليان، في خطوة يصفها مراقبون بأنها محاولة لتثبيت الوجود الإسرائيلي عبر منفذ اجتماعي واقتصادي جديد، إذ يخلق هذا الإجراء مبررات أمنية وخدمية لتواجد أكبر للجيش الإسرائيلي في المنطقة.
وفي المقابل، تتصاعد حالة الرفض لدى شرائح واسعة في درعا والسويداء، حيث شهدتا احتجاجات رفعت فيها أعلام الثورة السورية والعلم الفلسطيني، مندّدة بتصريحات نتنياهو التي طالب فيها بإخلاء كامل للقوات العسكرية التابعة للنظام الجديد في جنوب سوريا.
يشير المحتجون إلى أنهم لن يقبلوا أي تدخل أو توسع إسرائيلي، ويطالبون المجتمع الدولي بضرورة اتخاذ موقف من تحركات تل أبيب في الجنوب السوري.
خريطة تفاعلية توضح طريق التوغل الاسرائيلي الأخير
حدود مع العراق
تزامنت تلك التحركات على الأرض مع تحليلات ترى أن إسرائيل تمارس ضغطًا أمنيًا مباشرًا بغية تطويق النفوذ الإيراني وقطع خطوط الإمداد التي تربط العراق بلبنان مرورًا بسوريا.
كما تذهب بعض القراءات إلى أن إسرائيل قد تسعى للاستفادة من حالة الانقسام والانشغال الداخلي الذي تعانيه دمشق، وبالتالي اتخاذ مواقع عسكرية جديدة قد تصل امتداداتها نحو مخيم الركبان في المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن.
ويدعم هذه الفرضية الحديث عن إمكانية اكتساب إسرائيل حدودًا فعلية مع العراق للمرة الأولى، إذ إن التحرك في مناطق الفرات قد يشكّل حلقة وصل تتيح لها تقليص نفوذ الفصائل الموالية لإيران.
ورغم أن الخبراء الأمنيين في العراق، كسرمد البياتي، يشيرون إلى عدم امتلاك أدلة واضحة على وصول الجيش الإسرائيلي فعلًا إلى تخوم الحدود العراقية، فإن الرصد يؤكد تحرك القوات الإسرائيلية في اتجاه مناطق قريبة من وادي الفرات.
ويشير البياتي في حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن "العراق ليس لديه أدوات لرصد التحركات الاسرائيلية في المنطقة مقارنة بالتي يمتلكها التحالف الدولي"، لافتا الى ان "اسرائيل تحاول تطبيق الحدود مع الأردن باتجاه سوريا".
ويوضح أن "هناك فرقاً كبيراً بالتسليح بين العراق وإسرائيل، رغم ان العراقيين مهيئون للحرب ويمسكون بالحدود بشكل جيد".
العراق وإسرائيل.. صراع ممتد عبر العقود
يعود العداء بين العراق وإسرائيل إلى ما قبل قيام الدولة الإسرائيلية عام 1948، حيث رفضت بغداد الاعتراف بتل أبيب، كما شارك الجيش العراقي في الحروب العربية ضدها، بدءًا من حرب 1948 وصولًا إلى حرب 1973، حيث أرسل قوات عسكرية لدعم الجبهة السورية.
وخلال حكم صدام حسين، ازداد التصعيد بين الطرفين، خاصة بعد قصف إسرائيل لمفاعل تموز النووي عام 1981، ثم إطلاق العراق 39 صاروخًا باليستيًا على تل أبيب وحيفا خلال حرب الخليج عام 1991.
كما شاركت فصائل عراقية مسلحة في ما يسمى بـ"معركة الإسناد لغزة"، التي انطلقت عقب احداث اكتوبر 2023، بهجمات صاروخية وباستخدام الطائرات المسيّرة على أهداف إسرائيلية ومواقع مرتبطة بها، لا سيما في المناطق المتاخمة للجولان وحيفا.
ورغم سقوط نظام صدام عام 2003، ظل العراق بموقفه المعلن والمناهض لإسرائيل، حيث أقرّ البرلمان قانون تجريم التطبيع مع إسرائيل عام 2022.
ويقول مسؤول حكومي تحدث لوكالة شفق نيوز، إن "بغداد تنظر بقلق إلى التحركات الإسرائيلية في سوريا، حيث نرى العراق أن أي تمدد إسرائيلي يمثل تهديدًا مباشرًا لأمننا القومي، خاصة في ظل الصراع الإقليمي بين إسرائيل وإيران، والذي يلعب العراق دورًا حساسًا فيه".
"إسرائيل الكبرى"
يشعر كثيرون بالقلق حيال تصريحات شخصيات إسرائيلية يمينية حول ما يسمى بـ"إسرائيل الكبرى"، وهي الفكرة التي تمتد جذورها إلى تصورات دينية وسياسية قديمة، ترى أن حدود الدولة العبرية ينبغي أن تمتد باتجاه الشرق.
وتزايدت هذه المخاوف مع تراجع سيطرة الدولة السورية على أراضيها إثر سنوات من الحرب الأهلية، ما أتاح للتدخلات الخارجية أن ترسم حدودًا جديدة للنفوذ والتحالفات.
ومع أن المجتمع الدولي لا يقر بشرعية تلك الأطروحات، فإن حالة التفكك الإقليمي الراهنة تمنح تل أبيب فرصة لفرض مزيد من الحقائق على الأرض، وتثبيت مواقع عسكرية وأمنية قد تتوسع مستقبلًا.
وفي عام 2016، قال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، وكان حينها عضوا في الكنيست (البرلمان)، في مقابلة مع قناة تلفزيونية إسرائيلية إن "حدود القدس يجب أن تمتد حتى العاصمة السورية دمشق، وإن على إسرائيل الاستيلاء أيضا على الأردن.
وعلى النسق ذاته، يرى خبراء ومحللون عراقيون أن التوغّل الإسرائيلي جنوب سوريا ليس حدثًا منعزلًا، بل له تداعيات أمنية وسياسية مباشرة على العراق ينبغي دراستها.
وهذا ما أكده رئيس اقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني خلال حديثه في مؤتمر أربيل الدولي أمس الأربعاء، ضرورة أن ينأى العراق بنفسه عن أي توتر خارجي، ويعمل على حصر سلاح الفصائل.
كما لفت إلى أن "رئيس الوزراء محمد شياع السوداني والدولة العراقية تصرفا بحكمة بالغة، ومنعا من الانزلاق إلى نار الصراعات الإقليمية، لقد أبعدوا العراق عن تلك النيران. رؤيتنا هي أن العراق يجب أن ينأى بنفسه عن هذه الصراعات، فقد عانى من مشاكل كثيرة منذ عام 2003 بصورة مستمرة"، مضيفا "بدأ العراقيون يشعرون ببعض الطمأنينة، وبدأ الاقتصاد يتحسن. الوقت ليس مناسبًا لجرّ العراق إلى مثل هذه الأمور".