بغداد تحاصر أطفالها.. أين يلعبون؟
شفق نيوز- بغداد
لم يعد العثور على مكان آمن ومجاني يلعب فيه الأطفال في بغداد مهمة سهلة، بعدما تراجعت المساحات الخضراء، وتقلصت الساحات العامة، وفرضت قيود واسعة على ممارسة الأنشطة الرياضية داخل الحدائق، في وقت تدفع فيه كلفة المدن الترفيهية والمدارس الصيفية كثيراً من العائلات إلى إبقاء أطفالها داخل المنازل.
وباتت لافتات منع لعب كرة القدم وركوب الدراجات الهوائية تتصدر واجهات العديد من الحدائق العامة، ما حوّلها، بحسب عائلات، إلى أماكن لا تلبي احتياجات الأطفال الطبيعية في الحركة واللعب، بينما يظل الشارع خياراً محفوفاً بالمخاطر بسبب الازدحام المروري وحوادث الدهس.
ومع افتقار الأحياء السكنية إلى الملاعب والساحات المجانية، يجد آلاف الأطفال أنفسهم بين خيارين؛ البقاء داخل المنازل أو اللجوء إلى المراكز الترفيهية الخاصة التي تفرض رسوماً لا تتناسب مع دخول غالبية الأسر.
حدائق بلا لعب
تقول المواطنة وسن راضي، وهي أم لطفلين، إنها لم تعد تستطيع السماح لطفليها باللعب في الشارع خوفاً من حوادث السير، في حين لم تعد الحدائق العامة تمثل بديلاً مناسباً.
وتوضح في حديثها لوكالة شفق نيوز أن "اصطحاب الأطفال إلى الحدائق أصبح غير مجدٍ بسبب كثرة الممنوعات التي تتعارض مع طبيعة الطفل ورغبته في الحركة واللعب"، مضيفة أن "المولات ليست حلاً أيضاً، فالأماكن مغلقة وأسعار الألعاب مرتفعة ولا تتناسب مع دخل الموظف".
ولا يختلف المواطن أزهر محسن، وهو أب لثلاثة أطفال، مع هذا الرأي، إذ يقول إن بغداد "تحولت إلى مدينة مكتظة بالمجمعات السكنية والشركات، بينما تقلصت المساحات الخضراء والمتنزهات التي تمنح الأطفال متنفساً".
ويضيف أن زيارة مدينة ألعاب أصبحت تستنزف ميزانية الأسرة، موضحاً أن "شحن بطاقات الألعاب قد يستهلك ربع الراتب الشهري، فيما تكاد تنعدم الألعاب المجانية".
ويشير إلى أن الألعاب الموجودة في الحدائق العامة غالباً ما تكون محدودة أو متهالكة أو مزدحمة، داعياً الجهات المعنية إلى تخصيص مساحات خضراء واسعة تضم ألعاباً مجانية، ورفع القيود المفروضة على لعب كرة القدم واستخدام الدراجات الهوائية.
الملاذ الأخير
وتبقى حديقة الزوراء الوجهة الأكثر جذباً للعائلات البغدادية، لما توفره من مساحات خضراء وألعاب متنوعة، إلا أن كلفة زيارتها أصبحت مرتفعة بالنسبة إلى كثير من الأسر، ما جعل حتى هذا الخيار خارج متناول عدد كبير من العائلات.
وترى رئيسة منظمة "أليس للأسرة والطفل"، مريم الفرطوسي، أن بغداد فقدت جزءاً كبيراً من فضاءاتها الاجتماعية التي كانت تجمع العائلات.
وتقول الفرطوسي، لشفق نيوز إن "الحدائق كانت تمثل مساحة للتواصل الأسري والاجتماعي، حيث كانت العائلات تجتمع لتناول الطعام، بينما يلعب الأطفال بحرية"، مضيفة أن "الكثير من هذه الحدائق جرى تجريفها أو تحويلها إلى مشاريع استثمارية ومحال تجارية".
وتحذر من أن غياب المساحات الخضراء والحدائق المنزلية يدفع الأطفال إلى اللعب في الشوارع، ما يعرضهم لمخاطر الحوادث، مؤكدة أن حرمان الطفل من النشاط البدني يؤثر بصورة مباشرة في نموه الجسدي والعقلي.
ويذهب رئيس جمعية حماية الأسرة العراقية، حقي كريم، إلى الاتجاه نفسه، قائلاً إن "استغلال معظم المناطق الخضراء لأغراض الاستثمار انعكس سلباً على حق الطفل الطبيعي في اللعب والاستمتاع بطفولته".
ويضيف أن كثيراً من الأطفال اضطروا للنزول إلى الشوارع لتفريغ طاقاتهم، الأمر الذي يعرضهم للحوادث والمشكلات الصحية.
مدارس صيفية
وفي ظل غياب البدائل المجانية، اضطرت بعض العائلات إلى تسجيل أطفالها في المدارس الصيفية.
وتقول المواطنة نهلة داود إنها سجلت أطفالها الأربعة في مدرسة صيفية ببغداد، لأنها لم تجد مكاناً آمناً آخر يقضون فيه أوقات فراغهم.
وتوضح داود، خلال حديثها للوكالة، أن المدرسة توفر أنشطة رياضية وفنية وتعليمية، إلى جانب الرسم واللغة الإنجليزية، ما يساعد الأطفال على تفريغ طاقاتهم والتفاعل مع أقرانهم.
لكنها تشير إلى أن الاشتراك الشهري يبلغ 250 ألف دينار لكل طفل، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من العائلات العراقية.
وتمنع الظروف الاقتصادية عدداً كبيراً من الأسر من اصطحاب أطفالها إلى المدن الترفيهية أو تسجيلهم في المدارس الصيفية، كما ترفض بعض العائلات السماح لأطفالها باللعب في الشوارع.
وأمام هذه الخيارات المحدودة، يقضي كثير من الأطفال ساعات طويلة أمام الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والألعاب الإلكترونية، وهو ما يحذر مختصون من آثاره الصحية والنفسية، ولا سيما على النظر والنشاط البدني والتواصل الاجتماعي.
اللعب ليس ترفاً
وتؤكد الباحثة الاجتماعية مناهل صالح أن اللعب الحر يمثل حاجة أساسية في نمو الطفل، وليس مجرد وسيلة للتسلية.
وتقول لشفق نيوز إن "الطفل الذي يفقد المساحات الآمنة للجري واللعب والتفاعل مع أقرانه يخسر فرصاً مهمة لبناء شخصيته، واكتساب الثقة بالنفس، وتعلم التعاون والعمل الجماعي".
وتضيف أن قلة النشاط البدني تزيد من احتمالات العزلة الاجتماعية والاعتماد المفرط على الهواتف والأجهزة الإلكترونية، مشيرة إلى أن المدن المكتظة، مثل بغداد، تجعل الأطفال محاصرين داخل المنازل، وهو ما ينعكس سلباً على صحتهم الجسدية والنفسية.
وتختم صالح، حديثها بالإشارة إلى أن الطفل يحتاج إلى فضاء مفتوح يختبر فيه قدراته ويشعر بالحرية والاستقلالية، مؤكدة أن توفير أماكن لعب آمنة ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه حاجة اجتماعية وتنموية أساسية، لا مجرد وسيلة للترفيه.