إيلام.. قلعة "هزاردر" معلم معماري من العصر الساساني (صور)
شفق نيوز- ترجمة خاصة
تعدّ قلعة هزاردر التاريخية في مدينة آبدانان، بمحافظة إيلام الفيلية، غربي إيران، أحد المعالم المعمارية التي تعكس جانبا من تاريخ المنطقة.
وتتميّز هذه القلعة بممراتها الطويلة، وغرفها المستطيلة والمربعة، وأقواسها الهلالية والمدبّبة، وجدرانها المشيّدة بالحجر وملاط(خبطة) الجص، فيما تنسب إلى العصر الساساني، وإن كان تحديد تاريخ بنائها ووظائف جميع أجزائها يتطلب مزيدا من البحث الأثري.
وتقع القلعة ضمن النسيج الحضري لآبدانان، ويقال إن اسمها "هزاردر" الذي يتألف من مقطعين "هزار" ويعني ألف و"در" ويعني باب أي انه يعني "ألف باب" باللغة الكوردية؛ وتكمن أهميتها في خصائصها المعمارية التي تتيح دراسة أساليب البناء وتنظيم الفضاءات الداخلية، فضلا عن دورها المحتمل في تاريخ التحصينات بالمنطقة.
وبحسب تقرير لوكالة فارس الإيرانية، ترجمته وكالة شفق نيوز، تناولت دراسة مستفيضة للباحث الايلامي محمد مسعود غيابي بعنوان "دراسة عمارة القلاع ووظائفها في العصر الساساني، مع التركيز على قلعة هزاردر في آبدانان"، نشرت صيف عام 1400 بالتقويم الإيراني (2021)، الخصائص المعمارية للقلعة ووظيفتها المحتملة.
وأشار التقرير الى ان هذه الدراسة اعتمدت المنهج التاريخي الوصفي التحليلي، بالاستناد إلى البحوث المكتبية والدراسات الميدانية؛ وخلصت إلى نتيجة محتملة بشكل كبير، أن الشكل المستطيل لهذا المبنى، وأبراج المراقبة والحراسة المعتمدة، وتعدد الأقواس الهلالية، وامتداد الممرات على جوانبها الأربعة، تمثل مؤشرات تدعم فرضية استخدامها لأغراض عسكرية.
كما تناولت الدراسة مواد البناء، ومنها الحصى والحجر المشذّب وملاط الجص، وأشارت إلى وجود فخاريات ذات لون بني فاتح ضمن المكتشفات المرتبطة بالموقع.
وتوفر هذه المعطيات أساسا لفهم خصائص المنشأة، غير أن تحديد وظائف أجزائها وتاريخ مراحل بنائها بدقة يظل رهنا بفحص الأدلة الأثرية وإجراء دراسات إضافية.
وتشير تقارير سابقة إلى وجود ترابط بين غرف القلعة، وإلى مسار مائي متفرع من قناة "جووي مير"، يقال إنه استخدم لتبريد أجوائها خلال الصيف.
وقد يعكس ذلك أساليب للتكيف مع الظروف المناخية المحلية، إلا أن تأكيد هذه الوظيفة يتطلب التحقق من الشواهد المتبقية والاستعانة بدراسات متخصصة.
الترميم والحاجة إلى المتابعة
وفي ما يتعلق بأعمال الصيانة، نقل التقرير عن فرزاد شريفي، المدير العام للتراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية في محافظة إيلام، أن أعمال حماية القلعة وترميمها وتدعيم بنيتها نفذت عام 1402 بالتقويم الإيراني (2023)، بتمويل بلغ 700 مليون ريال إيراني، أي ما يعادل 70 مليون تومان، من الموازنة المخصصة للمحافظة.
ويمثل تنفيذ أعمال الترميم خطوة في مسار حماية الموقع، لكن الإعلان عن إنجازها لا يكفي وحده لتقييم نتائجها أو تحديد مدى استدامة أثرها.
ويتطلب ذلك معرفة الأجزاء التي شملتها الأعمال، والإجراءات الفنية المتخذة، ونتائج المعاينات اللاحقة، فضلا عن الاطلاع على التقارير التنفيذية المتاحة.
وتشمل الممارسات الأساسية لصون المباني التاريخية مراقبة التشققات والتآكل، وفحص مواد البناء، والحد من تسرب المياه، وتوثيق التدخلات المنفذة، وإجراء معاينات دورية.
كما ينبغي أن تراعي أعمال الترميم الخصائص المعمارية للمبنى وأصالته، وأن تستند إلى تقييمات فنية متخصصة.
وفي هذا السياق، تبرز الأهمية الاستثنائية لتوضيح الوضع الراهن للقلعة، والإجراءات المتخذة الكفيلة بحمايتها منذ انتهاء أعمال الترميم، والخطط المعتمدة لصيانتها مستقبلا.
ومن شأن نشر المعلومات المتاحة عن الأعمال المنفذة ونتائجها تعزيز الشفافية بشأن استخدام الأموال العامة، وهو ما يوفر أساسا أوضح لتقييم جهود حماية الموقع بشكل جلي.
التراث والهوية المحلية
ولا تقتصر قيمة قلعة هزاردر على خصائصها المادية، إذ تمثل المعالم التاريخية جزءا من الذاكرة الثقافية للمجتمعات، وتتيح للأجيال اللاحقة التعرف إلى تاريخ مناطقها وتحولاتها المعمارية والعمرانية.
ونقل التقرير عن عدد من سكان آبدانان تأكيدهم أهمية الحفاظ على القلعة والتعريف بها. وأشار أحدهم، ويدعى أحمد، إلى أن أقواسها وجدرانها وممراتها تعكس مهارات بنّائيها، فيما شدد محمد، أحد السكان، على ضرورة توفير لوحات تعريفية ومعلومات موثوقة تشرح تاريخ الموقع وخصائصه المعمارية ووظائف أجزائه المحتملة.
من جهته، أكد رضا، وهو من سكان المدينة أيضا، أهمية متابعة حالة المعالم التاريخية بعد ترميمها، مشيرا إلى أن الصيانة المستمرة ضرورية لضمان بقائها للأجيال المقبلة.
وتسلط هذه الملاحظات الضوء على جانب مكمل للحماية الفنية، يتمثل في إتاحة المعرفة التاريخية للزوار والسكان. فالتعريف الدقيق بالموقع، وتنظيم الوصول إليه، وتوفير معلومات تستند إلى مصادر موثوقة، يمكن أن تعزز قيمته الثقافية والتعليمية.
ويتوجب أن تكون القلعة التاريخية المهمة جزءا من برامج السياحة الثقافية عند جميع الجهات المعنية في آبدانان، إلى جانب معالم المدينة التاريخية والطبيعية الأخرى التي تزخر بها المنطقة.
إلا أن تطوير هذا الدور ينبغي، بل يتوجب أن يظل مرتبطا بحماية أصالتها التاريخية والمعمارية، وألا يتقدم على متطلبات الصيانة والبحث العلمي.
حماية القلعة واستدامة صونها
على الرغم من المعلومات المتاحة عن تاريخ قلعة هزاردر وخصائصها المعمارية وأعمال ترميمها، تظل المتابعة الفنية الدورية ضرورية لتقييم حالتها الراهنة وضمان استدامة إجراءات حمايتها.
ويشمل ذلك توثيق الأعمال المنفذة، ومراقبة سلامة الجدران والأقواس والممرات، وتحديد أولويات الصيانة وفقا للتقييمات الفنية المتخصصة.
كما تتيح مواصلة الدراسات الأثرية والمعمارية فهما أدق لتاريخ القلعة ومراحل بنائها ووظائف أجزائها المختلفة، ولكن بشرط أن تستند أي أعمال بحثية أو تنقيبية إلى خطط علمية تراعي سلامة الموقع وأصالته ولا تتسبب بالاضرار بها او تشويه معالمها الاصلية.
ويسهم نشر المعلومات المتاحة عن أعمال الترميم ونتائجها وبرامج الصيانة في تعزيز الشفافية وتوضيح جهود الجهات المعنية بحماية هذا المعلم.
تمتلك قلعة هزاردر، بما تحمله من خصائص معمارية ومكانة في تاريخ آبدانان، مقومات تؤهلها لتكون أحد معالم الذاكرة الثقافية للمدينة؛ ويمكن تعزيز حضورها الثقافي من خلال صون بنيتها التاريخية، وتطوير المعرفة العلمية بها، وتوفير معلومات موثوقة تتيح للسكان والزوار التعرف إلى قيمتها.
وحماية القلعة، وفق التقرير، مسؤولية تواصلية مستمرة لا تنتهي بانجاز أعمال الترميم لمرة واحدة، بل تتطلب المتابعة والصيانة والتوثيق، بما يضمن الحفاظ على أصالتها وإتاحة إرثها المعماري والتاريخي والجمالي للأجيال المقبلة.