قراءة باكستانية: خروج القوات الأميركية لا يطوي صفحة "حلقة النار" في العراق
شفق نيوز- ترجمة خاصة
يقف العراق عند مفترق طرق، إذ من المرجح أن تسهم مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي في تعزيز قوات الحشد الشعبي بدلاً من تهميشها، في ظل الاحتضان الرسمي للحشد واستيعاب سلاحه ضمن إطار مؤسسي يتكامل مع الدولة التي تمنحه الشرعية، في وقت ما تزال فيه التهديدات التي أفضت إلى قيام الحشد قائمة، بما في ذلك مخاطر الحرب الأميركية على إيران والتهديدات الإسرائيلية المستمرة.
جاء ذلك في قراءة نشرها موقع "ديبلوماتيك إنسايت" الباكستاني، قال فيها إن العديد من الدوائر الغربية تنظر إلى الانسحاب الأميركي بوصفه تراجعاً استراتيجياً تحت ضغط الاستنزاف المتواصل، مضيفاً أن هذه القراءة ليست خاطئة تماماً، لكنها غير مكتملة.
وأشار الموقع، في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز، إلى أن ما جرى يمثل الفصل الأخير من واحدة من أكثر الحسابات الاستراتيجية الخاطئة في التاريخ الحديث، إذ أدى التفكيك المتعمد للعراق بوصفه ثقلاً موازناً إلى توسع استراتيجي كان الهدف منع حدوثه، وهو تنامي النفوذ الإيراني، بعدما شكّل العراق جداراً في وجهه طوال معظم القرن العشرين.
وتابع أن العراق لم يكن ممراً لإيران، وأن الغزو الأميركي أزال الخصم الإقليمي الأهم أمامها، ما أتاح للأوساط الشيعية والكوردية المتحالفة مع إيران مساحة أوسع بكثير للمناورة ضمن الهيكل السياسي الذي تشكّل بعد سقوط نظام صدام حسين.
وبحسب التقرير، فإن غزو عام 2003 لم يضعف العراق فحسب، بل حوّله أيضاً من قوة موازنة تاريخية إلى ما وصفه بأنه العقدة الأكثر تبعية استراتيجياً ضمن الشبكة التي أطلق عليها اسم "حلقة النار"، وهي بنية إيرانية موزعة ومتعددة الطبقات تضم قوى من دول وجهات من غير الدول متحالفة معها، وتمتد من الخليج إلى البحر الأبيض المتوسط.
ولفت إلى أن "حلقة النار" ليست جهازاً إيرانياً للقيادة والتحكم بالمعنى التقليدي، معتبراً أن النظر إليها بهذه الطريقة يسيء فهم منطقها الأساسي، بل أنها نظام إقليمي استراتيجي يقوم على تصور مشترك للتهديد، ومواءمة عقائدية، ودرجات متفاوتة من الاستقلالية التشغيلية.
وأضاف أن "الذراع العراقية" في هذه الحلقة، والمتمثلة في الحشد الشعبي، لم تتشكل بالضرورة لأن طهران أرادت ذلك، بل ظهرت نتيجة الظروف البنيوية التي أوجدها الاحتلال، والتي جعلت الحشد الإطار الوحيد القابل للتطبيق أمام قطاعات واسعة من المجتمع العراقي لتنظيم أمنها، مبيناً أن الوجود العسكري الأميركي الطويل منح الحشد ما يحتاج إليه لتقديم نفسه بوصفه قوة مقاومة تستند إلى مبررات لوجودها.
وتساءل التقرير عما إذا كان غياب العامل الخارجي الذي أسهم في نشوء هذه المقاومة سيؤدي إلى تلاشي أهمية الحشد، أم إلى توحّده ضمن إطار أكثر متانة، مشيراً إلى موقف الحكومة القائل بضرورة تسليم الفصائل المستقلة ترساناتها من الأسلحة إلى قوات الحشد الشعبي، ضمن إطار مؤسسي منقح.
ووفقاً للتقرير، فإن ذلك يعني نزع السلاح بالاسم، وإضفاء الطابع المؤسسي عليه في الممارسة، بحيث لا تختفي الأسلحة، بل تنتقل إلى هيكل الدولة الذي يسيطر عليه الحشد الشعبي إلى حد كبير.
ولهذا، رأى أن الاعتقاد السائد بأن "الذراع العراقية" لـ"حلقة النار" الإقليمية تتجه نحو السكون أو فقدان أهميتها الاستراتيجية يستند إلى خطأ يتمثل في الخلط بين انسحاب القوات الأجنبية وإزالة التهديد الاستراتيجي الذي أدى إلى ظهور الحشد الشعبي، مؤكداً أن هذا التهديد لم يختفِ.
وأوضح التقرير أن العراق ما يزال محاصراً بين مصالح متنافسة، ويضم مجموعة من الفصائل المسلحة المتحالفة، فيما يمثل في الوقت نفسه ساحة تتنافس فيها القوى الخارجية على النفوذ، مؤكداً أن التهديد العسكري الإسرائيلي للشبكة الأوسع، وللعراق على وجه الخصوص، لم يتراجع مع الانسحاب الأميركي، وأن الحرب مع إيران أوجدت واقعاً إقليمياً مختلفاً جوهرياً عما كان عليه الوضع عند الاتفاق على الانسحاب.
ولفت إلى أن مرحلة ما بعد الانسحاب من المرجح أن تسرّع تعزيز قوات الحشد الشعبي بدلاً من تهميشها، ولا سيما بعد خروج القوات الأجنبية، واستيعاب الضغوط المؤسسية الرامية إلى نزع السلاح من خلال عملية تكامل مع الدولة، تضفي الطابع الرسمي على سلطة الحشد بدلاً من تحييدها، إلى جانب امتلاكه بنية سياسية تتمتع بتمثيل برلماني كبير.
ورجح التقرير أن تتيح هذه المرحلة لبغداد بناء علاقة أكثر تماسكاً مع طهران، وأقل خضوعاً للاستخدام في الصراعات، تقوم على المواءمة السيادية بدلاً من الاعتماد التفاعلي، موضحاً أن بناء دولة متماسكة لا يمكن أن يستند إلى افتراض أن التهديد الاستراتيجي الإسرائيلي قد جرى تحييده أو أصبح غير ذي صلة بسبب الانسحاب الأميركي، محذراً من احتمال تجدد الصراع مع إسرائيل.
وبعد الإشارة إلى الموقع الجغرافي للعراق وما قد يترتب عليه من تهديدات من خصوم شبكة حلفاء "حلقة النار"، بين أن "الذراع العراقية" ما تزال متغيراً استراتيجياً فاعلاً، وليست عاملاً خاملاً، حتى مع صدور إعلانات عن أن الانسحاب الأميركي أدى إلى تحييد هذه الشبكة.
وختم التقرير الباكستاني بالقول إن "الذراع العراقية لحلقة النار تدخل مرحلة من التوحيد بدلاً من السكون، وإضفاء الطابع المؤسسي بدلاً من الحل، وإعادة الضبط بدلاً من التراجع"، معتبراً أن ذلك يعني أن قوات الحشد الشعبي لن تتوارى إلى هوامش التاريخ.