العراق وسوريا.. شعر الأطوار الفراتية يجمع التراث الشعبي في مقام واحد
عزف على آلة الربابة التراثية المنتشرة في العراق وسوريا (سانا)
شفق نيوز- دمشق
سلط تقرير سوري، يوم الأحد، الضوء على الجذور التاريخية والثقافية المشتركة التي تربط ضفتي نهر الفرات، مستعرضاً كيف شكلت الأطوار والمقامات الشعرية والغنائية مدرسة وجدانية واحدة تجمع بين العراق والجزيرة السورية.
وتناول التقرير، الذي نشرته وكالة الأنباء السورية (سانا)، وتابعته وكالة شفق نيوز، شهادات لباحثين وشعراء أكدوا أن الفنون التراثية الأصيلة مثل "الزهيري، والأبوذية، والعتابة، والمحمداوي" انتقلت وتطورت عبر التواصل العشائري والاجتماعي المستمر، لتظل شاهدة على ذائقة فنية فريدة تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية، وتتطابق في إيقاعها ومقامها الأصيل.
وبدأ التقرير بالقول إنه على ضفتي نهر الفرات، حيث امتدت القبائل العربية عبر التاريخ، تشكلت هوية ثقافية مشتركة لا تزال حاضرة في الشعر الشعبي والغناء والمقام، وتوارثتها الأجيال، بوصفها جزءاً من الذاكرة الثقافية والاجتماعية للمنطقة.
ورأى أن من هنا تبدو ألوان الشعر الفراتي بما تحمله من ألحان ولهجات وصور شاهداً على وحدة التراث بين العراق والجزيرة السورية، حيث تختلف الأسماء أحياناً، بينما يبقى الإيقاع والوجدان واحداً.
تشابه يتجاوز الحدود
وأشار التقرير إلى أن الشعر العربي يتميز بثرائه البلاغي وتنوع مدارسه الفصيحة والشعبية، وتمنح كل لهجة محلية هذا التراث نكهتها الخاصة دون أن تفقده هويته العربية الجامعة، ويُعد العراق أحد أبرز المراكز التاريخية للشعر العربي، بينما احتفظت منطقة الفرات والجزيرة السورية بموروث شعبي غني تشكّل عبر قرون من التواصل الاجتماعي والعشائري.
وقد أسهمت وحدة البيئة النهرية والبادية، إلى جانب حركة القبائل العربية على ضفتي الفرات، في انتقال القصائد والألحان وأساليب الأداء، لتنشأ مدرسة شعرية وغنائية متقاربة لا تزال ملامحها حاضرة في ألوان الشعر الشعبي والمقامات والأطوار المشتركة بين العراق والجزيرة السورية.
وفي هذا السياق، نقل التقرير عن الشاعر والإعلامي العراقي محمد سرحان الشعباني، قوله إن العراق يتميز بعدد كبير من المقامات والألوان الشعرية التي أصبحت جزءاً من هويته الثقافية، ومنها الزهيري، والأبوذية، والدارمي، والقصيدة العمودية، والعتابة، مؤكداً أن معظم هذه الألوان متداولة أيضاً في منطقة الجزيرة السورية، مع اختلافات محدودة في اللهجة وأسلوب الأداء.
نماذج تؤكد وحدة اللون الشعري
ولا يقتصر التشابه على أسماء الفنون، بل يظهر بوضوح في البنية الشعرية والإيقاع وطريقة الإلقاء.
ويشرح التقرير بالقول إن العتابة على سبيل المثال، تقوم على أربعة أشطر، تنتهي الثلاثة الأولى بكلمات متشابهة لفظاً مختلفة معنى، بينما يأتي الشطر الرابع خاتمة تحمل المعنى الكامل، وهو البناء نفسه المعروف في العراق والجزيرة السورية.
كما يُعد الزهيري من أبرز الفنون الشعرية العراقية، وقد انتقل إلى الجزيرة السورية عبر التواصل العشائري المستمر، مع احتفاظه بخصائصه الإيقاعية واللغوية الأساسية، حتى أصبح جزءاً من الموروث الشعبي في المنطقة وفق الشعباني.
وتضم اللهجة الفراتية مفردات قد تبدو غريبة على القارئ العربي من خارج المنطقة، مثل الطور الذي يعني الأسلوب الغنائي أو اللحن، والنايل وهو لون من ألوان الموال الشعبي، والربابة وهي آلة وترية بدوية صاحبت الشعر الشعبي في مناسبات الفرح والحزن منذ قرون.
اللهجة الواحدة والذائقة المشتركة
من جانبه، قال الشاعر الغنائي والباحث في التراث والأنساب السوري محمود الحربي، بحسب ما نقل عنه التقرير، إن الشعر الشعبي بما يحمله من قيم الفروسية والكرم والوفاء، أسهم في انتقال القصائد والأطوار الغنائية بين العراق والجزيرة السورية جيلاً بعد جيل.
وأضاف أن هذا التداخل الثقافي يتجلى في انتشار أنماط شعرية مشتركة مثل الموال، والعتابة، والنايل، وطور الزهيري الذي يعد من أهم فنون الشعر الشعبي العراقي، قبل أن يصبح جزءاً أصيلاً من الموروث الغنائي في الجزيرة السورية نتيجة التواصل المستمر بين أبناء المنطقتين.
ويضرب الحربي مثالاً على هذا التقارب بأغنية "شكثر مشتاق" التي كتب كلماتها في الجزيرة السورية، وغناها عدد من الفنانين العرب، كان آخرهم الفنان اللبناني وليد توفيق، إذ يعتقد كثير من المستمعين أنها أغنية عراقية بسبب تشابه المفردات واللحن والبيئة اللغوية، وهو ما يعكس وحدة الذائقة الفنية بين المنطقتين.
المقام يوحد ما فرقته الحدود
وميزة الشعر الفراتي في غنائيته، لذلك حافظت الربابة والشبابة (الناي البدوي) على حضورهما في المجالس والبيئات العشائرية، حيث ترافقان أداء القصائد والعتابات والموال، وتضفيان عليها طابعاً شجياً ارتبط بطبيعة الحياة على ضفاف الفرات.
ويشير الحربي إلى أن أطوار ومقامات الشعر العراقي تتقارب إلى حد كبير مع نظيراتها في الجزيرة السورية، نتيجة وحدة البيئة الاجتماعية والعشائرية، فيما يؤكد الشعباني أن اختلاف المسميات بين البلدين لا يلغي التطابق في كثير من المقامات والأطوار.
ويضيف أن الموال الذي يتفرع إلى العتابة والسويحلي والنايل يتشابه في البناء والأداء مع نظيره في الفرات السوري، وينتمي الطرفان إلى مدرسة غنائية واحدة نشأت في بيئة الفرات والبادية، قبل أن تتطور محلياً مع مرور الزمن.
ومن أبرز الأطوار المشتركة بين الجانبين الحياوي، والمحمداوي، والصبي، والشطراوي، وهي تؤدى في العراق والجزيرة السورية بنبرة وجدانية متقاربة، بينما يقتصر الاختلاف غالباً على تفاصيل اللهجة وبعض الزخارف الصوتية، لا على المقام الموسيقي نفسه.
ونهر الفرات الذي شكل عبر التاريخ ممراً للتجارة والتنقل والهجرات العشائرية، انتقلت عبر ضفتيه القصائد والألحان واللهجات، لتتشكل بيئة ثقافية مشتركة ظل الشعر الشعبي أحد أبرز تجلياتها، ورغم اختلاف بعض المفردات وأساليب الأداء لا يزال الشعر الفراتي في العراق والجزيرة السورية يحتفظ بوحدة المقام والإيقاع والوجدان، مؤكداً أن التراث الشعبي أقدر على حفظ الذاكرة المشتركة.