"سوق اللحوم".. الأسعار تشتعل في أربيل والركود يسيطر على السليمانية (صور)

"سوق اللحوم".. الأسعار تشتعل في أربيل والركود يسيطر على السليمانية (صور)
2026-08-24T16:01:06+00:00

شفق نيوز- أربيل/ السليمانية

سجلت أسواق اللحوم الحمراء في أربيل، عاصمة إقليم كوردستان، ارتفاعاً جديداً في الأسعار أثار استياء المواطنين والمتبضعين، وسط دعوات متزايدة للجهات المختصة بضرورة التدخل لضبط حركة الأسواق وحماية القدرة الشرائية للأسر.

وقال المواطن هيمن قادر، لوكالة شفق نيوز، إن "الارتفاع المتواصل جعل من الصعب على العائلات متوسطة ومحدودة الدخل الالتزام بشراء اللحوم كما في السابق، إذ بات سعر الكيلوغرام الواحد يتجاوز 19 ألف دينار".

ولفت قادر، إلى أن "الأزمة تتطلب حلولاً حكومية سريعة، من بينها فتح باب الاستيراد على نطاق أوسع، أو تقديم دعم مباشر للمربين، وتفعيل اللجان الرقابية للحد من التفاوت الكبير في الأسعار بين منطقة وأخرى".

بدوره، يعزو سامان سورچي، وهو تاجر مواشٍ في علوة أربيل، هذه الزيادة إلى أسباب مركبة، موضحاً أن المشكلة تبدأ من المربين، حيث شهدت الأسواق انخفاضاً في المعروض من الماشية المحلية نتيجة ارتفاع أسعار الأعلاف والمستلزمات البيطرية، إضافة إلى تكاليف الشحن والمشتقات النفطية.

وتحدث سورچي، لوكالة شفق نيوز، قائلاً إن "سعر اللحم الصافي من دون عظام يصل إلى 21 ألف دينار للكيلوغرام، بينما تبلغ أسعار الكيلوغرام الواحد من اللحم بالعظم نحو 17 ألف دينار"، مشيراً إلى أن "تأمين المواشي من المحافظات المجاورة أو استيرادها يخضع لرسوم وضوابط ترفع التكلفة على القصاب قبل وصولها إلى المستهلك النهائي".

الأوضاع غير مطمئنة

وفي السليمانية، لم يعد انخفاض أسعار اللحوم مؤشراً بالضرورة على تحسن الأوضاع المعيشية، بل يكشف، وفق مواطنين وأصحاب محال ومراقبين اقتصاديين، عن وجه آخر للأزمة.

فبعدما وصل سعر كيلوغرام لحم الخروف إلى نحو 27 ألف دينار، بدأ بالتراجع إلى 25 ألف دينار وأقل في بعض المحال، وسط حركة شراء توصف بأنها من الأضعف، فيما باتت اللحوم الحمراء بالنسبة إلى شريحة واسعة من العائلات سلعة يمكن الاستغناء عنها واستبدالها بخيارات أقل كلفة.

وفي غضون ذلك، قال المواطن أحمد مراد لمراسل وكالة شفق نيوز إن المشكلة لا تكمن في سعر اللحوم وحده، وإنما في اتساع الفجوة بين دخل الأسرة وتكاليف المعيشة، موضحاً أن رواتب موظفي إقليم كوردستان بقيت عند مستوياتها منذ سنوات طويلة، في وقت ارتفعت فيه أسعار المواد الغذائية والإيجارات والخدمات ومختلف متطلبات الحياة، فضلاً عن توقف العلاوات والترفيعات الوظيفية منذ عام 2015.

وأوضح مراد، أن "تأخر صرف الرواتب بصورة متكررة يزيد الضغط على الأسرة، فالمواطن لديه التزامات ثابتة وأساسية، وعندما لا يكفي الدخل لتغطيتها يبدأ بالتخلي عن المواد التي يمكن إيجاد بديل لها".

ولفت إلى أن "اللحوم الحمراء أصبحت اليوم بالنسبة إلى العديد من العائلات أقرب إلى الكماليات منها إلى مادة غذائية يومية، لوجود بدائل أرخص مثل الدجاج واللحوم المستوردة، لذلك لم تعد الأسرة تشتري اللحوم المحلية بالكميات أو الوتيرة التي كانت عليها سابقاً".

كما رأى مراد أن انخفاض الطلب بدأ ينعكس مباشرة على الأسواق، قائلاً إن "المواطن عندما يعجز عن الشراء لا يستطيع التاجر الإبقاء على السعر المرتفع، فيضطر أصحاب المحال إلى تقليل هامش الربح أو خفض السعر لتحريك البضاعة، وبالتالي فإن تراجع الأسعار الحالي لا يعني بالضرورة تحسن السوق، بل قد يكون نتيجة ضعف القدرة الشرائية".

الحركة شبه معدومة

من جانبه، أكد ممثل سوق الجزارين في السليمانية آسو عمر، لوكالة شفق نيوز، أن أسعار اللحوم سجلت تراجعاً ملحوظاً خلال الأيام الخمسة الماضية، مبيناً أن سعر كيلوغرام لحم الخروف، الذي وصل سابقاً إلى نحو 27 ألف دينار، تراجع حالياً إلى حدود 25 ألف دينار وأقل في بعض الحالات.

وأوضح أن "أسعار لحوم العجل تتراوح حالياً، بحسب النوع والجودة والقطعة، بين نحو 10 آلاف و22 ألف دينار للكيلوغرام الواحد، وهي مستويات أقل من الأسعار التي سجلتها السوق خلال الفترة الماضية".

ويعزو عمر هذا الانخفاض بصورة أساسية إلى التراجع الواضح في القدرة الشرائية للمواطنين، مشيراً إلى أن حركة البيع في سوق اللحوم بالسليمانية باتت "شبه معدومة"، وأن كثيراً من المواطنين أصبحوا يشترون اللحوم عند الضرورة أو في المناسبات فقط.

وأضاف أن "المواطن أمامه اليوم بدائل أقل سعراً، بينها اللحوم المستوردة والدجاج، وبالتالي عندما يكون الفارق السعري كبيراً يتجه المستهلك تلقائياً نحو البديل الذي يتناسب مع دخله، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية وتأخر الرواتب والالتزامات المالية المتراكمة على الأسر".

لكن ممثل سوق الجزارين يشير إلى أن أزمة الأسعار لا ترتبط بالطلب وحده، إذ شهدت تجارة المواشي خلال الفترة الماضية ضغوطاً مرتبطة بالإجراءات الكمركية ومسارات الاستيراد وحركة الحدود، لافتاً إلى أن الأسواق كانت تعتمد أيضاً على دخول أعداد من الأغنام والماعز عبر سوريا، إلا أن التغييرات السياسية والأمنية هناك أثرت في حركة دخول المواشي، إلى جانب القيود المتعلقة بالحدود مع إيران.

ويؤكد عمر، أن السوق تواجه حالياً معادلة صعبة؛ فالكلفة التي يتحملها التاجر والجزار ما تزال مرتفعة، لكن المستهلك لم يعد قادراً على تحمل الأسعار السابقة، وهو ما يدفع السوق تدريجياً إلى خفض الأسعار وهوامش الأرباح في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من حركة البيع.

عامل آخر خلف تراجع الأسعار

وفي قراءة مختلفة، يرى المراقب الاقتصادي أرسلان محمد أن ضعف القدرة الشرائية يمثل عاملاً أساسياً في تراجع أسعار اللحوم، لكنه لا يفسر المشهد كاملاً، معتبراً أن حركة العرض في السوق تحتاج أيضاً إلى أن تؤخذ بالحسبان.

وقال محمد لوكالة شفق نيوز، إن "أسعار اللحوم والماشية مرتفعة في العديد من الأسواق، ولذلك فإن انخفاضها محلياً في وقت ما تزال فيه تكاليف الإنتاج والنقل مرتفعة يطرح تساؤلاً بشأن وجود عوامل إضافية رفعت حجم المعروض".

ورجح محمد أن تكون التطورات الأمنية على الحدود بين إقليم كوردستان وإيران قد أسهمت بصورة غير مباشرة في زيادة حركة دخول المواشي خارج القنوات التجارية المعتادة، موضحاً أن "انشغال السلطات الإيرانية بالتطورات والملفات الأمنية في المناطق الحدودية قد يؤدي إلى ضعف الرقابة على بعض مسارات التهريب، وهي ظاهرة تنشط عادة خلال فترات الاضطراب وعدم الاستقرار".

ووفقاً لمحمد، فإن دخول أعداد إضافية من الأغنام والماعز إلى الأسواق، سواء عبر القنوات الرسمية أو غير الرسمية، يعني زيادة العرض، وعندما يتزامن ذلك مع انخفاض حاد في الطلب نتيجة ضعف القدرة الشرائية، يصبح الضغط على الأسعار أكبر، وهو ما يمكن أن يفسر جانباً من التراجع المسجل حالياً.

أزمة لا تنتهي

وبينما قد يبدو نزول سعر كيلوغرام لحم الخروف من 27 ألفاً إلى أقل من 25 ألف دينار خبراً إيجابياً للمستهلك، فإن خلف الأرقام صورة اقتصادية أكثر تعقيداً، إذ جاء انخفاض السعر متزامناً مع تراجع حركة الشراء، وليس مع زيادة واضحة في قدرة المواطنين على الاستهلاك.

وفي المحصلة، تعكس أسواق اللحوم في أربيل والسليمانية مفارقة لافتة؛ ففي حين يواجه المستهلك في أربيل ارتفاعاً في الأسعار، يشهد السوق في السليمانية انخفاضاً لا يرتبط بتحسن القدرة الشرائية، بل بتراجع الطلب وعزوف الأسر عن شراء اللحوم، ما يجعل حركة الأسعار في المدينتين مؤشراً على ضغوط اقتصادية أوسع تتجاوز سوق اللحوم نفسها.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon