موازنة 2027.. وظائف للخريجين أم إنقاذ فاتورة الرواتب؟

موازنة 2027.. وظائف للخريجين أم إنقاذ فاتورة الرواتب؟
2026-09-12T11:27:28+00:00

شفق نيوز- بغداد

مع قرب إقرار موازنة 2027، يعود ملف التعيينات الحكومية إلى الواجهة بين مطالب الخريجين وضغوط الإنفاق العام، في وقت تلتهم الرواتب والرعاية الاجتماعية جزءاً كبيراً من الإنفاق الاتحادي.

ومع كل تعيين جديد، وفقاً للمراقبين، لا تلتزم الدولة براتب لسنة واحدة فحسب، بل تضيف أعباء مالية تمتد إلى سنوات مقبلة، ما يزيد الضغوط على الموازنة ويعزز الحاجة إلى إعادة النظر في الاعتماد المتزايد على الوظيفة الحكومية، ودفع سوق العمل نحو توسيع فرص القطاع الخاص لاستيعاب الخريجين.

ويواجه سوق العمل العراقي تحدياً متزايداً مع ارتفاع أعداد الخريجين سنوياً، إذ يضيف العراق نحو ربع مليون خريج من مؤسسات التعليم العالي، وبلغ عدد خريجي العام الدراسي 2023/2024 نحو 271 ألف خريج.

وتتزامن هذه الزيادة مع محدودية قدرة القطاع الحكومي على استيعاب الأعداد الجديدة، في ظل ارتفاع أعداد الموظفين والنفقات المرتبطة بالرواتب، بينما ما يزال القطاع الخاص يعاني من ضعف قدرته على توفير فرص عمل مستقرة وجاذبة بما يتناسب مع حجم الداخلين الجدد إلى سوق العمل.

وتدفع هذه المعادلة آلاف الخريجين إلى انتظار فرص التعيين الحكومي أو الاحتجاج للمطالبة بإدراج درجات وظيفية ضمن الموازنات، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تقليل الضغط على فاتورة الرواتب وتشجيع العمل في القطاع الخاص.

وتبرز أرقام تنفيذ الموازنة حجم التحدي، إذ بلغ إجمالي الإنفاق الاتحادي خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 54.673 تريليون دينار، فيما بلغت تعويضات الموظفين والرواتب نحو 30.769 تريليون دينار، أي ما يعادل نحو 56.3% من إجمالي الإنفاق الفعلي خلال تلك الفترة.

التعيين التزام طويل الأمد

وقال المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح، لوكالة شفق نيوز إن ارتفاع الإنفاق على الموظفين والرعاية الاجتماعية لا يمثل مشكلة بحد ذاته، لكن اتساع الإنفاق الجاري يحد من قدرة الدولة على توجيه مواردها نحو الاستثمار والتنمية، مشيراً إلى أن نفقات الرعاية الاجتماعية بلغت نحو 13.858 تريليون دينار.

وتصل حصة تعويضات الموظفين والرواتب والرعاية الاجتماعية مجتمعة إلى نحو 81.6% من إجمالي الإنفاق الاتحادي خلال النصف الأول من العام، وهو ما يعكس حجم الموارد المرتبطة بالإنفاق الجاري.

وأضاف صالح، أن العراق لا يستطيع اقتصادياً أن يجعل التعيين الحكومي حلاً دائماً لأزمة الخريجين، موضحاً أن كل درجة وظيفية جديدة لا تعني راتباً لسنة واحدة، وإنما التزاماً مالياً يمتد لسنوات طويلة، ويتبعه تقاعد ومخصصات وحقوق وظيفية أخرى.

وأشار إلى أن معالجة البطالة عبر التوسع المستمر في الجهاز الحكومي قد توفر حلاً مؤقتاً، لكنها لا تعالج جذور المشكلة، مؤكداً أن التحدي الحقيقي يتعلق بقدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل منتجة ومستدامة.

ضبط الرواتب والضرورة المالية

ومن زاوية المالية العامة، حذر الخبير المالي محمود داغر من أن استمرار التعيينات الحكومية يضيف أعباء جديدة إلى فاتورة الرواتب والنفقات العامة، خصوصًا مع استمرار اعتماد الموازنة على الإيرادات النفطية.

وفي حديث لوكالة شفق نيوز، قال داغر، إن معالجة الوضع المالي تتطلب وقف التعيينات الجديدة والسيطرة على نمو فاتورة الرواتب، إلى جانب العمل على خفض النفقات العامة، بما يسهم في تقليل حاجة الدولة إلى الاقتراض وخفض حجم الدين.

ولفت إلى أن ارتفاع الإيرادات النفطية لا يكفي وحده لضمان الاستقرار المالي، ما لم يترافق مع ضبط الإنفاق وتقليل الاعتماد على النفط في تمويل الالتزامات الحكومية.

وفي المقابل، أكد الخبير الاقتصادي محمد الحسني، لوكالة شفق نيوز أن نقل جزء من ضغط سوق العمل إلى القطاع الخاص يتطلب أولاً إصلاح بيئة العمل، وتحسين الأجور، وتوفير الضمانات الاجتماعية والاستقرار الوظيفي، مبيناً أن القطاع الخاص لن يصبح بديلاً حقيقياً للوظيفة الحكومية ما لم يشعر الخريج بأن العمل فيه يوفر له مستقبلاً مهنياً مستقراً.

وتابع الحسني، قائلاً إن إصلاح سوق العمل يتطلب إعادة النظر في العلاقة بين الجامعة وسوق العمل، إذ ليس من المنطقي أن يستمر النظام التعليمي في إنتاج أعداد كبيرة من الخريجين في تخصصات لا يستطيع الاقتصاد استيعابها، ثم تنتقل المسؤولية إلى الدولة لتوفير وظائف لهم.

ونوه إلى ضرورة دعم أجور الخريجين الجدد في القطاع الخاص لفترة محددة، ومنح الشركات التي تستوعبهم حوافز ضريبية وتأمينية، وربط الجامعات بسوق العمل، والتوسع في التعليم التقني والمهني، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، فضلاً عن توفير برامج تدريب حقيقية ترفع من قابلية الخريج للتوظيف.

اختبار سياسة التعيينات

وفي ما يتعلق بموازنة عام 2027، فقد أكملت وزارة المالية إعداد مشروع الموازنة، مع توجه معلن نحو الانتقال إلى موازنة البرامج والأداء وربط الإنفاق بالنتائج، بدل الاستمرار في التوسع التقليدي في الإنفاق الجاري.

ويفترض أن ترتبط أي تعيينات جديدة بالحاجة الفعلية إلى الموارد البشرية، والدرجات الوظيفية المتاحة، والتخصيصات المالية، وليس بمجرد أعداد الخريجين.

ومن هنا، ستكون موازنة 2027 اختباراً لقدرة الحكومة على الموازنة بين الاستجابة لمطالب الخريجين والحفاظ على الاستدامة المالية، ليس فقط عبر عدد الدرجات الوظيفية التي ستتضمنها، وإنما عبر ما ستقدمه من سياسات لتحفيز الاستثمار والقطاع الخاص وخلق فرص عمل جديدة.

وتظهر مطالب التعيين والاحتجاجات المرتبطة بها جانباً آخر من المشكلة، إذ لا يقتصر الضغط على الموازنة على الخريجين الجدد، بل يمتد إلى شرائح سبق أن دخلت إلى العمل الحكومي بصفة تعاقدية وتنتظر تثبيت أو حسم أوضاعها الوظيفية.

وتحدث أحد الخريجين المشاركين في تظاهرة للمطالبة بالتعيين في حديث لوكالة شفق نيوز، عن معاناة آلاف الخريجين الذين أمضوا سنوات بانتظار فرصة عمل، مؤكداً أن غياب فرص العمل المستقرة يدفع العديد إلى انتظار التعيين الحكومي أو الاحتجاج للمطالبة به.

ووفقاً للخريج، فإن معالجة الأزمة تتطلب توفير فرص عمل حقيقية، سواء عبر التعيين ضمن الحاجة الفعلية للدولة أو من خلال دعم القطاع الخاص والمشاريع القادرة على استيعاب الخريجين.

وفي السياق ذاته، ينتظر نحو 11 ألف متعاقد ظهرت أسماؤهم منذ عام 2025 استكمال إجراءات توزيعهم ومباشرتهم في الدوائر الحكومية، ما يضيف شريحة أخرى إلى قائمة المطالب المرتبطة بالوظيفة الحكومية.

وقال أحد المتعاقدين، لوكالة شفق نيوز، إن الإجراءات تسير ببطء، وإنهم ما زالوا ينتظرون حسم ملفاتهم وتوزيعهم، مطالباً بالإسراع في توضيح مصيرهم الوظيفي.

وبين أن وضع هذه المجموعة ما يزال غير واضح، في وقت شملت فيه إجراءات التثبيت عقوداً أخرى، بينما لم يستكمل المتعاقدون الجدد إجراءاتهم ولم يتم توزيعهم على دوائرهم، رغم مرور أكثر من عام على ظهور أسمائهم.

 

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon