قصف للفصائل وقطيعة مع بغداد.. الزيدي يتلقى رسائل "ثمن تعثر نزع السلاح"

قصف للفصائل وقطيعة مع بغداد.. الزيدي يتلقى رسائل "ثمن تعثر نزع السلاح"
2026-11-08T08:08:45+00:00

شفق نيوز- بغداد/ واشنطن

يواجه ملف حصر السلاح بيد الدولة في العراق تعثراً متزايداً وسط تباين مواقف الفصائل والقوى السياسية بشأن شروط التسوية، وضغوط أميركية متصاعدة لتفكيك التشكيلات المسلحة أو إخضاعها للمؤسسات الرسمية، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تجدد المواجهة بين واشنطن وطهران إلى وضع بغداد أمام مأزق أمني وسياسي معقد.

وبينما تؤكد أطراف في الإطار التنسيقي والفصائل أن الحوار قطع شوطاً مهماً وأن الخلافات قابلة للحل، تتحدث مصادر حكومية عن وصول المفاوضات إلى طريق شبه مغلق، في ظل رفض بعض الجماعات التخلي عن قدراتها العسكرية، وتصاعد التهديدات الأميركية باستهدافها إذا انخرطت في أي مواجهة مقبلة إلى جانب إيران.

وتكشف هذه التباينات عن تعقيدات تتجاوز مسألة تسليم السلاح، لتشمل مستقبل الفصائل داخل المنظومة الأمنية، والضمانات المطلوبة لمنع استهدافها، وحدود قدرة الحكومة والإطار التنسيقي (الذي يجمع القوى السياسية الشيعية الحاكمة في البلاد) على فرض تسوية تحظى بقبول جميع الأطراف.

وساطة الإطار

وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي من واشنطن، رمضان البدران، إن المفاوضات تجري عبر أربعة مستويات، أولها الحوار الذي يتولاه الإطار التنسيقي من خلال اللجنة الرباعية، التي كُلفت بالتواصل مع الفصائل، بدلاً من دخول الحكومة في مفاوضات مباشرة معها.

ويضيف البدران لوكالة شفق نيوز، أن المستوى الثاني يتمثل في تعهدات الحكومة خلال حوارها مع واشنطن، إذ أكدت عزمها إنهاء ملف الفصائل المسلحة، فيما يرتبط المستوى الثالث بموقف الولايات المتحدة التي لا تريد بقاء تشكيلات مسلحة خارج الأطر الرسمية في المنطقة، وتترقب خطوات عملية عراقية بهذا الاتجاه.

أما المستوى الرابع، فيتعلق بطبيعة العلاقة بين الإطار التنسيقي والفصائل، إذ يرى البدران أن الإطار لا يمتلك سلطة حاسمة عليها، رغم مسؤوليته السياسية عن دعمها منذ تأسيسها، ما يجعله وسيطاً بين تلك الجماعات ورئيس الحكومة.

ويشير إلى أن بعض الفصائل لا ترى نفسها ملزمة بالاتفاق مع الحكومة العراقية، وهو ما يزيد صعوبة الوصول إلى تفاهمات نهائية، خصوصاً مع اختلاف تصورات الأطراف بشأن شكل التسوية المطلوبة.

ويرى البدران أن واشنطن لا تتعامل مع نهاية حزيران/ يونيو 2027 بوصفها موعداً ملزماً لها، بل تريد رؤية تقدم ملموس على الأرض باتجاه تحويل الفصائل إلى قوى أمنية تعمل ضمن المؤسسات الرسمية، موضحاً أن الموعد أُبلغت به الولايات المتحدة من الجانب العراقي، من دون أن يعني ذلك وجود اتفاق أميركي عليه.

ويضيف أن اللجنة الرباعية قدمت مقترحات إلى رئيس الوزراء علي الزيدي، لكن الأخير لم يحسم موقفه منها حتى الآن، ربما بسبب عدم وضوح مدى قبول واشنطن بها، وخشية أن تضع العراق أمام التزامات تجاه فصائل قد تكون مستهدفة أميركياً.

ويحذر البدران، من أن عدم حسم هذا الملف، بالتزامن مع احتمال تجدد المواجهة الأميركية الإيرانية، قد يدفع بعض الفصائل إلى الانخراط في الصراع تحت عنوان ما تصفه بـ"الواجب الشرعي"، الأمر الذي قد يجر العراق إلى وضع بالغ الخطورة.

دعم مشروط

في المقابل، لا يرى مختار الموسوي، النائب عن كتلة بدر بزعامة هادي العامري، أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود، مؤكداً أن الحكومة هي التي حددت أربع شخصيات للتفاوض مع الفصائل، لكن الحوارات لم تفضِ حتى الآن إلى نتائج نهائية، في ظل وجود مطالب وامتيازات تسعى بعض التشكيلات إلى الحصول عليها ضمن مؤسسات الدولة.

ويقول الموسوي لوكالة شفق نيوز، إن كتلة بدر لا تعارض حصر السلاح بيد الدولة، وإن زعيمها هادي العامري يتولى بنفسه التفاوض مع الفصائل بهدف ضمها إلى المنظومة الرسمية، مشدداً على أن الجيش والشرطة والحشد الشعبي ينبغي أن تكون المؤسسات التي تنضوي تحتها التشكيلات المسلحة.

ويضيف أن الهدف هو بناء دولة مؤسساتية ونظامية، لا أن تبقى الأسلحة موزعة خارج إطارها، مؤكداً أن موقف بدر يقوم على دعم هذا المسار.

ويتفق معه عضو مجلس النواب عن الكتلة حسن شاكر الكعبي، لكنه يرفض توصيف ما يجري بأنه خلاف بين الحكومة والفصائل، قائلاً إن الأطراف توصلت منذ بداية الحوار إلى قناعة بضرورة إيجاد حلول مشتركة، وإن الاختلاف يتعلق بآليات التنفيذ والمدة الزمنية، وليس بمبدأ التفاهم.

ويوضح الكعبي لوكالة شفق نيوز، أن الاعتقاد بإمكانية إنهاء ملف السلاح بين ليلة وضحاها غير واقعي، مستذكراً دور الفصائل في مواجهة تنظيم "داعش" خلال السنوات التي هدد فيها وجود العراق، ومشيراً إلى أن لكل طرف مطالبه ورؤيته التي ينبغي مناقشتها عبر الحوار السياسي والأمني.

ويؤكد أن هادي العامري يمثل الوسيط الأساسي في تقريب وجهات النظر، ليس بين الفصائل فحسب، وإنما أيضاً بين الإطار التنسيقي والقوى السياسية والتشكيلات الأخرى، معتبراً أن دوره سيكون مهماً في ترتيب الخطوات وجدولتها وصولاً إلى حل نهائي.

لكن هذه الرؤية المتفائلة لا تتفق تماماً مع المعطيات التي ظهرت خلال الأيام الماضية، إذ كشف مصدر حكومي مقرب من الزيدي، الخميس الماضي لوكالة شفق نيوز، عن وصول المفاوضات إلى طريق شبه مغلق، بسبب استمرار رفض فصائل تسليم سلاحها.

وحذر المصدر من انتقال التصعيد الإعلامي بين الفصائل والحكومة والإطار التنسيقي إلى الشارع، بما قد ينعكس على الوضع الأمني، مشيراً إلى تحركات واتصالات أجرتها أطراف مؤثرة داخل الإطار لاحتواء التوتر ومنع تفاقم الخلافات.

وجاء ذلك بعد انتقادات وجهها المسؤول الأمني لكتائب حزب الله أبو مجاهد العساف، في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، إلى الحكومة وقيادات الإطار التنسيقي، متسائلاً عن ملفات سياسية واقتصادية، بينها عقود بيع النفط لشركة "أدنوك" الإماراتية، ومؤكداً أن "المقاومة الإسلامية" تنتظر نسخة من الاتفاق مع لجنة الإطار، وأنها أوقفت عملياتها العسكرية داخل العراق حتى إشعار آخر.

خلافات مكتومة

ولم تقتصر التحديات على مواقف الفصائل، بل امتدت إلى آلية إدارة المفاوضات نفسها، إذ كشف مصدر مطلع على عمل اللجنة الرباعية، في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر لوكالة شفق نيوز، عن امتعاض بعض أعضائها، ومن بينهم رئيس منظمة بدر هادي العامري، من تدخل الزيدي المباشر عبر عقد اجتماعات منفردة مع قادة جماعات ترفض تسليم سلاحها، خشية أن تؤدي هذه التحركات إلى نتائج عكسية.

وبحسب المصدر، فإن اللجنة كانت قد حققت تقدماً في حواراتها، وأكدت التزامها بإنهاء مهمتها بحلول نهاية حزيران/ يونيو 2027، بعد أن تم تمديد المهلة التي كان مقرراً انتهاؤها سابقاً في 30 أيلول/ سبتمبر، وذلك تزامناً مع انسحاب قوات التحالف الدولي، رغم التحفظات على تدخلات خارج إطارها.

وفي المقابل، كشف وزير الخارجية فؤاد حسين، أمس السبت، عن توصل الزيدي إلى تفاهمات مع أربع فصائل بشأن ملف السلاح، موضحاً أن عصائب أهل الحق وكتائب سيد الشهداء وافقتا على ضبط السلاح، فيما تستمر المفاوضات مع حركة النجباء وكتائب حزب الله.

وقال حسين إن بغداد تجري اتصالات مع طهران بشأن سلاح الفصائل، وإن حصر السلاح بيد الدولة ينبغي أن يتم بالحوار لا بالصدام المسلح.

وتشير هذه التصريحات إلى وجود تباين في طبيعة المواقف بين الفصائل، حتى تلك التي لا ترفض مبدأ تنظيم السلاح، إذ لا يعني القبول بضبطه بالضرورة الموافقة على تسليمه أو تفكيك التشكيلات المسلحة.

وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي المقرب من الإطار التنسيقي، عماد المسافر، إن الحكومة وفصائل المقاومة قطعتا شوطاً مهماً في المفاوضات، وإن الاتفاق الذي سبق 30 أيلول/ سبتمبر 2026 أفضى إلى خروج القوات الأميركية والتركية والاحتفال بيوم السيادة العراقية.

ويعتبر المسافر خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن السقف الزمني المحدد حتى منتصف عام 2027 يمثل فترة ترقب متبادل بين الحكومة والفصائل، في ظل مخاوف الأخيرة من احتمال خرق الولايات المتحدة أو إسرائيل السيادة العراقية، أو توجيه ضربات داخل البلاد.

ويقول إن هذه المخاوف تشكل إحدى أبرز نقاط الخلاف، في وقت تسعى الحكومة إلى ضمان عدم استخدام الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداء على دول الجوار، معتبراً أن الحديث عن خطورة سلاح الفصائل يتضمن، في بعض جوانبه، محاولات لتشويه صورتها.

ويرى المسافر أن الطرفين جادان في الحفاظ على سيادة العراق، وأن الفترة المتبقية حتى الموعد المحدد ينبغي أن تتيح معالجة الخلافات، ولا سيما ما يتعلق بالضمانات الأمنية والسياسية.

إنذار واشنطن

وعلى الجانب الأميركي، تتزايد الرسائل الموجهة إلى بغداد بشأن ضرورة إحراز تقدم في ملف حصر السلاح، وسط تحذيرات من تداعيات استمرار وجود تشكيلات مسلحة خارج سيطرة الدولة.

ففي 3 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، أفادت مصادر سياسية لوكالة شفق نيوز، بأن القائم بأعمال السفارة الأميركية في بغداد، ستيفن فاجن، نقل رسائل إلى شخصيات حكومية وسياسية، حذر فيها من أن عدم الالتزام بالتعهدات ووضع خطة ملموسة لإنهاء وجود السلاح خارج سيطرة الدولة بحلول 30 حزيران/ يونيو 2027، قد يدفع واشنطن إلى اعتبار العراق دولة راعية للإرهاب واتخاذ عقوبات وإجراءات بحقه.

وبحسب المصادر، فإن واشنطن لم تلمس إجراءات عملية كافية، خصوصاً مع استمرار تهديدات الفصائل ومحاولة استهداف السفارة الأميركية في بغداد بطائرات مسيّرة.

وتصاعدت هذه الرسائل في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، عندما أجرى الرئيس الأميركي دونالد ترمب اتصالاً هاتفياً بالزيدي، أعقبه اجتماع الأخير مع المبعوث الأميركي الخاص إلى العراق توم باراك.

وكشفت مصادر مطلعة لوكالة شفق نيوز، أن ترمب أبلغ الزيدي باستعداد الولايات المتحدة لتوجيه ضربات عسكرية قوية ضد الفصائل وقياداتها إذا شاركت في أي حرب مقبلة دعماً لإيران، مؤكداً استعداد واشنطن لتقديم الدعم للحكومة العراقية في تنفيذ مشروع حصر السلاح.

ووفق المصادر فإن الرئيس الأميركي حذر من أن أي تراجع أو مماطلة في هذا الملف قد يدفع واشنطن إلى إعادة تقييم مستوى دعمها للزيدي وحكومته.

وفي اللقاء مع باراك، بحسب بيان المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء الصادر مساء 5 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، بحث الجانبان العلاقات الثنائية والتعاون الاقتصادي والاستثماري، إلى جانب تطورات المنطقة وأهمية تكثيف الجهود الدبلوماسية لاحتواء الأزمات ومنع اتساع الصراعات.

وأكد الزيدي، خلال اتصاله بترمب في اليوم نفسه، موقف العراق الرافض لاستخدام أراضيه منطلقاً للاعتداء على دول الجوار، داعياً إلى احترام سيادة الدول واعتماد الحوار والحلول السلمية.

ويقرأ رمضان البدران هذه التحركات في إطار رغبة واشنطن برؤية نتائج فعلية، لا الاكتفاء بالتعهدات السياسية، مشيراً إلى أن التحدي أمام الزيدي يتمثل في الوصول إلى صيغة تنهي وجود السلاح خارج المؤسسات الرسمية، من دون أن تستفز الولايات المتحدة أو دول المنطقة، أو تدفع العراق إلى مواجهة داخلية.

رسائل إقليمية

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد الخطاب الإيراني بشأن اتساع المواجهة الإقليمية، إذ قال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني، في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، إن قادة وعناصر ما تسميه طهران "جبهة المقاومة" أعلنوا ولاءهم المطلق، عقب توجيهات المرشد الإيراني مجتبى خامنئي بشأن التعامل مع التهديدات من دون قيود جغرافية.

وكان خامنئي قد وجّه، في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، كبار القادة العسكريين الإيرانيين بالاستجابة الفورية لأي تهديد محتمل، قبل أن يشيد بعد ثلاثة أيام بدور الفصائل في العراق ولبنان وفلسطين واليمن، ويدعو إلى تعزيز ما يعرف بـ"وحدة الساحات".

وتثير هذه المواقف مخاوف من احتمال انخراط فصائل عراقية في أي مواجهة جديدة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، خصوصاً أن بعض التشكيلات تربط مشاركتها في الصراع باعتبارات تتجاوز الحسابات العراقية الداخلية.

أمس السبت، حذرت السفارة الأميركية في بغداد مواطني الولايات المتحدة الموجودين في الشرق الأوسط من مخاطر هجمات محتملة قد تنفذها جماعة الحوثي، فضلاً عن محاولات إيرانية لاستهداف مسؤولين أميركيين في المنطقة.

ودعت السفارة إلى توخي الحذر من احتمال استهداف المصالح الأميركية ومواطنيها، والاستعداد لاضطرابات في حركة الطيران وإغلاق بعض المجالات الجوية، في تحذير يعكس اتساع دائرة المخاوف الأمنية المرتبطة بالتصعيد الإقليمي.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon