"صحراء النجف".. تساؤلات عن أكثر المناطق حساسية في العراق
انتشار القوات الأمنية العراقية في صحراء النخيب
شفق نيوز- بغداد
أعاد الجدل المتصاعد بشأن وجود موقع عسكري سري في صحراء النجف وكربلاء تسليط الضوء على واحدة من أكثر المناطق العراقية حساسية وتعقيداً من الناحية الأمنية، في ظل تصاعد الصراع الإقليمي بين إسرائيل وإيران، وتزايد الحديث عن استخدام الأراضي العراقية في عمليات عسكرية واستخبارية غير معلنة.
وبين بيانات النفي الرسمية، والتقارير الدولية، والتسريبات الإعلامية، والحديث عن اشتباكات مع مفارز مجهولة، تحولت الحادثة إلى ملف سياسي وأمني وإعلامي يثير تساؤلات واسعة حول حقيقة ما جرى في عمق الصحراء الغربية العراقية، وحدود السيطرة الأمنية على تلك المناطق المفتوحة.
بلاغ راعٍ يشعل القضية
في الرابع من آذار/ مارس 2026، أبلغ راعٍ عراقي قيادة عمليات محافظة النجف عن تحركات جوية ونشاط غير اعتيادي في منطقة صحراوية تقع بين محافظتي النجف وكربلاء، ضمن امتداد الصحراء الغربية العراقية القريبة من منطقة النخيب.
وبعد ساعات، تحركت قوة من الجيش العراقي باتجاه الموقع للتحقق من المعلومات، قبل أن تتعرض لإطلاق نار وفق ما ورد في بيان لاحق للقيادة العسكرية العراقية، ما أدى إلى مقتل عنصر وإصابة آخرين.
هذه الحادثة فتحت الباب سريعاً أمام موجة من التكهنات، خصوصاً مع تزامنها مع تصاعد المواجهة الإقليمية بين إسرائيل وإيران، ما دفع وسائل إعلام دولية إلى ربط الحادثة بتحركات عسكرية سرية داخل الأراضي العراقية.
تقارير دولية تتحدث عن موقع سري
لاحقاً، تحدثت تقارير إعلامية دولية، من بينها تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال الأميركية، عن وجود موقع عسكري سري يُعتقد أنه استُخدم من قبل إسرائيل خلال عملياتها الجوية ضد إيران، وهو ما أعاد فتح الجدل حول طبيعة النشاط العسكري في تلك المنطقة الصحراوية.
كما تناولت وسائل إعلام عبرية، بينها موقع "جي فيد" وصحيفة جيروزاليم بوست، مزاعم بشأن وجود منشأة عسكرية سرية داخل العراق يُزعم استخدامها في عمليات ضد إيران، مع الإشارة إلى تدخل أميركي لمنع السلطات العراقية من التحقيق في الموقع.
وتحدثت تقارير أخرى عن أن الموقع كاد يُكتشف بعد بلاغ الراعي المحلي، وأن القوات العراقية تعرضت لإطلاق نار أثناء اقترابها من المنطقة، قبل أن تنسحب الجهات الموجودة هناك بشكل سريع.
ويرى مراقبون أن توقيت هذه التسريبات يرتبط مباشرة بالتطورات العسكرية في المنطقة، ومحاولة مختلف الأطراف توجيه رسائل أمنية واستخبارية ضمن إطار الحرب غير المعلنة الدائرة في الشرق الأوسط.
بغداد تنفي والأجهزة الأمنية تتحرك
في المقابل، نفى مسؤولون عراقيون العثور على أي قوات أو معدات عسكرية خلال عمليات تفتيش واسعة نفذتها القوات الأمنية في صحراء النجف وكربلاء، مؤكدين أن المنطقة خضعت لعمليات تمشيط دون تسجيل أي وجود عسكري أجنبي.
وفي هذا السياق، أعلنت هيئة لحشد الشعبي يوم أمس الثلاثاء، انطلاق عملية عسكرية تحت اسم فرض السيادة في صحراء النجف وكربلاء عبر أربعة محاور، بهدف تأمين الطريق الرابط بين كربلاء ومنطقة النخيب.
وقال قائد عمليات الفرات الأوسط في هيئة الحشد الشعبي علي الحمداني، في بيان ورد لوكالة شفق نيوز، إن العملية جاءت بتوجيه من القائد العام للقوات المسلحة وبإشراف رئيس أركان الجيش الفريق أول عبد الأمير يار الله، مبيناً أن القوات تنفذ عمليات تفتيش وتمشيط بعمق يصل إلى 70 كيلومتراً.
وأضاف الحمداني، أن المحاور تشمل تشكيلات من قيادات الفرات الأوسط وكربلاء والأنبار في الحشد الشعبي، إضافة إلى اللواء الثاني، مشيراً إلى أن العملية تهدف إلى تعزيز الأمن في المناطق الصحراوية المفتوحة.
وبالتزامن مع ذلك، توجه رئيس أركان الجيش العراقي عبد الأمير يار الله إلى منطقة النخيب، وفق بيان لوزارة الدفاع، لمتابعة الأوضاع الأمنية ميدانياً.
من جانبه، قال رئيس خلية الإعلام الأمني الفريق سعد معن، خلال جولة عسكرية أجريت يوم أمس في صحراء النخيب، إن وجود تلك القوة كان مؤقتاً ولم يستمر سوى ساعات محدودة، لافتاً إلى أن الانتشار السريع للقوات العراقية أدى إلى إنهاء أي وجود غير نظامي في المنطقة، مع نفي ما تم تداوله بشأن وجود قاعدة عسكرية دائمة هناك.
كما أوضح أن القوات الأمنية تواصل عملياتها في الصحراء لتعزيز الاستقرار ومنع أي خروقات محتملة، مشدداً على عدم تسجيل أي مواقع عسكرية غير عراقية خلال عمليات التفتيش اللاحقة.
في غضون ذلك، كشف قائد عمليات كربلاء الفريق الركن علي الهاشمي تفاصيل حادثة اشتباك وقعت مطلع آذار الماضي مع "قوة مجهولة" حاولت الانتشار في المنطقة، مؤكداً أن التحركات العسكرية العراقية حالت دون بقائها في وقتها.
وبحسب الهاشمي، فإن القوات العراقية نفذت عملية تفتيش شاملة في اليوم التالي ولم تعثر على أي معسكرات أو وجود لأي قوات غير نظامية داخل المنطقة.
روايات متضاربة حول الاشتباك
وفي تطور متزامن، أكدت خلية الإعلام الأمني التابعة لقيادة العمليات المشتركة العراقية، الأحد الماضي، أن القوات الأمنية لم تعثر على أي قوات أو معدات عسكرية غير مرخصة في صحراء كربلاء والنجف، موضحة أن ما تم تداوله يرتبط بحادثة وقعت في 5 آذار/ مارس 2026، عندما اشتبكت قوة عراقية مع مفارز مجهولة مدعومة بغطاء جوي
وأضافت أن القوات العراقية واصلت عمليات التفتيش في المنطقة دون التوصل إلى أي وجود عسكري أجنبي، محذرة من استغلال الحادثة سياسياً أو إعلامياً.
لكن على الجانب الآخر، أكد النائب عن كتلة بدر النيابية شاكر أبو تراب التميمي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، يوم الاثنين الماضي، أن المعسكر "الأميركي – الإسرائيلي" ما زال موجوداً في غرب العراق، مشيراً إلى عدم السماح للقوات العراقية بالاقتراب منه.
هذا التباين بين الرواية الرسمية والتصريحات السياسية يعكس حجم التعقيد الذي يحيط بالقضية، خصوصاً في ظل غياب معلومات ميدانية حاسمة أو صور موثقة يمكن اعتمادها بشكل نهائي.
الذكاء الاصطناعي يربك المشهد
وفي سياق متصل، تداولت منصات رقمية صوراً قالت إنها تظهر منشأة عسكرية في الصحراء العراقية، إلا أن تحقيقاً نشره فريق "مسبار" للتحقق من المعلومات خلص إلى أن الصور المتداولة مولدة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ووفق التحقيق، أظهرت الأدلة التقنية وجود تناقضات في العناصر البصرية، بينها عدد المروحيات الظاهر في الصورة مقارنة بالنص المرافق، إضافة إلى عدم تطابق الإحداثيات الجغرافية مع صور أقمار صناعية حديثة للموقع المفترض.
كما أشار التحقيق إلى أن أدوات تحليل المحتوى الرقمي أظهرت احتمالاً مرتفعاً جداً، يتجاوز 98%، بأن الصورة غير حقيقية.
ويعكس هذا التطور جانباً جديداً من الصراعات الحديثة، حيث باتت الصور المفبركة والمواد المولدة بالذكاء الاصطناعي جزءاً من معارك التأثير الإعلامي والتضليل النفسي في النزاعات الإقليمية.
نشاط مؤقت ولا قاعدة ثابتة
وفي هذا الجانب، قال الخبير العسكري اللواء جواد الدهلكي، إن "ما تم تداوله عن وجود قاعدة إسرائيلية في الصحراء العراقية غير دقيق"، مضيفاً أن "المنطقة شهدت نشاطاً مرتبطاً بمحاكاة عسكرية، وليس إنشاء قاعدة ثابتة".
ولفت الدهلكي، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن "قوات نزلت في المنطقة بعد بدء الحرب في 28 شباط/ فبراير 2026، باستخدام مروحيات عسكرية، قبل أن تغادر لاحقاً بعد انكشاف الموقع، على حد قوله".
وتابع قائلاً إن "ما جرى يمثل خرقاً أمنياً يرتبط بعدم التزام الولايات المتحدة ببنود الاتفاقية الاستراتيجية الموقعة عام 2011، والتي تتعلق بضبط الحركة العسكرية ومنع أي خروقات داخل الأراضي والأجواء العراقية".
من جهته، قال الخبير الأمني مخلد حازم الدرب، إن طبيعة التضاريس الصحراوية بين النجف وكربلاء تجعلها بيئة مناسبة لتنفيذ عمليات عسكرية مؤقتة أو سرية، سواء لأغراض لوجستية أو دعم عمليات جوية أو حتى مهام إنقاذ.
وفي حديث لوكالة شفق نيوز، أكد الدرب، أن بعض هذه العمليات قد تُنفذ ضمن سيناريوهات متعددة، وأن اكتشافها يؤدي عادة إلى إنهاء وجودها ميدانياً بشكل سريع، وهو ما يفسر تضارب المعلومات حول ما حدث في المنطقة.
في حين، اعتبر الخبير الأمني والاستراتيجي عدنان الكناني، أن بعض التغطيات الإعلامية الدولية تميل إلى تضخيم فرضية وجود نشاط عسكري إسرائيلي في عمق الصحراء العراقية، بهدف تعزيز صورة القوة الميدانية في سياق الصراع الإقليمي.
ووفقاً لحديث الكناني، لوكالة شفق نيوز، فإن العمليات العسكرية العراقية مستمرة في تلك المناطق، ولا يوجد ما يثبت وجود نشاط معادٍ كما يتم تداوله، على حد تعبيره.
عقدة أمنية مفتوحة
وتكشف هذه الحادثة عن هشاشة السيطرة الأمنية الكاملة على المناطق الصحراوية الممتدة غرب العراق، والتي ظلت لسنوات مسرحاً لتحركات الجماعات المسلحة وطرق التهريب والنشاطات العابرة للحدود.
كما تعكس حجم التداخل بين الجغرافيا العراقية والصراعات الإقليمية، في وقت تحاول فيه بغداد الحفاظ على سياسة التوازن ومنع استخدام أراضيها كساحة مواجهة بين القوى المتصارعة.
ويرى مختصون أن ما جرى، سواء كان نشاطاً عسكرياً محدوداً أو مجرد تضخيم إعلامي، فإنه يكشف في كل الأحوال عن تحديات كبيرة تواجه المنظومة الأمنية العراقية في مراقبة المساحات الصحراوية الشاسعة، خصوصاً مع التطور المتسارع في أساليب الحرب الحديثة والعمليات الجوية السرية.
وبين الروايات الرسمية والتقارير الدولية والتسريبات السياسية، تبقى حقيقة “القاعدة الإسرائيلية” في صحراء النجف وكربلاء ملفاً غامضاً لم تُكشف جميع تفاصيله بعد.
لكن المؤكد أن الحادثة أعادت تسليط الضوء على حساسية الصحراء الغربية العراقية، وعلى حجم التحديات الأمنية المرتبطة بالصراع الإقليمي المتصاعد، في وقت يسعى فيه العراق إلى تثبيت سيادته ومنع تحوّل أراضيه إلى منصة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.