شفق نيوز تفك "شفرة" التهديد الأكبر للدينار العراقي
شفق نيوز- بغداد
قد لا يشعر المواطن العراقي مباشرة بارتفاع أو انخفاض احتياطي البنك المركزي من العملات الأجنبية، لكنه يلمس نتائجه في سعر صرف الدولار، وأسعار السلع، وقوة الدينار الشرائية، وحتى في قدرة الدولة على مواجهة الأزمات الاقتصادية.
ويعد الاحتياطي الأجنبي "خط الدفاع الأول" للاقتصاد العراقي؛ إذ يمنح البنك المركزي القدرة على حماية سعر صرف الدينار، وتمويل عمليات الاستيراد، والحفاظ على الثقة بالقطاع المالي، خاصةً في بلد يعتمد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية.
وخلال السنوات الأخيرة، سجل الاحتياطي تراجعاً تدريجياً، إذ انخفض من 111.6 مليار دولار نهاية عام 2023 إلى 100.2 مليار دولار في 2024، ثم إلى 97.4 مليار دولار في نهاية 2025، قبل أن يستقر عند 97.8 مليار دولار بنهاية نيسان 2026. ورغم هذا الانخفاض، يؤكد مختصون أن الاحتياطي ما يزال عند مستويات آمنة، لكنه يبقى مرهوناً بأسعار النفط والإدارة المالية للدولة.
وفي هذا الصدد، قال المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، إن احتياطي البنك المركزي ما يزال ضمن الحدود المطمئنة وفق المعايير الدولية، إذ يغطي واردات العراق لنحو 12 شهراً، بينما يكتفي المعيار العالمي بثلاثة أشهر فقط.
وأكد صالح، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن هذه المستويات تمنح البنك المركزي قدرة كبيرة على التدخل في سوق الصرف والحفاظ على استقرار الدينار، مبيناً أن حجم الاحتياطي يمثل أحد أهم مؤشرات قوة السياسة النقدية. وأشار إلى أن استقرار سعر الصرف لا يعتمد على الاحتياطي وحده، بل يرتبط أيضاً بأسعار النفط والإيرادات الحكومية وكفاءة القطاع المصرفي ومستوى الثقة بالاقتصاد.
كلمة السر
بدوره، رأى الخبير الاقتصادي محمد الحسني، أن احتياطيات البنك المركزي تتغذى أساساً من عائدات النفط، فيما تبقى الإيرادات غير النفطية محدودة التأثير.
وبين الحسني، لوكالة شفق نيوز، أن البنك المركزي لا يستخدم هذه الأموال لتمويل الموازنة، وإنما للحفاظ على الاستقرار النقدي، ودعم سعر صرف الدينار، وتأمين الدولار اللازم للاستيراد، إضافة إلى تعزيز ثقة المستثمرين بالاقتصاد العراقي. ونبه إلى أن جزءاً من الاحتياطي يُستثمر في أدوات مالية آمنة وعالية السيولة لدى مؤسسات دولية، بما يحافظ على قيمته ويضمن إمكانية استخدامه عند الحاجة.
أما المدير العام السابق في البنك المركزي، محمود داغر، فرأى أن تأثير الاحتياطي على المواطن غير مباشر، موضحاً أن انعكاسه الحقيقي يظهر عندما ترتفع المضاربات على الدولار أو تتراجع الثقة بالسوق.
وذكر داغر، لوكالة شفق نيوز، أن الأخبار والشائعات بشأن الاقتصاد أو صادرات النفط تدفع بعض المواطنين والتجار إلى شراء الدولار، مما يزيد الطلب عليه ويرفع سعره في السوق الموازية. وبما أن العراق يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، فإن أي ارتفاع في سعر الدولار يؤدي حتماً إلى زيادة أسعار السلع المستوردة وتراجع القوة الشرائية للدينار، وفق داغر.
من جانبه، لفت أستاذ العلوم السياسية في جامعة ذي قار، نجم عبد طارش، إلى أن استمرار انخفاض أسعار النفط إلى مستويات تتراوح بين 55 و60 دولاراً للبرميل قد يفرض ضغوطاً على الاحتياطي، إذا تزامن مع استمرار الإنفاق الحكومي المرتفع.
وأوضح عبد طارش، أن الاحتياطي لن يتراجع بصورة حادة على المدى القريب، لكنه قد يتآكل تدريجياً إذا استمرت الإيرادات النفطية بالانخفاض من دون إصلاحات اقتصادية حقيقية. وبحسب قوله، فإن حماية الاحتياطي لا تتحقق بالاعتماد على النفط وحده، وإنما عبر تنويع الاقتصاد، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وتشجيع الاستثمار والإنتاج المحلي.
ماذا يعني ذلك للمواطن؟
وطبقاً لما أجمع عليه الخبراء، فإن بقاء الاحتياطي عند مستوياته الحالية يطمئن الأسواق ويعزز استقرار سعر صرف الدينار، بينما قد يؤدي تراجعه لفترة طويلة إلى تقليص قدرة البنك المركزي على التدخل، بما ينعكس سلبياً على أسعار الدولار والسلع المستوردة.
وبذلك، فإن احتياطي البنك المركزي ليس مجرد رقم في التقارير المالية، بل هو أحد أهم الضمانات لاستقرار الاقتصاد العراقي، ويحدد إلى حد كبير قدرة الدولة على حماية الدينار، ومواجهة الأزمات، والحفاظ على القوة الشرائية للمواطنين.