خريطة خانقين تتقلص.. تحولات إدارية وسكانية تعيد رسم المدينة
شفق نيوز- خانقين
لم تعد التحديات التي تواجه خانقين تقتصر على تراجع مستوى الخدمات أو ضعف التمثيل السياسي، بل امتدت لتشمل تغييرات تمس جغرافية القضاء وتركيبته الإدارية والسكانية.
فمنذ خروج عدد من الوحدات الإدارية تباعاً من حدود خانقين، مروراً بالتحولات السكانية التي أعقبت أحداث 16 أكتوبر/تشرين الأول 2017، وصولاً إلى النزاعات المتعلقة بالأراضي والعقود الزراعية وتراجع التعليم باللغة الكوردية، تشهد المدينة سلسلة من المتغيرات المترابطة.
نقطة جغرافية تثير القلق
وقال مهيمن الأغا، الكادر المتقدم في الاتحاد الوطني الكوردستاني، لوكالة شفق نيوز، إن خانقين كانت تضم في حدودها قره تبة وجبارة وجلولاء والسعدية، لكن تحويل قره تبة وجلولاء إلى قضاءين أدى إلى فصلهما عن خانقين وتقليص حدودها، واصفاً القرارات المتعلقة بذلك بأنها موضع شك قانوني.
وأشار إلى أن الاتحاد الوطني قدم اعتراضات وشكاوى عبر القنوات القانونية.
الرؤية نفسها، لكن بتفاصيل زمنية أوسع، يطرحها سربست برزو، عضو الحزب الديمقراطي الكوردستاني، الذي يقسم التحولات الإدارية التي مرت بها خانقين إلى مرحلتين، الأولى تعود إلى عام 1992، عندما جرى فصل ناحيتي بمو وميدان عن إدارة خانقين وإلحاقهما بكلار، والثانية أعقبت أحداث 16 أكتوبر/تشرين الأول 2017، وشملت، تغييرات طالت مندلي وجلولاء وقره تبة وجبارة والسعدية.
ويستعيد برزو، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، صورة جغرافية مختلفة تماماً للقضاء، قائلاً إن خانقين كانت من أكبر أقضية العراق مساحة وإدارة، وكانت حدودها تمتد شرقاً باتجاه إيران، وشمالاً باتجاه حلبجة والسليمانية، فضلاً عن امتدادها داخل ديالى، بينما أصبحت اليوم، وفق الواقع الإداري القائم، مركز قضاء يكاد يخلو من أية ناحية مرتبطة به.
في المقابل، رأى المواطن، سيروان محمد، أن ما جرى لا يمكن تفسيره باعتباره إعادة تنظيم إداري محض، بل يضعه ضمن صراع أوسع على الجغرافيا والنفوذ السياسي، مبيناً أن قره تبة تحولت إلى قضاء وألحقت بها جبارة، فيما شهد ملف جلولاء تحركات مشابهة، ويربط جانباً من هذه التطورات بالتنافس بين القوى السياسية العربية السنية النافذة داخل محافظة ديالى.
وبحسب محمد، فقد أسهم نفوذ حزب تقدم في الدفع باتجاه إدارة قره تبة وجبارة بصورة منفصلة عن خانقين، في حين تحرك حزب السيادة، المنافس له، باتجاه ملف جلولاء والسعدية، مضيفاً أن الاعتراضات الكوردية والإجراءات القضائية لم تتمكن، حتى الآن، من إعادة الخارطة الإدارية إلى ما كانت عليه.
قرارات محل اعتراض
في تقييم شرعية التحولات الأخيرة، تحدث مهيمن الأغا، قائلاً إن الاتحاد الوطني الكوردستاني اعترض رسمياً على بعض القرارات، ولا سيما ما يتعلق بجلولاء وقره تبة، موضحاً أن الحزب يشكك في قانونيتها وفي الأسس التي استندت إليها.
ووفقاً لكلام الأغا، فإن بعض القرارات مرت داخل مجلس محافظة ديالى من دون الأخذ بالاعتراضات المقدمة ضدها، فيما يرى أنها تتعارض مع القانون والدستور، ولذلك يحمل الحكومة الاتحادية المسؤولية الأولى عما آلت إليه الأوضاع.
لكن المسؤولية، في نظره، لا تتوقف عند بغداد، إذ يضع الأحزاب الكوردية في المرتبة الثانية، معتبراً أن استمرار الانقسام وعدم توحيد الموقف أضعفا قدرة الكورد على مواجهة التغييرات المتسارعة.
من جانبه، قال الفنان عباس الزهاوي: "لا يعفي حكومة إقليم كوردستان والقوى الكوردية من المسؤولية"، مبيناً أن "أحد مفاتيح فهم ما حدث بعد 16 تشرين الأول/ أكتوبر هو تراجع حضور الإقليم في خانقين إلى مستويات غير مسبوقة".
ولفت إلى أن "المدينة كانت قبل أحداث 2017 بمثابة لوحة جميلة بتنوع أهلها ولغاتها وعاداتها، لكنها تعرضت لاحقاً لما يسميه عوامل تعرية سياسية"، معتبراً أن "حكومة الإقليم سحبت يدها إلى حد كبير من المدينة وتركتها تواجه التحولات بمفردها".
ويقدر الزهاوي، أن الحضور الخدمي لحكومة الإقليم في خانقين انخفض بنسبة تصل إلى 90% بعد تلك الأحداث، موضحاً أن الأحزاب الكوردية انشغلت بخلافاتها وصراعاتها الداخلية بدلاً من توجيه نفوذها السياسي والمالي نحو حماية موقع المدينة وتلبية احتياجات سكانها.
الجغرافيا ليست وحدها التي تغيرت
إذا كانت الحدود الإدارية تمثل الوجه الأول للمشكلة، فإن التحولات السكانية تمثل الوجه الأكثر حساسية، فيقول سربست برزو، إن خانقين، حتى داخل حدودها الحالية، شهدت منذ أحداث 16 أكتوبر ما يصفه بـ"عمليات تعريب وتغيير سكاني"، موضحاً أن عائلات عربية من مناطق أخرى انتقلت إلى المدينة واشترت محال وأراضي ومنازل.
ويربط برزو هذه التحولات مباشرة بالمادة 140 من الدستور العراقي، معتبراً أن المناطق المشمولة بهذه المادة يفترض أن تخضع لمسار تطبيع يعالج آثار سياسات التغيير الديموغرافي السابقة، لا أن تدخل في دورة جديدة من التحولات السكانية التي قد تجعل تطبيق المادة مستقبلاً أكثر تعقيداً.
الأمر نفسه يظهر في حديث التربوي السابق أبو مروان، لكن من زاوية الحياة اليومية والاقتصاد والتعليم.
فهو يشير خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن الأسواق والمطاعم والأماكن العامة في خانقين تشهد حضوراً متزايداً لمواطنين عرب وقادمين من خارج المدينة، بعضهم استقر بعد أحداث أكتوبر، وبعضهم يأتي للعمل أو التجارة أو التسوق وإنجاز المعاملات.
ورغم صدور تشريعات وقرارات بعد عام 2003 لمعالجة آثار تلك السياسات وإعادة الحقوق إلى أصحابها، فإن برزو يرى أن قسماً مهماً وكبيرا منها لم ينفذ بصورة فعلية في ديالى، وخصوصاً خانقين.
ونوه إلى استمرار تجديد بعض عقود الانتفاع بأراضٍ متنازع عليها بدلاً من حسم ملكيتها وإعادتها إلى أصحاب الحقوق الأصليين، مؤكداً أن اعتراضه لا يتعلق بقومية الشخص المستفيد، وإنما بأصل الحق.
"بوابة زاگروس"
بالنسبة إلى برزو، ليست خانقين مجرد وحدة إدارية داخل ديالى، بل هي جزء من حزام جغرافي ذي حساسية استراتيجية، ويستحضر تعبير "بوابة زاگروس" للدلالة على موقع خانقين الرابط بين الحدود الإيرانية وامتدادات إقليم كوردستان ووسط العراق، معتبراً أن السيطرة السياسية والإدارية على هذا الحزام يمكن أن تؤثر في الامتداد الجغرافي للمناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم.
وتبرز المادة 140 من الدستور العراقي في معظم القراءات بوصفها الإطار الدستوري الأكثر ارتباطاً بمستقبل خانقين.
أبو مروان يشير كذلك إلى توجهات لدى بعض الأحزاب الكوردية لمنع كوادرها من القيام بتصرفات عقارية يمكن أن تسهم في تغيير التركيبة السكانية للمناطق المشمولة بالمادة 140، مؤكداً أن الخطوة مهمة، لكنه يصفها بأنها متأخرة للغاية.
ولم تتوقف التحولات في خانقين عند الحدود والأرض، فأبو مروان يرصد تراجعاً في إقبال العائلات على إرسال أبنائها إلى الدراسة باللغة الكوردية، ويربطه بجملة عوامل اقتصادية وإدارية وتعليمية.
وفي حديث لوكالة شفق نيوز، أوضح أبو مروان، أن خريج الدراسة الكوردية ينظر إلى مستقبله الوظيفي، لكنه يصطدم بواقع غياب التعيينات تقريباً في مؤسسات إقليم كوردستان خلال سنوات الأزمة المالية، إضافة إلى تأخر الرواتب والمشكلات التي أصابت العملية التعليمية في الإقليم.
ولفت إلى ذلك إشكالية الاعتراف الاتحادي ببعض المؤسسات الجامعية، مشيراً بصورة خاصة إلى جامعة كرميان الموجودة في خانقين، والتي كانت تستقبل قرابة أربعة آلاف طالب، لكن وضع الاعتراف بشهاداتها لدى المؤسسات الاتحادية أثار مخاوف لدى عدد من العائلات بشأن مستقبل أبنائها.
وبحسب رؤيته، فإن الطالب الذي يدرس بالكوردية قد يجد نفسه أمام مسارين صعبين؛ فرص تعيين محدودة داخل الإقليم، أو عقبات عند الانتقال إلى المؤسسات الاتحادية.
المشهد نفسه ينتقل إلى السوق
فغالبية لافتات المحال التجارية، وفق ملاحظة العديد من التقناهم، أصبحت باللغة العربية، ويعزو أصحاب محال ذلك إلى أن نسبة كبيرة من الزبائن القادمين من خارج خانقين تتحدث العربية ولا تعرف الكوردية، وهو ما يدفع التجار إلى استخدام اللغة الأكثر قدرة على الوصول إلى الزبون.
في غضون ذلك، أكد أحمد محمد، المراقب السياسي للشأن الكوردي في المدينة، أن المشكلة لا تأتي من خصوم الكورد فقط، بل إن جزءاً أساسياً منها تصنعه الأحزاب الكوردية نفسها.
وهو يصف العلاقة بين القوى الكوردية بأنها تحولت من مبدأ "التكامل" إلى مبدأ "التآكل"، إذ تدخل الانتخابات في قوائم متنافسة، ثم يتحول التنافس أحياناً إلى حملات تسقيط متبادلة تستمر حتى بعد إعلان النتائج، بحسب حديث محمد لوكالة شفق نيوز.
وأضاف أن التنافس بين الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي امتد إلى جمهوري الحزبين، بحيث بات أنصار كل طرف يتعاملون مع الطرف الآخر بوصفه خصماً، حتى إن فرحة الفوز في الانتخابات تتحول في أحيان كثيرة من الاحتفال بالحصول على مقعد إلى الاحتفال بهزيمة الحزب الكوردي الآخر.
وحذر محمد، من خطورة نقل هذا النموذج إلى خانقين، لأن المدينة، وفق تعبيره، ليست منطقة متنازعاً عليها بين الحزبين الكورديين، وإنما منطقة متنازع عليها بين سلطتين: حكومة إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية.
وتابع قائلاً إن هذه الكتلة تتشتت إذ يقدر أصوات الحزب الديمقراطي الكوردستاني اكثر من عشرة آلاف صوت، فيما يضع أصوات الاتحاد الوطني عند أكثر من 30 ألفاً، لكن دخول الطرفين في قوائم منفردة يؤدي إلى تشتيت القوة الانتخابية وعدم تحويل الحجم السكاني إلى تمثيل سياسي مكافئ له.
وفي زاوية مختلفة من الأزمة، وصف الفنان عباس الزهاوي خانقين بأنها مدينة أصبحت عالقة بين سلطتين، فحين يتجه أبناؤها إلى بغداد، يقول إنهم يواجهون أحياناً منطقاً يعتبر خانقين مرتبطة سياسياً بإقليم كوردستان، وحين يتجهون إلى أربيل يكون الرد بأنها إدارياً تتبع الحكومة الاتحادية.
ويتذكر مرحلة ما بعد عام 2003، حين شهدت خانقين مشاريع إعمار ودعماً واسعاً من حكومة إقليم كوردستان، وهي الصورة التي يستعيدها برزو أيضاً حين يقول إن نحو 14 عاماً من مشاريع الإقليم ساعدت المدينة على تجاوز جزء كبير من الدمار والتراجع الخدمي الذي عانت منه بعد حقبة النظام السابق.
ماذا تحتاج خانقين؟
وتوقع مراقبون أن أزمة خانقين لم تعد ملفاً واحداً يمكن حله بقرار إداري منفرد، فهي أزمة جغرافياً مرتبطة بالحدود والوحدات الإدارية، وأزمة أرض مرتبطة بملفات الملكية والعقود القديمة، وأزمة سكان ترتبط بالهجرة وشراء العقارات، وأزمة تمثيل تنتج عن تشتت الأصوات، فضلاً عن أزمة ثقافية وتعليمية بدأت تظهر في تراجع مساحة اللغة الكوردية داخل المدارس والأسواق.
وأوضح المراقبون لوكالة شفق نيوز، أن أول ما تحتاجه المدينة هو تحويل الخطاب الكوردي بشأن خانقين من موقف قومي عام إلى برنامج سياسي وقانوني مشترك، بحيث تتفق الأحزاب الكوردية على ملفات محددة لا تخضع للتنافس الانتخابي بينها، وفي مقدمتها الحدود الإدارية والمادة 140 وملكية الأراضي والتمثيل السياسي والإداري.
كما تحتاج، وفق هذه القراءة، إلى تدقيق قانوني اتحادي شامل لجميع القرارات التي غيرت حدود الوحدات الإدارية المرتبطة بها، وتحديد ما إذا كانت قد صدرت وفق الآليات والصلاحيات الدستورية والقانونية، بدلاً من بقاء كل قرار موضوع نزاع سياسي منفصل.
ويبرز كذلك ملف الأراضي والعقود الزراعية باعتباره أحد أكثر الملفات حاجة إلى الحسم، عبر تنفيذ القرارات القضائية والتشريعات النافذة وإعادة الملكيات إلى أصحاب الحقوق الأصليين بمعايير قانونية لا تقوم على القومية أو الانتماء السياسي.
أما في ملف السكان والمادة 140، فتشير مجمل توقعات المراقبين والسياسين الذين التقيناهم إلى ضرورة وجود آلية رسمية لرصد التغييرات السكانية والعقارية في المناطق المتنازع عليها، بحيث لا تتحول حركة الملكية والاستيطان والنزوح إلى أمر واقع يسبق أي تطبيق مستقبلي للمادة الدستورية.
وفي السياسة، يبدو أن إحدى أكبر نقاط الضعف داخل خانقين ليست فقط قوة الأطراف المنافسة، بل تشتت الأصوات الكوردية نفسها. ولذلك فإن تنسيق القوائم أو الدوائر أو المرشحين، حتى من دون تحالف حزبي شامل، يمكن أن يحول كتلة انتخابية كبيرة إلى تمثيل فعلي داخل مجلس النواب ومجلس محافظة ديالى.
أما في الإدارة، فإن الحفاظ على التوازن يحتاج إلى مراجعة توزيع مواقع المسؤولية داخل الدوائر والمدارس والمؤسسات، على قاعدة الكفاءة والتمثيل الحقيقي للمكونات، بعيداً عن احتكار جهة أو مكون واحد للمؤسسات الحساسة.