بغداد تفقد ذاكرتها الخضراء تحت "ساطور" الاستثمار
شفق نيوز- بغداد
تتراجع المساحات الخضراء في بغداد بفعل التوسع العمراني والمشاريع الاستثمارية، فيما لم تعد الأشجار المعمّرة بمنأى عن الإزالة، حتى في الشوارع التي شكّلت جزءاً من ذاكرة العاصمة ومشهدها الجمالي، وسط تساؤلات عن فاعلية الإجراءات الحكومية في حمايتها والحد من تدهورها.
وكان شارع السعدون، وسط بغداد، أحدث مشاهد هذا التراجع، بعدما شهد قطع عدد من الأشجار المعمّرة المحاذية لفندق فلسطين، يعود عمر بعضها إلى أكثر من 30 عاماً، وكانت توفر ظلالاً للمارة وتضفي على الشارع طابعاً أخضر اعتاد عليه سكان العاصمة.
مفارقة الأشجار
وبحسب ما أفاد به صاحب أحد المحال التجارية المقابلة لموقع الأشجار، لمراسل وكالة شفق نيوز، فإن عمليات القطع جاءت، على ما يبدو، بناءً على توجيه من إدارة الفندق أو القائمين عليه، بهدف إظهار معالم المبنى الذي خضع مؤخراً لأعمال ترميم وتجديد شارفت على الاكتمال.
ويشير صاحب المحل، الذي رفض الكشف عن اسمه، إلى مفارقة تتعلق بشجرة كبيرة قرب متجره، تعرضت للتآكل بفعل الأرضة وانشطرت إلى نصفين، ما أثار مخاوف من سقوطها وإلحاق أضرار بالمارة والمحال المجاورة.
ويقول إنه راجع وزارة الزراعة للإبلاغ عن خطورتها وطلب إزالتها، لكن طلبه قوبل بالرفض، استناداً إلى أهمية الأشجار بوصفها جزءاً من معالم بغداد وهويتها.
وفي المقابل، أزيلت أشجار أخرى كانت "خضراء وبحالة جيدة"، وعاشت في الموقع أكثر من ثلاثة عقود، ليصبح جزء من الشارع مكشوفاً بعد اختفاء ظلالها ومشهدها الأخضر.
ولا تقف القضية عند حدود شارع السعدون، إذ تعكس، وفق مختصين، أزمة أوسع تتعلق بتراجع الغطاء النباتي في بغداد والمحافظات، بفعل التوسع العمراني وتغيير استخدامات الأراضي، فضلاً عن ضعف المتابعة والصيانة والتجاوزات التي تطال البساتين والأشجار.
ضوابط قانونية
في المقابل، تؤكد وزارة الزراعة أن القوانين العراقية تمنع تجريف الأراضي الزراعية المنتجة وتحويلها إلى استعمالات سكنية، مشيرة إلى وجود آليات حكومية محددة لمنح الاستثناءات المتعلقة بتغيير جنس الأراضي.
ويقول المتحدث باسم الوزارة، قصي الحطاب، لوكالة شفق نيوز، إن قانون الوزارة والتشريعات العراقية يمنعان منعاً باتاً تجريف الأراضي الزراعية المنتجة وتحويلها إلى أراضٍ سكنية، موضحاً أن أي تغيير في طبيعة استخدام الأراضي لا يشمل، من حيث المبدأ، الأراضي الزراعية المنتجة.
ويضيف أن الأراضي التي يمكن تغيير جنسها تكون عادة غير منتجة وقريبة من المدن، مستشهداً بقرار اتخذته الوزارة قبل نحو شهرين برفع يد الإصلاح عن 26 ألف دونم في منطقة النهروان، ضمن مشروع تطوير المنطقة الرابعة، تمهيداً لتوزيعها على منتسبي وزارة الداخلية وذوي الشهداء والجرحى.
وبشأن الموافقات الاستثمارية، يوضح الحطاب أن لجنة مشكلة في الأمانة العامة لمجلس الوزراء هي الجهة المخولة بمنح الموافقات المتعلقة بتجريف الأراضي الزراعية وتغيير جنسها، مبيناً أن صلاحياتها ترتبط بكونها لجنة مركزية تابعة للأمانة العامة.
ويشير إلى أن الوزارة تتابع المخالفات المسجلة، وأن عدداً من العقود الاستثمارية جرى فسخه بسبب عدم الالتزام بالضوابط والتعليمات الخاصة بالأراضي الزراعية.
تعهدات حكومية
وعلى مستوى العاصمة، تؤكد أمانة بغداد أنها اتخذت إجراءات لمنع تغيير استخدام الحدائق والمتنزهات والمناطق الخضراء، بالتزامن مع تنفيذ حملات تشجير تهدف إلى زيادة عدد الأشجار وتعويض النقص في الغطاء النباتي.
ويقول المتحدث باسم الأمانة، عدي الجنديل، لوكالة شفق نيوز، إن الأمانة اعتمدت، منذ عام 2022، قراراً حكومياً يمنع تحويل الأراضي المصنفة حدائق أو متنزهات أو مناطق خضراء إلى أي استخدام آخر، مؤكداً عدم إمكانية المساس بهذه المواقع لصالح مشاريع أو أنشطة مختلفة.
ويوضح أن الأمانة تعمل، بالتنسيق مع الدوائر البلدية المختصة، على توسيع المساحات الخضراء وزيادة أعداد الأشجار المعمّرة، لافتاً إلى إطلاق حملة لزراعة 190 ألف شجرة خلال الموسم الخريفي الحالي، بعد زراعة 180 ألف شجرة في الموسم الربيعي السابق.
كما يشير إلى افتتاح عدد من الحدائق، بينها حديقة الجوادين في قاطع بلدية الكاظمية، بمساحة تبلغ 11 دونماً، إلى جانب حدائق أخرى، ضمن جهود الدوائر البلدية لتوسيع المساحات الخضراء في العاصمة.
ويلفت الجنديل إلى أن خطط التشجير تتضمن توفير منظومات للري بالتنقيط والرش، لضمان استمرار الأشجار المزروعة وعدم تعرضها للجفاف، مؤكداً أن المشاريع التي تحصل على الموافقات الرسمية لا يُسمح لها بالتجاوز على الحدائق أو المساحات الخضراء.
أزمة بيئية
من جانبه، يرى عضو مرصد العراق الأخضر المختص بالشأن البيئي، عمر عبد اللطيف، أن تجريف البساتين وتراجع المساحات الخضراء وتحويل الأراضي الزراعية إلى مجمعات سكنية ومشاريع استثمارية تمثل واحدة من أبرز الأزمات البيئية والعمرانية في العراق.
ويقول عبد اللطيف لوكالة شفق نيوز، إن المشكلة لا ترتبط بغياب القوانين وحده، إذ توجد تشريعات وقرارات حكومية تمنع التجريف وتغيير استخدامات الأراضي خارج الأطر الرسمية، لكن التحدي الأساسي يكمن في ضعف تطبيق الضوابط ومحدودية المتابعة الميدانية.
ويعزو استمرار الظاهرة إلى ثلاثة عوامل رئيسية، أولها ضغط التوسع العمراني والنمو السكاني، وما يرافقهما من نقص في الوحدات السكنية وارتفاع أسعار العقارات، الأمر الذي يزيد الطلب على الأراضي القريبة من المدن.
أما العامل الثاني، فيتمثل بضعف متابعة المساحات البديلة التي يُلزم بعض المستثمرين بزراعتها، إذ إن غياب السقي والرعاية المستمرة يؤدي إلى جفاف الأشجار وتحول تلك المساحات إلى أراضٍ غير منتجة.
ويضيف أن التجاوزات والعشوائيات، ولا سيما تلك المرتبطة بملفات توزيع الأراضي والسكن غير النظامي، تفرض واقعاً يصعب معالجته بعد وقوعه، ما يجعل الرقابة المسبقة أكثر أهمية من الاكتفاء بإجراءات المعالجة اللاحقة.
ولا تقتصر آثار هذا التراجع على الجانب الجمالي، بحسب عبد اللطيف، بل تمتد إلى تفاقم المشكلات البيئية، وفي مقدمتها تزايد العواصف الغبارية والترابية نتيجة الجفاف واتساع الأراضي غير المزروعة وتراجع الغطاء النباتي.
كما يحذر من أن انخفاض أعداد الأشجار يضعف قدرة المدن على امتصاص ثاني أكسيد الكربون وإنتاج الأكسجين، ويسهم في تفاقم التلوث وارتفاع درجات الحرارة، خصوصاً في بغداد التي تعاني أصلاً من تلوث الهواء وتراجع المساحات الخضراء.
تجريف البساتين
وفي سياق متصل، يلفت عضو مرصد العراق الأخضر إلى ظهور أنماط جديدة من التجاوزات، بينها شراء البساتين وتجريفها لصالح مشاريع مطاعم شوي الأسماك، وهي ظاهرة "بدأت تتوسع في بغداد ومحافظات أخرى، وتضيف ضغطاً جديداً على الغطاء النباتي".
ويشير لطيف إلى أن بعض الجهات الحكومية تتحمل أيضاً جانباً من المسؤولية، نتيجة مشاريع تؤدي إلى قلع الأشجار أو تحويل مساحات خضراء إلى استخدامات أخرى، لافتاً إلى أن ذلك لا يقتصر على جهة واحدة، بل يشمل قطاعات متعددة، من بينها الزراعة والبلديات والنقل.
ويؤكد أن معالجة الأزمة لا تتطلب الاكتفاء بإصدار قوانين وقرارات جديدة، بل تستوجب تطبيقاً صارماً للتشريعات النافذة، ومحاسبة الجهات التي تتجاوز على الأشجار والبساتين، إلى جانب وضع خطط تشجير تستند إلى مواقع مناسبة وإمكانات حقيقية للسقي والصيانة.
ويخلص إلى أن زراعة الأشجار لا ينبغي أن تكون حملات موسمية أو أرقاماً معلنة فحسب، بل عملية مستدامة تضمن بقاء الأشجار ونموها، حتى لا تتحول المبادرات إلى أعداد مزروعة لا تصمد أمام الجفاف والإهمال.