11 June - 19 July 2026
00 days
00 hours
00 mins
00 secs

"العباءة النجفية".. حكاية أناقة عربية تُخاط في الأزقة القديمة (صور)

"العباءة النجفية".. حكاية أناقة عربية تُخاط في الأزقة القديمة (صور)
2026-06-12T08:03:25+00:00

شفق نيوز- النجف

السوق الكبير بمحافظة النجف، وأنت تسير باتجاه مرقد الإمام علي (عليه السلام)، تستوقفك أزقة ضيقة تتفرع من السوق العتيق، لكن أكثرها إثارة للاهتمام هو زقاق صغير يقع إلى يسار السوق، حيث تصطف محال متواضعة لا تتجاوز مساحة الواحد منها مترين في مترين أو مترين في ثلاثة أمتار.

في تلك المحال الصغيرة يجلس رجال، غالبيتهم من كبار السن، ينحنون لساعات طويلة على خياطة العباءة الرجالية النجفية التي اشتهرت بها المدينة منذ عقود طويلة.

وبين أصوات المقصات والإبر وحركة الأيدي الخبيرة، تتجسد واحدة من أعرق الحرف التراثية التي ما زالت تقاوم الحداثة وتحافظ على أصالتها.

وتتميز العباءة النجفية عن غيرها من العباءات في المدن العراقية الأخرى بنوعية الصوف المستخدم في صناعتها، فضلاً عن خفة وزنها وجودة حياكتها، إذ لا يتجاوز وزن بعض أنواعها 250 غرام ما يجعلها مريحة للارتداء ومطلوبة لدى الزبائن من داخل العراق وخارجه.

هوية المدنية القديمة

ويؤكد أصحاب هذه المحال أن صناعة العباءة تمر بمراحل عديدة تبدأ بشراء الغزل ذي الجودة العالية، ثم إخضاعه لعمليات دقيقة تشمل التنظيف والفرز والمعالجة، قبل أن ينتقل إلى مرحلة الحياكة والخياطة اليدوية التي تتطلب مهارة متوارثة وخبرة طويلة لضمان إنتاج عباءة تحمل المواصفات التي اشتهرت بها النجف.

ورغم التطور الصناعي ودخول المنتجات المستوردة إلى الأسواق، ما يزال عدد من الحرفيين النجفيين متمسكين بهذه المهنة التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، مؤكدين أن العباءة النجفية ليست مجرد لباس عربي، بل جزء من هوية المدينة وتراثها الاجتماعي والثقافي الذي يمتد عبر أجيال متعاقبة.

وقال عباس محمد، الذي ورث مهنة خياطة العباءة الرجالية عن آبائه وأجداده، لوكالة شفق نيوز، إن "إنجاز عباءة رجالية واحدة يستغرق وقتاً طويلاً، ولا سيما عباءات الوبر الفاخرة التي يرتديها الأمراء وشيوخ العشائر والوجهاء ورجال الدين".

وأوضح أن "العباءة النجفية التقليدية تُصنع من أنواع مختلفة من الصوف أو الوبر تبعاً للجودة والسعر"، مبيناً أن "أفخمها هي المصنوعة من وبر الإبل، ولا سيما الوبر الناعم المستخرج من الإبل الصغيرة، لما يتميز به من خفة الوزن والدفء والقيمة العالية".

وأضاف محمد، أن صوف الأغنام يُستخدم على نطاق واسع في صناعة العباءات المتوسطة والاقتصادية، إذ يمنحها المتانة والدفء، فيما يعد خليط وبر الإبل مع صوف الأغنام أو الألياف الأخرى من أكثر الخامات انتشاراً حالياً، لما يوفره من توازن بين الجودة والكلفة.

وأشار إلى أن بعض العباءات المعاصرة تُصنع من خيوط صناعية أو من مزيج بين الألياف الصناعية والصوف، بهدف تقليل الكلفة وزيادة المتانة، لافتاً إلى أن العباءة النجفية الفاخرة ما تزال تُعرف محلياً باسم "عباءة الوبر"، وتُخاط يدوياً داخل المحال الصغيرة المنتشرة في أزقة السوق الكبير.

مهنة تاريخية

من جانبه، قال محسن الخفاجي، وهو مواطن نجفي لوكالة شفق نيوز، إن النجف كانت تستورد تاريخياً أقمشة العباءات من مناطق اشتهرت بنسج الوبر والصوف في العراق وسوريا وإيران، قبل أن تتولى أيادي الحرفيين النجفيين عملية تفصيلها وخياطتها وفق الطراز النجفي المعروف.

وبحسب حديث الخفاجي، فإن من أشهر أنواع العباءات المتداولة بين الخياطين عباءة الوبر، وعباءة "اللندني"، والعباءة الصيفية الخفيفة، لافتاً إلى أن لكل نوع منها خاماته الخاصة ودرجات متفاوتة من الجودة والأسعار.

وخلال جولة شفق نيوز في سوق العباءة النجفية، التقت بعدد من أصحاب المحال والزبائن الذين أكدوا أن العباءة ما زالت تمثل جزءاً من التراث النجفي الأصيل، وأن العديد من الزائرين يحرصون على شرائها وإهدائها للأهل والأقارب والأصدقاء تبركاً بقدسية المدينة ومكانتها الدينية.

وأثناء الحديث مع أحد أصحاب المحال، جلس رجل بدت عليه ملامح البادية، وتحدث لوكالة شفق نيوز إن "العباءة النجفية تحتل مكانة خاصة لدى أبناء البدو الرحل، إذ تُرتدى في المناسبات الاجتماعية المهمة، ولا سيما حفلات الزواج والخطوبة".

وتابع قائلاً: "جئت اليوم لشراء عباءة لأخي الذي سيُزف بعد أكثر من شهرين، فمراسم الزواج في البادية تختلف كثيراً عن المدن، والعباءة تمنح الرجل هيبة وأناقة خاصة في مثل هذه المناسبات".

التطور والمواكبة

إلى ذلك، رأى أبو علي النجفي، وهو أحد أصحاب المحال القديمة، لوكالة شفق نيوز، أن "رجال الدين في النجف يُعدون من أقل الفئات إقبالاً على شراء العباءات الجديدة، نظراً لاستخدامهم العباءة الواحدة لسنوات طويلة، فضلاً عن انشغالهم بالدراسة والتدريس في الحوزة العلمية وعدم اهتمامهم الكبير بمواكبة أنواع الأقمشة أو الموديلات الحديثة".

ووفقاً للنجفي، فإن رجل الدين غالباً ما يفضّل إنفاق أمواله على شراء الكتب والمصادر العلمية بدلاً من اقتناء العباءات الجديدة، لذلك تجد في بيوت العديد منهم مكتبات تضم مئات الكتب وبعض النسخ النادرة.

وعادة ما تكون ألوان عباءات رجال الدين في النجف بين الأسود والبني الداكن والبيج واللون الترابي، فيما يفضّل العديد من المراجع والعلماء العباءات المصنوعة يدوياً على أيدي خياطي السوق الكبير، لما تتمتع به من جودة عالية وقدرة على الحفاظ على لونها وبريق خيوطها لفترات طويلة.

وتمتاز العباءة الدينية النجفية بقصتها الواسعة وطريقة خياطتها التقليدية، وتُلبس فوق الدشداشة والرداء الديني، لتشكل جزءاً أساسياً من الزي الحوزوي المتعارف عليه في النجف الأشرف.

ورغم التحديات الاقتصادية وتراجع أعداد الحرفيين، ما تزال هذه المهنة حاضرة في أزقة النجف القديمة، حيث يواصل الخياطون القدامى عملهم اليومي داخل محال صغيرة، محافظين على إرث مهني وثقافي ارتبط بتاريخ المدينة وهويتها الاجتماعية.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon