ادريس ملا مصطفى بارزاني.. سيرة رجل عاش على حافة زمنين

ادريس ملا مصطفى بارزاني.. سيرة رجل عاش على حافة زمنين
2026-01-31T20:35:51+00:00

شفق نيوز ـ أربيل

في خريف 1993، لم يكن الطريق إلى بارزان طريقاً عادياً، بل كان ممراً طويلاً يلتف على كتف الجبل، يهبط من جهة المنفى كأنه يتفادى أن يوقظ الوجع النائم في الصخور. موكب جنائزي بطيء، لا يقطع المسافة فقط، بل يقطع سنوات كاملة من الغياب.

على جانبي الطريق وقفت وجوهٌ كثيرة لا تلوّح لنعشين بقدر ما تلوّح لزمن يعود متأخراً.

عاد نعشُ ملا مصطفى بارزاني، الاسم الذي التصق بالجبال حتى صار الجبل لقباً له، وعاد نعشُ ابنه إدريس، الرجل الذي عاش وتعلّم مبكراً كيف تُدار المعارك خارج الخنادق أيضاً، لكنه مات قبل أن يرى الإقليم وهو يتشكل بمؤسساته.

لم تكن الجموع تودّع جسدين فقط. كانت تختبر فكرة العودة بوصفها حدثاً سياسياً، لا لحظة عائلية. إعادة دفن في بارزان بعد انتفاضة 1991، لكنّها أيضاً إعادة ترتيب للسردية. كأن كوردستان كانت تقول لنفسها إن فصول المنفى يمكن أن تُغلق يوماً، وإن البداية الجديدة لا تأتي من حيث تُكتب الخرائط في العواصم، بل من حيث تبدأ الحكايات على السفوح.

وقبل أن يبلغ الموكب عمق كوردستان، كانت كوردستان قد استبقته إلى الحدود، فعند نقطة باشماخ في السليمانية، تجمّع الناس باكراً، وهناك أيضاً تقدّمت القيادة الصفوف، وفي مقدمتها جلال طالباني، ومعه نيجيرفان بارزاني ابن إدريس، إلى جانب عدد من قادة الحركة التحررية، كانت علامة تقول إن الجبل قادر على استرجاع رموزه وإن الذاكرة حين تعود لا تعود وحدها.

اليوم، 31 كانون الثاني 2026، تمر الذكرى التاسعة والثلاثون لرحيل إدريس ملا مصطفى بارزاني. وبين مشهد عودة الجثمان إلى بارزان، وبين سرديات السياسة الكوردية في العقود التالية، يظل اسماً يعود كلما عاد السؤال القديم بصيغة جديدة. كيف تُترجم بطولة الجبل إلى لغة تُقنع العاصمة، ثم تُقنع الحلفاء، ثم تُقنع الكورد أنفسهم بأن الوحدة ليست مجرد شعار يقال في الخطب.

ولادة في زمن المنفى

يمكن تلخيص سيرة إدريس بارزاني بوصفه بيشمركة وسياسياً ومنظماً داخل الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وهي سيرة تبدأ عام 1944 في منطقة بارزان، ضمن بيت لم تكن السياسة فيه مهنة لاحقة، بل هواء يومي.

نشأ في أجواء تنقلات ونفي وقلق دائم، في زمن كانت فيه الجغرافيا تضيق على العائلات كما تضيق على الأفكار. وفي تلك السنوات، لم تكن الطفولة مساحة مستقلة بقدر ما كانت تدريباً مبكراً على الصبر والانتظار وتبدّل المصائر.

عام 1961، لم يعد السلاح اختياراً رمزياً في حياة الشاب، بل صار مساراً كاملاً، حيث انخرط مبكراً في البيشمركة ضمن ثورة أيلول، ثم برز اسمه في محطات ميدانية عدة، بينها معركة جبل هندرين عام 1966 التي كثيراً ما تُذكر بوصفها لحظة رفعت معنويات المقاتلين في مواجهة جيش الدولة.

لتأتي بعدها مرحلة اتفاق 11 آذار 1970 للحكم الذاتي، في لحظته، أقرب محاولة واقعية لتسوية نزاع طويل بين الدولة والحركة الكوردية. وعد واسع، ومهلة أربع سنوات للتنفيذ، وكلمات تحمل في ظاهرها مخرجاً. لكنّ الوقائع على الأرض كانت تميل إلى الشك والتأجيل، وتتحرك في مسارين متوازيين. مسار تفاوضي تُصاغ فيه العبارات بعناية، ومسار أمني يتذكر دائماً أن الاتفاق يمكن أن يتحول إلى كمين.

في تلك السنوات يظهر إدريس بارزاني بوصفه وجهاً يتنقل بين خطين. متابعة ملفات التنفيذ والتفاوض، ثم العودة إلى الميدان حين تتعثر السياسة.

وتبرز حادثة محاولة الاغتيال أواخر 1970 كعلامة على هشاشة اللحظة. زيارة إلى بغداد في سياق ترتيبات تتعلق بالتنفيذ وتشكيل قوة لحرس الحدود، ثم استهداف يشي بأن التسوية لم تكن ورقة تُوقع ثم تُنفذ. كانت سلسلة اختبارات، وبعض الاختبارات كانت تُدار بالرصاص.

بحلول 1974 عاد النزاع إلى الاشتعال. تعثر مشروع الحكم الذاتي، وتصاعدت الشكوك مع سياسات التعريب في مناطق حساسة مثل كركوك وخانقين. ومع استئناف القتال في جبهات وادي رواندز ومناطق أخرى، تُروى عن إدريس أدوار ميدانية بارزة، قبل أن يأتي عام 1975 بوصفه لحظة كسر لم تكن عسكرية فقط. كانت كسراً اجتماعياً أيضاً. نزوح، لجوء، تنظيمات تتفكك ثم تحاول إعادة لملمة نفسها في المنفى.

بعد 1975

هنا تتبدل صورة إدريس بارزاني في الكثير من الروايات من قائد ميداني إلى رجل تنظيم. ليس رجل منصة، بل رجل يشتغل على التفاصيل التي تمنع الهزيمة من أن تتحول إلى قطيعة نهائية. أهمية هذه المرحلة أنها تشرح جانباً من معنى هذا الرجل داخل الذاكرة الكوردية. ليس لأنه كتب نصاً سياسياً مشهوراً، بل لأنه حاول أن يمنع الهزيمة من أن تتحول إلى انقسام دائم.

في أعقاب نكسة 1975، حين بدا أن المنفى سيبتلع ما تبقى من الثورة، جاءت ثورة كولان كفعل عناد جماعي أعاد للبيشمركة اسمها وللشارع الكوردي نبضه. كان إدريس ملا مصطفى بارزاني من أبرز مهندسي هذا الانعطاف، عمل مع مسعود بارزاني على تثبيت ما سمي بالقيادة المؤقتة، وإرسال المفارز الأولى التي أعادت إشعال الجبهة من داخل العراق، لا بوصفها عودةً عسكرية فقط بل بوصفها عودةً نفسية أيضاً.

في تلك اللحظة كان إدريس يراهن على عنصرٍ واحد لا يصدأ، أن الهزيمة ليست قدراً إذا ظلّت الإرادة تتحرك، وأن الأمة التي تقدر على النهوض بعد الانكسار تستطيع أن تفرض نفسها على الطاولة مهما ضاقت بها الجغرافيا. بهذا المعنى، لم تكن كولان تحدياً لبغداد وحدها، بل تحدياً لمنطق الإملاءات الإقليمية أيضاً، حين اعتقدت عواصم كثيرة أن الكورد صاروا ورقةً انتهت صلاحيتها، بما في ذلك نظام محمد رضا بهلوي في إيران الذي ظنّ أن ما أُغلق سيبقى مغلقاً. كولان فاجأت الجميع برسالة واضحة، الكورد ليسوا سهلين، وأن طريق الجبل قد ينحني لكنه لا ينكسر.

وبمرور الوقت، لم تعد كولان تُقرأ كحدث عسكري فقط، بل كهوية سياسية ارتبطت باسم إدريس ملا مصطفى بارزاني حتى باتت السيرة تُستدعى كلما ذُكرت الثورة، في المخيال الكوردي، صار اسمه مرادفاً لروح كولان نفسها، ليس لأنه حمل السلاح فحسب، بل لأنه أعاد للثورة معناها في وقت كان كثيرون يراهنون على نهايتها.

في أواخر السبعينيات وبدايات الثمانينيات، يظهر مشروع الوحدة بوصفه حلماً يسبق الزمن. مساعٍ لتقريب القوى الكوردية من بعضها، وصولاً إلى فكرة مؤتمر كوردستاني أو مظلة أوسع. أفكار ستتبلور لاحقاً في أطر مثل الجبهة الكوردستانية.

هنا يصبح إرث إدريس بارزاني وشقيقه ومسعود بارزاني أكثر وضوحاً، فهي ليست في معادلة انتصار واحد، بل في تقليل كلفة الانقسام الداخلي، في لحظة كانت كوردستان محاطة بحروب دول وحدود لا ترحم.

في 31 كانون الثاني 1987، انطفأت حياة إدريس قرب أورمية إثر نوبة قلبية، وكان في الثالثة والأربعين. دُفن هناك أولاً، في مكان ظل يتردد على الألسنة بأكثر من تسمية، كأن القبر نفسه بقي يتحرك في الذاكرة قبل أن يتحرك على الأرض.

ثم جاءت انتفاضة 1991 لتفتح نافذة على زمن مختلف، وعندما عاد جسده إلى بارزان في خريف 1993، لم تكن تلك عودة شخصية فقط، بل لحظة تقول إن حكاية المنفى يمكن أن تُطوى، وإن الفصول التي تعثرت في الطريق تجد طريقها أخيراً إلى خاتمة تليق بها.

ماذا نعرف عنه؟

الأستاذ المساعد الدكتور شوان حمدأمين خوشناو، رئيس قسم التاريخ في جامعة صلاح الدين، يصف إدريس ملا مصطفى بارزاني بوصفه شخصية قيادية استثنائية ذات ملامح نادرة. كان يتمتع بقدرة عالية على الخطابة والحديث، وبأسلوب يلفت انتباه من يجالسونه ويؤثر فيهم.

ويقول خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إن إدريس بارزاني كان دبلوماسياً رفيع المستوى، واسع الرؤية في التعامل مع محيطه، يعرف كيف يخاطب مختلف الفئات والطبقات بما يناسب طريقة تفكيرها، من عامة الناس والبيشمركة إلى مسؤولي الدول، مع مهارة بارزة في الإقناع جعلته مفتاحاً لحل القضايا المعقدة.

ويُقدَّم أيضاً بوصفه مصدراً للأمل للاجئين والمنكسرين والمنكوبين، شجاعاً مقداماً لا يساوم على الحقوق المشروعة لشعبه ولا يتهرب من التحديات، وصانع قرار حكيماً تتكامل في شخصيته جوانب متعددة.

وفي قراءة لدوره العام، يرى خوشناو أنه كان رائداً في الميادين العسكرية والسياسية والدبلوماسية وفي ملف الوحدة الوطنية.

على الصعيد العسكري، يشير إلى إشرافه على جبهات معارك هندرين وزوزك، وما ترتب على تلك الانتصارات من تفاوض من موقع قوة وصولاً إلى بيان 29 حزيران 1966.

ويضيف أنه كان حاضراً أيضاً في معارك 1969 بوصفه قائداً أسهمت انتصارات قوات البيشمركة خلالها في إضعاف الحكومة ودفعها نحو الحوار، ما مهد لاحقاً لاتفاق 11 آذار 1970 الذي اعترف بحق الحكم الذاتي لكوردستان.

ومع استئناف القتال عام 1974، يتحدث عن نجاحات أخرى في جبهات وادي رواندز وكوزەرز. وبعد نكسة ثورة أيلول، يذكر أنه شارك إلى جانب مسعود بارزاني في تشكيل القيادة المؤقتة، وإرسال المفارز الأولى التي ارتبطت باندلاع ثورة كولان.

أما سياسياً، فيشير خوشناو إلى أن حنكة إدريس ظهرت في مفاوضات 1966 و1970 و1974. ويورد مثالاً من اجتماع عام 1974 عندما طُلب منه التوقيع على مسودة لم يرضَ بها الكورد، فرد قائلاً إن التنازل لشعبكم أولى وأفضل.

ويستكمل بأن إدريس بارزاني، بعد نكسة الثورة، بقي سنداً للاجئين، يستمع لهموم الناس، ويتابع شؤون الطلبة وخريجي الجامعات، وساعد عبر علاقاته في إرسال عدد من الطلبة إلى خارج البلاد.

وعلى خط مواز، كان شديد الحرص على وحدة الصف وعمل من أجل المصالحة، حتى لُقّب بمهندس المصالحة. وفي تقييم دوره في التمهيد لكوردستان الحالية، يربط خوشناو بين بصمته وجهوده المستمرة وبين تهيئة الأرضية لتأسيس الجبهة الكوردستانية.

ورغم وفاته قبل الانتفاضة، يؤكد أن المبادئ التي ناضل من أجلها، وحدة الصف والخطاب والموقف بالتعاون مع الجماهير، كانت من العناصر التي أسهمت في نجاح انتفاضة 1991، ويرى أنها مبادئ ما زالت حاضرة في نهج القيادة الكوردية المعاصرة.

لماذا يهم اليوم؟

لأن غيابه لم يُنهِ الأسئلة التي عاشها. سيرة إدريس بارزاني تُستعاد كلما عادت كوردستان إلى مفترق مألوف بين القوة والتسوية، بين الانقسام والوحدة، بين الرمزية والواقع.

بين البندقية والورقة

إدريس بارزاني ينتمي إلى جيل لم يكن يرى التفاوض تراجعاً عن الثورة، بل طريقتها الأخرى حين تضيق الجبال عن حمل كل الأعباء. في تجربته، لا قيمة لاتفاق لا تحرسه القدرة على الصمود. تسوية بلا قوة على الأرض تتحول سريعاً إلى توقيع قابل للإلغاء عند أول تبدل في المزاج السياسي.

التنظيم حين تسقط الضمانات

في لحظات الانكسار، حين تتبدّل خرائط الحلفاء وتضيق الجغرافيا، يصبح التنظيم الداخلي سوراً أخيراً. لهذا تُستعاد صورته كرجل يراهن على لملمة الصف، إعادة ترتيب الشبكات الحزبية والاجتماعية، وتخفيف نزيف التشتت. ليس لأن التنظيم شعار جذاب، بل لأنه شرط بقاء عندما لا يبقى شيء آخر.

الوحدة كملف أمن قومي

الوحدة في سيرة إدريس بارزاني ليست مادة احتفال، بل مسألة سلامة سياسية. كان يدرك أن الانقسام لا يستهلك القيادات فقط، بل يفتح أبواباً واسعة لتدخلات الخارج، ويحوّل الخلاف الداخلي إلى أداة بيد الآخرين. لهذا تظهر في إرثه محاولات جمع القوى ومبادرات التهدئة بوصفها محاولة لتقليل كلفة الاحتراب قبل أن يصبح قدراً.

رمز داخل السردية الحاكم

ةثم هناك بعد لا يمكن تجاهله. إدريس بارزاني جزء من ذاكرة البيت البارزاني نفسه. كونه والد نيجيرفان بارزاني وشقيق مسعود بارزاني وعم مسرور بارزاني يجعل حضوره ممتداً داخل سردية السلطة والشرعية في كوردستان المعاصرة. صورته ليست سيرة فرد فقط، بل قطعة من قصة أكبر. كيف تُبنى الزعامة، كيف تُورّث الرموز معناها، وكيف تُستعاد الأسماء عند كل منعطف في ذاكرة الأمة الكوردية.

خط زمني

1944 ولادة في منطقة بارزان

1961 انخراط مبكر في البيشمركة ضمن ثورة أيلول

1966 حضور في جبهة معركة جبل هندرين

1970 اتفاق 11 آذار ثم تعثر التنفيذ وتصاعد الشكوك

أواخر 1970 محاولة استهداف مرتبطة بتحركات بغداد

1974 عودة القتال بعد انهيار مسار الحكم الذاتي

ما بعد 1975 إعادة تنظيم في المنفى ومحاولات تقليل الانقسام الداخلي

31 كانون الثاني 1987 وفاة قرب أورمية إثر نوبة قلبية

خريف 1993 إعادة الرفات إلى بارزان وإعادة الدفن

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon