قراءة أميركية.. الزيدي يستحضر "العراب" لتفكيك الدولة العميقة في العراق
الزيدي بثوب العراب مولدة بالذكاء الاصطناعي
شفق نيوز- ترجمة خاصة
شبّه تقرير أميركي، حملة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي ضد الفساد بما عُرف بـ"لحظة مايكل كورليوني" في فيلم "العراب"، متسائلاً عما إذا كانت الإجراءات الجارية تمثل بداية لتفكيك منظومة الفساد بأكملها، أم أنها ستقتصر على إقصاء الخصوم السياسيين.
واستعاد معهد كوينزي الأميركي، في تقريره الذي حمل عنوان "رئيس الوزراء العراقي يحتضن مايكل كورليوني الداخلي"، وترجمته وكالة شفق نيوز، المشهد السينمائي الذي وصفه بأنه أحد أكثر المشاهد إقناعاً في السينما حول السلطة وتعزيز السيطرة، وكيف يُصاغ نظام جديد من خلال تدمير النظام القديم.
وبعد أكثر من نصف قرن على فيلم "العراب"، رأى التقرير أن العراق يشهد لحظة العراب الخاصة به، موضحاً أن الزيدي، منذ توليه منصبه في أيار/مايو الماضي، أطلق حملة غير مسبوقة استهدفت شخصيات في مختلف جوانب المؤسسة السياسية والإدارية، بما في ذلك تحقيقات في مليارات الدولارات من الأموال المشتبه بأنه أسيء التصرف بها، ووصلت إلى عمق شبكات المسؤولين والبيروقراطيين والجهات السياسية الفاعلة التي استفادت من نظام المحاصصة والرعاية في العراق.
وبحسب التقرير، فإن القوى الخارجية أيّدت عملية "صولة الفجر" بدرجة كبيرة، إذ ينظر المسؤولون الأميركيون وشرائح من المجتمع الدولي إليها على أنها علامة على أن بغداد ربما قررت أخيراً مواجهة الفساد الذي قوض الحكم طوال عقدين من الزمن، مشيراً إلى أن الصين أيضاً، وهي واحدة من أكبر الشركاء الاقتصاديين للعراق، لديها أسباب للترحيب بتحقيق المزيد من الاستقرار المؤسسي.
وتابع التقرير أن حتى رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، المرتبط منذ فترة طويلة بالنظام السياسي الذي نشأ بعد العام 2003، أشاد بحملة الزيدي على "أولئك الذين أهدروا أموال الشعب العراقي"، في حين أعرب زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر عن دعمه لـ"حملة الإصلاح البطولية"، وفق قوله.
وبعدما وصف التقرير ما فعله الزيدي بأنه بمثابة انتصار سياسي كبير له، لفت إلى أن مؤيديه وصفوا الحملة على الفساد بأنها المعركة الوطنية العظمى، مقارنة بالحرب ضد تنظيم داعش، حيث وصف زعيم تحالف خدمات، شبل الزيدي، "الحرب على الفساد بأنها ليست أقل أهمية أو خطورة من مكافحة الإرهاب".
وفيما تناول التقرير صعود نظام الفساد في العراق بعد غزو عام 2003، وتحوله إلى نظام رعاية معقد غذّته مليارات الدولارات الأميركية المخصصة لإعادة الإعمار، نقل عن الباحث في الكلية الأميركية للبحر المتوسط، أبو بكر جامعي، الذي يتخذ من المغرب مقراً له، قوله إن "الفساد يأتي من غياب تطبيق القانون"، مضيفاً أن الفساد، في هذا السياق، يدعم تآكل سيادة القانون.
وذكر التقرير أنه قبل أكثر من عقد من الزمن، اندلعت احتجاجات مناهضة للحكومة والأحزاب، بما في ذلك في العاصمة بغداد والبصرة والنجف وكربلاء والحلة، مدفوعة بالفساد ونقص الكهرباء والبطالة وسوء الخدمات العامة، مضيفاً أن الاحتجاجات شكلت تحدياً للفرضية القائلة إن الشيعة سيدعمون النخب السياسية الشيعية تلقائياً، إلا أن الهوية الدينية المشتركة أثبتت أنها غير كافية عندما كان المواطنون يواجهون درجات حرارة تصل إلى نحو 50 درجة مئوية، من دون كهرباء دائمة أو خدمات أساسية.
ووفق التقرير، فبالنسبة لرئيس الوزراء آنذاك حيدر العبادي، مثلت هذه الاحتجاجات إحراجاً كبيراً، خصوصاً أن تنظيم داعش تباهى بتقديم خدمات مثل الكهرباء في مدينة الموصل، بينما ردّ العبادي بإطلاق سلسلة من مبادرات مكافحة الفساد، بما في ذلك إنشاء مفوضية عليا لمكافحة الفساد.
إلا أن التقرير لفت إلى أنه كان يُنظر إلى هذه الإجراءات على أنها إصلاحات تجميلية، أضافت طبقة أخرى من البيروقراطية من دون معالجة المشكلات الهيكلية المتجذرة.
وبحسب التقرير، فإن نهج الزيدي مختلف بشكل ملحوظ، موضحاً أنه يبدو مستعداً لمواجهة التحدي المتمثل في إصلاح نظام سياسي يقوم على مكافأة السياسيين العراقيين بالمناصب بسبب خلفياتهم العرقية والطائفية.
وتابع التقرير أنه بينما تستهدف حكومة الزيدي منافسيها السياسيين، فإنها واجهت أيضاً ضغوطاً من "مصرفي بغداد" أي المبعوث الأميركي الخاص توم باراك، الذي أشار التقرير إلى أنه واجه هو الآخر اتهامات في الولايات المتحدة، لكنه اعتبر أن باراك يمثل نموذج الوسيط الأميركي للسلطة الذي يدرك أين يكمن التأثير المالي.
وذكّر التقرير بمقولة لصّ البنوك الأميركي الشهير ويلي ساتون، عندما سُئل عن سبب سرقة البنوك، فأجاب: "لأن هذا هو المكان الذي توجد فيه الأموال".
وطبقاً لتقرير المعهد الأميركي، ليس هناك شك في أن الاستخبارات الدولية وآليات الرصد المالي لعبت دوراً ما في كشف الشبكات المالية غير المشروعة في العراق، إذ من الصعب نقل أكوام الدولارات الأميركية من دون أن تترك أثراً، كما أنه من الممكن أن تكون وزارة الخزانة الأميركية ونظم التتبع المالي قد ساهمت في تحديد المعاملات المشبوهة.
لكن التقرير اعتبر أن التحدي الأكبر الذي يواجه الزيدي هو أن الفساد مدمج في بنية الدولة نفسها، وأن نظام العراق يشبه نظام المحاصصة الطائفية في لبنان، موضحاً أن هذا النموذج صُمم لمنع تجدد الصراع من خلال ضمان التمثيل، لكنه فشل إلى حد كبير في تحقيق حوكمة فعالة.
وختم التقرير بالقول في نهاية المطاف، إن السؤال الذي يواجه العراق هو ما إذا كان الزيدي سيصبح مايكل كورليوني، أي زعيماً يعزز سلطته من خلال القضاء على منافسيه مع ترك حلفائه من دون مساس، أم سيكون زعيماً مستعداً لتحدي النظام بأكمله، بما في ذلك أولئك الذين يقفون في القمة.