"سوداوية وسخرية".. ذكرى غزو وحرب لم يكن يتمناها العراق حلت عليه
شفق نيوز- ترجمة
رسم موقع "مودرن ديبلوماسي" الأميركي صورة سوداوية حول العراق، قائلاً إن التوقعات حوله هشة، وذلك في ذكرى مرور 23 سنة على الغزو الأميركي، والآن في ظل الحرب الأميركية-الإيرانية، حيث يجد العراق نفسه محاصراً بين نفس القوى الخارجية التي حددت ودمرت ربع قرنه الذي مضى.
وذكر التقرير الأميركي في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز، أن الذكرى السنوية للغزو حافلة بالسخرية، موضحاً أنه عندما سقطت القنابل الأميركية لأول مرة على بغداد في 19-20 آذار/مارس العام 2003، كانت المهمة المعلنة هي التحرير، إلا أنه بعد مرور 23 سنة، يتم قصف العراق مجدداً، ليس من قبل القوات الأميركية التي تسعى إلى تغيير النظام في بغداد، وإنما من قبل الضربات الأميركية والإسرائيلية التي تستهدف الأصول الإيرانية والميليشيات المدعومة من إيران التي تهاجم المنشآت الأميركية.
وتابع التقرير أيضاً أن الغزو تسبب في موت هائل ودمار وعدم استقرار طويل، مشيراً إلى أن إيران التي كانت يوماً ما عدو العراق المرير خلال الحرب الإيرانية-العراقية الوحشية التي استمرت 8 سنوات، كانت أكبر مستفيد استراتيجي من الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، حيث ملأت الكثير من الفراغ السياسي والأمني الذي تلا سقوط صدام حسين والذي خلقته الولايات المتحدة.
وتحدث التقرير عن ذكرى سنوية حافلة بالسوداوية والسخرية، مضيفاً أن هذين الإرثين تصادما، حيث أصبح البلد الذي أعيد تشكيله بالتدخل الأميركي ساحة معركة لمواجهة أميركا مع القوة الإقليمية التي ساعد التدخل عن غير قصد في تمكينها.
ونقل التقرير عن دراسة لمعهد "غالوب" مؤخراً خلصت إلى أنه منذ العام 2009، شهد العراق واحدة من أكبر الزيادات المستمرة في تصورات السلامة في أي مكان في العالم، وهو إنجاز مذهل بعد سنوات من العنف الطائفي المنتشر والحرب الأهلية وصعود داعش وسقوطها، مشيراً إلى أن هذه الخلاصة التي تحققت بصعوبة أصبحت الآن عرضة للخطر بشكل مباشر.
وبحسب التقرير فإن انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أظهرت مظاهر التقدم وحدوده في الوقت نفسه، موضحاً أن الناخبين لم ينتجوا أي فائز واضح، مما أدى إلى مساومة طويلة بين النخب، بينما ضغطت الولايات المتحدة على بغداد للحد من نفوذ الميليشيات، في حين تحركت إيران للحفاظ على شبكاتها السياسية وشبكات مواردها من الطاقة.
وفي حين لفت التقرير إلى هجمات الميليشيات الأخيرة على أربيل والقنصلية الأميركية فيها ومواقع مختلفة في إقليم كوردستان، والسفارة الأميركية في بغداد، قال إنه بعد نحو 3 أسابيع من الحرب، فإن الموجة المتجددة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة أكدت أن التهديد مستمر ومتصاعد، مشيراً إلى أن بعض فصائل قوات الحشد الشعبي تعمل بمزيد من الاستقلالية، مدفوعة بتصور وجود صراع وجودي واعتمادها الاقتصادي والعسكري والأيديولوجي العميق على إيران.
وبحسب التقرير فإنه برغم أن الحكومة العراقية تدين ما تسميه "العمليات العدائية المتكررة"، إلا أنه قال إنها تفتقر إلى القدرة على وقفها، في وقت علقت بعثة حلف "الناتو" إلى العراق مهمتها التدريبية وبدأت في سحب الأفراد، مما زاد من إضعاف الدعم الخارجي لقوات الأمن العراقية المنهكة بالأصل.
وبعدما قال التقرير إن 90% من إيرادات الدولة تأتي من صادرات النفط الخام، وهو ما يجعل الحكومة عرضة للصدمات الخارجية، أوضح أن الحرب الإقليمية أظهرت الآن هذا الضعف ووجود أزمة، وذلك في وقت توقفت صادرات الغاز الإيرانية إلى العراق بعد الضربات الإسرائيلية على منشآت غازية إيرانية، مما أدى على الفور إلى إجهاد قطاع الكهرباء الهش في العراق وكشف عن ضعف موازٍ في الاعتماد على إمدادات الطاقة الإيرانية.
وتناول التقرير الضربات التي استهدفت مواقع رئيسية في كل من إقليم كوردستان والجنوب، وإغلاق ممر هرمز، في حين ارتفعت أسعار النفط من حوالي 70 دولاراً إلى أكثر من 100 دولار للبرميل منذ بدء الصراع، إلا أن العراق لا يمكنه الاستفادة منه، حيث إن الإيرادات لا تعتمد على السعر وإنما على القدرة على التصدير، في حين إن العراق لا يمكنه التصدير حالياً.
واعتبر التقرير أن مأزق العراق اليوم بدأ في العام 2003، موضحاً أن الغزو الذي أطاح صدام حسين أدى إلى تفكيك الكثير من الدولة العراقية، إلا أنه مع تدفق أكثر من تريليون دولار من عائدات النفط إلى الخزائن الحكومية في العقدين الأخيرين، لم يتم تحقيق تنمية قوية، مما خلق اقتصاداً يركز على توزيع الثروة النفطية.
وتابع قائلاً إن هذا الإرث ليس مؤسسياً فحسب، بل هيكلياً أيضاً، مضيفاً أنه يتم الاحتفاظ بعائدات النفط في مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وهو ما يمنح واشنطن نفوذاً كبيراً على النظام المالي العراقي، وبالتالي على سلطته المحلية.
وبحسب التقرير، فإن هذا الخليط من الاعتماد على الخارج والانقسام الداخلي هو ما يفسر ضعف العراق حالياً، مضيفاً أن العراق لا يمكنه فرض سياسة الحياد من دون أن يسيطر بشكل كامل على قواته المسلحة، أو التنويع الاقتصادي خارج النفط وقاعدة إنتاجية أوسع، أو إدارة العلاقات بين المركز والمحيط داخل نظام اتحادي غير مكتمل ومتنازع عليه.
وخلص التقرير إلى القول إن التوقعات المباشرة حول العراق هشة، مضيفاً أن احتياطيات البنك المركزي قد تغطي عاماً من الواردات، إلا أن الصراع المطول يهدد بانقطاع التيار الكهربائي على مستوى واسع، وتأخر الرواتب، وتفاقم البطالة في اقتصاد يعتمد كلياً تقريباً على النفط.
ورأى التقرير أن قدرة الحكومة على المناورة مقيدة ليس فقط بالاعتماد المالي والعسكري، وإنما أيضاً بسبب الضغوط المتنافسة من القوى الخارجية والجماعات المسلحة المحلية المترسخة، وهو ما يترك أمام الدولة مجالاً محدوداً لرسم مسار مستقل.
وختم التقرير بالقول إنه بعد أكثر من عقدين من غزو العام 2003، فإن العراق لا يزال عالقاً بين الدولة التي تم تفكيكها والدولة التي لم تترسخ بالكامل حتى الآن، موضحاً أن اقتصادها وجهازها الأمني ومؤسساتها السياسية لا تزال تعكس إرث التدخل الخارجي والحكم المنقسم والاعتماد على الجهات الفاعلة الخارجية، وهو ما سيظل يشكل مسار العراق إلى أن يتمكن من تأكيد السلطة الحقيقية على موارده والجماعات المسلحة وعلاقاته الخارجية.