جرف بغداد يكشف المأزق.. نزع سلاح الفصائل غير ممكن على الأرض

جرف بغداد يكشف المأزق.. نزع سلاح الفصائل غير ممكن على الأرض جانب من مشاركة الفصائل بتشييع جثمان خامنئي في النجف- شفق نيوز
2026-08-02T10:39:24+00:00

شفق نيوز- ترجمة خاصة

وصلت قوات عراقية، في 24 تموز/ يوليو، إلى بوابات مقر فوج المهام الخاصة التابع لحركة النجباء في منطقة جرف النداف ببغداد، لتنفيذ عملية تفتيش بحثاً عن طائرات مسيّرة وصواريخ، لكنها لم تتمكن من دخول المجمع، بعد اعتراض قادة في الحركة على العملية ورفضهم السماح للقوة الحكومية بتنفيذ مهمتها.

ونقل تقرير لموقع "المونيتور" الأميركي، عن مسؤولين أمنيين عراقيين، قولهم إن قادة موالين للحركة حذروا الضباط من دخول المنشأة، قبل أن يطوق مقاتلون مسلحون تابعون للنجباء القوة الحكومية ويطلقوا عيارات تحذيرية في الهواء فوق مركباتها.

وانتهت العملية من دون تنفيذ التفتيش، بعدما أُمرت القوات بالانسحاب. وشاركت في التحرك قيادة عمليات بغداد والشرطة الاتحادية ومديرية أمن الحشد الشعبي، إلا أن قيادة الحشد أبلغت عناصرها بأنها لم تكن على علم بأن العملية تستهدف منشأة تابعة لحركة النجباء، قبل أن تتلقى وحدات الجيش أوامر مماثلة بالانسحاب.

ورغم محدودية الحادثة من الناحية الميدانية وعدم وقوع إصابات أو اندلاع اشتباكات، فإن توقيتها منحها أهمية سياسية وأمنية كبيرة، إذ اعتُبرت وفق التقرير الذي ترجمته وكالة شفق نيوز، أول اختبار عملي لتعهد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بوضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة بحلول 30 أيلول/ سبتمبر، وهو الموعد المقرر لانتهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في العراق.

اختبار مبكر لوعود النزع

ووفق التقرير الأميركي، تكشف واقعة جرف النداف حجم الفجوة بين التعهدات الحكومية المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة، وبين قدرة بغداد الفعلية على فرض قراراتها داخل المناطق والمنشآت التي تسيطر عليها الفصائل المسلحة.

وتحاول حكومة الزيدي السير في مسار دقيق يقوم على تعزيز سلطة الدولة والحد من القدرات العسكرية المستقلة للفصائل، من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية قد يصعب احتواؤها أو السيطرة على نتائجها.

وعلى خلاف مواجهات سابقة، جرت حادثة جرف النداف بعيداً عن التصريحات العلنية والتصعيد الإعلامي، ولم تصدر بيانات رسمية تفصيلية بشأنها، قبل أن تظهر معلوماتها لاحقاً عبر مصادر أمنية.

ويعكس هذا التكتم، بحسب التقرير، حرص الطرفين على تجنب وضع يؤدي إلى مواجهة مباشرة قبل موعد 30 أيلول/ سبتمبر، إذ لا ترغب الحكومة في تحويل ملف نزع السلاح إلى صدام مسلح، فيما لا تريد الفصائل الظهور بمظهر الطرف الذي يتحدى الدولة بصورة علنية.

وقال الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمعهد تشاتام هاوس، حيدر الشاكري، إن النتيجة لا تختلف كثيراً عن المواجهات السابقة، إلا أن أسلوب التعامل معها تغير.

وأوضح أن بغداد باتت تميل إلى استخدام أدوات أقل صداماً، عبر إعادة هيكلة القطاع الأمني، وممارسة ضغوط غير مباشرة على شبكات التمويل والدعم اللوجستي والقيادات المرتبطة بالفصائل، بدلاً من الاعتماد على الإنذارات العلنية أو المواجهات العسكرية المباشرة.

لكن التقرير رأى أن نجاح هذه الاستراتيجية لا يقاس بنتائج العمليات الأمنية المنفردة، بل بقدرة الدولة على تقليص الغطاء السياسي والمؤسسي الذي يحمي الجماعات المسلحة ويمنحها مساحة واسعة للتحرك.

وبهذا المعيار، مثلت عملية جرف النداف اختباراً لم تنجح الحكومة في تجاوزه، إذ انسحبت القوات من دون تنفيذ مهمتها، ولم تُسجل اعتقالات أو إجراءات قانونية معلنة بحق العناصر التي منعت التفتيش وأجبرت القوة الحكومية على التراجع.

وقال الشاكري إن عجز الحكومة عن تنفيذ قراراتها ضد أحد فصائل “المقاومة”، أو عدم متابعة الحادثة قانونياً وسياسياً، يشير إلى استمرار امتلاك الجماعات المسلحة قدرة فعلية على تعطيل بعض إجراءات الدولة.

وأضاف أن عدم اتخاذ إجراءات علنية بعد الحادثة قد يبعث برسائل إلى الفصائل الأخرى بشأن حدود استعداد بغداد للمضي في إجراءات حصر السلاح.

وأشار التقرير، إلى أن الفصائل المسلحة لا تتعامل مع ملف نزع السلاح بالموقف نفسه، إذ انخرطت بعض الجماعات، مثل عصائب أهل الحق، بصورة أوسع في العمل السياسي والاقتصادي، ما قد يقلل من استعدادها للدخول في مواجهة مباشرة مع الدولة.

في المقابل، لا تزال فصائل أخرى، من بينها كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، ترفض وضع ترساناتها تحت السيطرة الكاملة للدولة، وتتمسك بوجودها العسكري باعتباره جزءاً من دورها العقائدي والإقليمي.

في هذا الصدد، قال المحلل السياسي العراقي مهند الغازي إن بعض الفصائل تربط سلاحها بإطار أيديولوجي يجعل التخلي عنه أمراً شبه مستحيل من وجهة نظرها.

وحذر الغازي من الخلط بين عمليات ضبط محدودة تتصدر عناوين الأخبار وبين نزع السلاح الفعلي، مشبهاً ذلك بملاحقة المركبات المستخدمة في الهجمات، مع ترك مواقع تصنيعها ومصادر تجهيزها من دون معالجة.

ونبه التقرير إلى أن عدداً من المعسكرات وورش تصنيع الطائرات المسيّرة ومواقع تخزين الأسلحة يقع داخل مناطق تتمتع فيها الفصائل بنفوذ واسع، ما يجعل القضية سياسية ومؤسساتية بقدر ما هي أمنية.

ضغوط خارجية

لا تقتصر الضغوط على الجانب الداخلي، إذ تواجه بغداد أيضاً مطالب إقليمية متزايدة لمنع استخدام الأراضي العراقية في شن هجمات ضد دول الجوار.

وأعلنت وزارة الدفاع السعودية، في وقت سابق، أن دفاعاتها الجوية أسقطت طائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية باتجاه منشآت نفطية في المنطقة الشرقية والعاصمة الرياض، متهمة جماعات مسلحة مدعومة من إيران بالوقوف وراء الهجمات.

وأكدت السعودية احتفاظها بحق الرد في الوقت والمكان المناسبين.

وبعد ذلك، استهدفت غارات أميركية سعودية مواقع تابعة لفصائل مسلحة في شرق العراق، ما أدى إلى مقتل 20 شخصاً على الأقل، بحسب التقرير.

وقالت السعودية إن الضربات استهدفت جماعة موالية لإيران تتهمها بتنفيذ هجمات ضد منشآت نفطية في المنطقة الشرقية ومحيط الرياض.

وأدت التطورات الأمنية إلى تأجيل زيارة كان من المقرر أن يجريها الزيدي إلى السعودية.

وذكر تقرير المونيتور، إلى أن تكرار الهجمات من الأراضي العراقية، سواء نُفذت بصورة مباشرة أو عبر جماعات تعمل بدعم إيراني، يضع الحكومة أمام اختبار يتعلق بقدرتها على حماية السيادة ومنع تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية.

وطبقاً للتقرير فإن تحديد 30 أيلول/ سبتمبر موعداً لإنجاز عملية نزع السلاح بصورة كاملة لا يبدو واقعياً، في ظل استمرار الفصائل في الاحتفاظ بقدرات عسكرية مستقلة ونفوذ سياسي ومؤسسي واسع.

فالحكومة التي لم تتمكن من تفتيش منشأة تابعة لحركة النجباء بعد تعرض قواتها للتهديد، ستواجه صعوبة أكبر في تفكيك جماعات تمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة وشبكات تمويل ومعسكرات ومواقع إنتاج عسكرية.

وبحسب التقديرات، قد تتمكن الحكومة خلال الفترة المقبلة من تنفيذ إجراءات محدودة، مثل نقل بعض الأسلحة، أو إغلاق عدد من المواقع، أو إعادة تنظيم بعض التشكيلات، من دون الوصول إلى نزع كامل للترسانات العسكرية.

وقال الشاكري إن هذه الإجراءات قد توفر زخماً سياسياً للحكومة، لكنها لن تعني تفكيك القدرات العسكرية للفصائل، خصوصاً مع استمرار امتلاك الجماعات الأقوى نفوذاً سياسياً وحماية مؤسساتية وقدرات مستقلة.

ولفت التقرير إلى أن نزع السلاح الحقيقي يتطلب تفكيك التنظيمات المسلحة، والسيطرة على مواقع إنتاج الأسلحة وتخزينها، وإنهاء شبكات التمويل والقيادة المرتبطة بها.

غير أن تنفيذ هذه الخطوات قد يؤدي إلى مواجهة داخلية واسعة، وقد يدفع إيران إلى التدخل لحماية حلفائها، ما يجعل الحكومة تميل إلى اتباع نهج تدريجي بدلاً من المواجهة المباشرة.

وتقوم الاستراتيجية المحتملة على استيعاب الفصائل الأكثر استعداداً للتعاون ضمن مؤسسات الدولة، وممارسة ضغوط سياسية ومالية على الجماعات الرافضة، مع محاولة تقليص نفوذها في مناطق مثل الطارمية شمال بغداد، وجرف الصخر جنوب العاصمة.

لكن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بعوامل تتجاوز قدرة بغداد، وفي مقدمتها طبيعة العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، ومدى استمرار التوتر الإقليمي.

في ضوء هذه المعطيات، بين التقرير أن قياس نجاح الحكومة بإنجاز نزع كامل للسلاح خلال مدة قصيرة قد لا يكون واقعياً.

ويطرح معياراً أكثر محدودية، يتمثل في قدرة بغداد على تقليص إمكانات الفصائل في تنفيذ الهجمات، ونقل الأسلحة، وتهديد دول الجوار، والتحرك خارج منظومة القيادة الرسمية.

ورغم الخطوات المؤسسية التي اتخذتها حكومة الزيدي لإعادة تنظيم الأجهزة الأمنية وتعزيز سلطة الدولة، فإن حادثة جرف النداف كشفت استمرار وجود مناطق يصعب على القوات الحكومية فرض قراراتها داخلها.

كما أظهرت أن ملف نزع السلاح لا يتعلق بإصدار الأوامر أو تنفيذ عمليات تفتيش منفردة، بل يرتبط بتفكيك منظومة سياسية واقتصادية وأمنية متشابكة، تمتلك الفصائل من خلالها نفوذاً داخل مؤسسات الدولة وخارجها.

ومع اقتراب موعد 30 أيلول/ سبتمبر، تبدو الحكومة أمام اختبار يتجاوز مسألة جمع الأسلحة، إلى قدرتها على فرض قراراتها من دون الانزلاق إلى صراع داخلي، وتحويل حصر السلاح من تعهد سياسي إلى واقع قابل للتنفيذ.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon