نتائج "سلبية" لتعقب الأموال.. كيف تعبث "صور الفساد" بنفوس العراقيين؟
شفق نيوز- خاص
لم تعد حملة مكافحة الفساد في العراق تقتصر على ملاحقة المتهمين وفتح الملفات، بل امتدت إلى نقاش مجتمعي أوسع بشأن الطريقة التي تُدار بها إعلامياً.
فبينما يرى كثير من العراقيين أن نشر صور ومقاطع الفيديو الخاصة بعمليات القبض على المتهمين يبعث برسالة حاسمة عن جدية الدولة في محاربة الفساد، يحذر آخرون من أن الإفراط في تداول هذه المشاهد قد يرسخ صورة سلبية عن العراق في الخارج، ويؤثر في ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، ولا سيما لدى فئة الشباب.
ويعتقد مختصون أن نجاح أي حملة لمكافحة الفساد لا يقاس فقط بعدد أوامر القبض أو حجم التغطية الإعلامية، بل بقدرتها على تحقيق العدالة واسترداد الأموال العامة، مع الحفاظ على ثقة المجتمع وصورة الدولة.

صورة العراق
في هذا الصدد، يؤكد المواطن عمار السيد أن العراقيين يقفون إلى جانب أي إجراءات تستهدف محاربة الفساد، شريطة أن تكون حملة حقيقية لا تقتصر على البعد الإعلامي.
ويقول، في حديثه لوكالة شفق نيوز، إن الشعب يدعم الحكومة والسلطة القضائية في ملاحقة الفاسدين، آملاً أن تسهم الإجراءات الحالية في ترسيخ العدالة واستعادة الثقة بمؤسسات الدولة.
ويبين أن ما تحقق حتى الآن يمثل خطوة إيجابية، لكنه يشدد على ضرورة أن تشمل الحملة جميع القوى والأحزاب والأشخاص المتورطين، من دون استثناء أو انتقائية، لأن تطبيق القانون على الجميع هو المعيار الحقيقي لنجاحها ومصداقيتها.
في المقابل، يرى المواطن نذير محمد أن نشر صور ومقاطع الفيديو الخاصة بعمليات القبض على المتهمين بقضايا الفساد بصورة مكثفة قد يترك انطباعاً لدى الرأي العام العالمي بأن العراق غارق في الفساد، رغم تأييده الكامل لاستمرار الحملة.
ويفضل نذير، اعتماد ضوابط واضحة تنظم نشر هذه المواد، بما يحقق التوازن بين حق المواطنين في الاطلاع على مجريات مكافحة الفساد، والحفاظ على صورة العراق أمام المجتمع الدولي.
ويؤكد أن العراقيين انتظروا أكثر من عقدين رؤية خطوات جادة لمحاسبة الفاسدين، معرباً عن تقديره للإجراءات التي اتخذتها الجهات المختصة خلال الفترة الأخيرة.

"الرؤوس الكبيرة"
أما المواطن إسماعيل محمد، فيرى أن استمرار الحملة ووصولها إلى الشخصيات النافذة يمثل الاختبار الحقيقي لجدية الدولة.
ويشير محمد، خلال حديثه للوكالة، إلى أن أي تباطؤ أو توقف قبل الوصول إلى ما وصفه بـ"رؤوس الفساد الكبيرة" سيؤثر سلباً في ثقة المواطنين، وربما يمنح الفساد فرصة جديدة للتغلغل داخل مؤسسات الدولة.
ويضيف أن كثيراً من العراقيين يعتقدون أن شخصيات سياسية نافذة متورطة في الفساد أو توفر الحماية للفاسدين، مؤكداً أن الأنظار تتجه إلى القضاء العراقي لاستكمال هذا المسار وتحقيق العدالة بحق جميع المتورطين دون استثناء.
ومن زاوية علم النفس، تؤكد الباحثة والناقدة الدكتورة شيماء مجيد بهية، أن كشف ملفات الفساد يمثل ضرورة لبناء دولة القانون، إلا أن التأثير النفسي للحملات الإعلامية يعتمد على طريقة تقديمها، وليس على مضمونها فقط.
وتقول بهية، لوكالة شفق نيوز إن التغطية الإعلامية المتواصلة التي تركز على أخبار الفساد من دون إظهار نتائج ملموسة للمحاسبة والإصلاح قد تولد لدى الشباب ما يعرف في علم النفس بـ"العجز المتعلم"، وهو شعور يقتنع فيه الإنسان بأن جهوده لن تغير الواقع مهما حاول.
وتوضح بهية، أن استمرار هذا الشعور قد يقود إلى القلق المزمن والإجهاد النفسي والإحباط، فضلاً عن انخفاض الدافعية وفقدان الأمل بالمستقبل، مؤكدة أن المشكلة لا تكمن في كشف الفساد، وإنما في تقديمه باعتباره أزمة دائمة لا تقابلها حلول أو إنجازات.

إرهاق الأخبار
وتشير بهية إلى أن الدماغ البشري يمتلك ميلاً فطرياً للتركيز على الأخبار السلبية، وهي ظاهرة تعرف بـ”التحيز السلبي”، ما يجعل التعرض المستمر لهذا النوع من المحتوى يرفع مستويات التوتر ويزيد إفراز هرمونات الضغط النفسي.
وتضيف أن متابعة الأخبار السلبية بصورة يومية قد تؤدي إلى ما يسمى بـ"إرهاق الأخبار"، لافتة إلى أن تأثير هذه الظاهرة يختلف بين الأفراد بحسب العمر ومستوى التعليم والخبرة الحياتية، إذ يكون الشباب الأصغر سناً أكثر عرضة للتأثر، بينما يساعد التعليم على تنمية التفكير النقدي والتمييز بين الوقائع والمبالغات.
وترى الباحثة أن كثافة تداول ملفات الفساد قد تؤدي إلى تراجع الثقة بالمؤسسات إذا غابت الشفافية أو تأخرت نتائج المحاسبة.
وتوضح أن ثقة المواطن لا تُبنى بمجرد كشف الفساد، بل عندما يرى أن الدولة تمتلك القدرة على محاسبة الفاسدين واسترداد الحقوق، محذرة من أن تحويل الفساد إلى مادة إعلامية يومية من دون نتائج واضحة قد يرسخ لدى الجمهور الاعتقاد بأن الفساد أصبح القاعدة وليس الاستثناء.
كما تحذر من أن التركيز المستمر على الأزمات دون إبراز النجاحات قد يشوه إدراك المواطنين للواقع ويزيد مستويات الإحباط، مؤكدة في الوقت نفسه أن فقدان الثقة ببعض المؤسسات لا يعني بالضرورة تراجع الانتماء الوطني، إذ إن رؤية إصلاحات حقيقية ومحاسبة عادلة من شأنها أن تعزز الأمل وتشجع الشباب على المشاركة في بناء الدولة.
وتلفت إلى أن قرار الهجرة لا يرتبط بالفساد وحده، بل يتداخل مع عوامل اقتصادية واجتماعية وأمنية، فيما يدفع الغضب من الفساد بعض الشباب إلى الانخراط في المبادرات المدنية والعمل التطوعي والإصلاح المؤسسي.

دعوة للتوازن
وتدعو بهية إلى اعتماد مفهوم "الإعلام البنّاء"، الذي لا يكتفي بكشف الفساد، بل يواكب أيضاً مسارات الإصلاح ونتائجها، ويبرز النماذج الإيجابية والنجاحات المؤسسية، بما يعزز ثقة المجتمع ويمنع ترسيخ الصورة السلبية.
كما تؤكد أهمية دور الأسرة والمدرسة والجامعة في تنمية التفكير النقدي، وتعليم مهارات التحقق من المعلومات، وبناء القدرة على إدارة الضغوط النفسية.
وتنصح الشباب بالاعتماد على مصادر موثوقة، وتحديد أوقات لمتابعة الأخبار، وتجنب إعادة مشاهدة المحتوى السلبي بصورة متكررة، إلى جانب ممارسة النشاط البدني والتفاعل الاجتماعي والانخراط في المبادرات التطوعية.
وتختتم حديثها بالتأكيد على أن الغضب من الفساد لا ينبغي أن يتحول إلى يأس، بل يمكن توظيفه كدافع لدعم الشفافية، والإبلاغ عن المخالفات عبر القنوات القانونية، والمشاركة في ترسيخ ثقافة النزاهة، لأن بناء المجتمعات، "يقوم على الوعي والمساءلة والمشاركة والإيمان بإمكانية الإصلاح، لا على إنكار المشكلات أو الاستسلام لها".