مؤتمرات رسمية وعنف متصاعد.. أين الحماية القانونية لنساء العراق؟
شفق نيوز- بغداد
لاقى المؤتمر الإسلامي الثامن عشر لمناهضة العنف ضد المرأة، الذي عقد في العاصمة العراقية بغداد، اهتماماً واسعاً بين الأوساط السياسية والحقوقية، بوصفه منصة لمناقشة قضايا حماية المرأة وتعزيز دورها في المجتمع.
لكن المؤتمر لم يخلُ من انتقادات ركزت على الفجوة بين كثرة المؤتمرات والخطابات المتعلقة بحقوق المرأة وبين محدودية الإجراءات العملية على أرض الواقع، في وقت ما تزال فيه قضايا العنف الأسري والابتزاز الإلكتروني وضعف الحماية القانونية تتصدر النقاش المجتمعي في العراق.
وجاء المؤتمر وسط مؤشرات رسمية وحقوقية تكشف استمرار تصاعد العنف الأسري، إذ أعلن المرصد العراقي لحقوق الإنسان تسجيل 36 ألفاً و289 حالة عنف أسري خلال عام 2025، فيما أشارت وزارة الداخلية إلى تسجيل أكثر من 16 ألف دعوى خلال النصف الأول من عام 2026، بينها أكثر من تسعة آلاف حالة اعتداء من الأزواج على زوجاتهم.
ويرى مؤيدو المؤتمر أن الفعالية تمثل منصة لتسليط الضوء على قضايا المرأة وتعزيز حضورها في المجتمع ومؤسسات الدولة، بينما يرى منتقدون أن معالجة الملف تحتاج إلى الانتقال من الخطاب إلى تشريعات وآليات تنفيذية أكثر وضوحاً، خصوصاً مع استمرار غياب قانون خاص لمناهضة العنف الأسري.
حماية وتمكين المرأة
وفي هذا السياق، تقول الباحثة في الشؤون السياسية والدولية، سهاد الشمري، إن المؤتمر حمل رسائل ركزت على تعزيز مكانة المرأة العراقية في مختلف مفاصل الدولة، والإشادة بما حققته من حضور في المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، إلى جانب عرض تجارب نسائية تمكنت من تجاوز ظروف صعبة وتحقيق نجاحات في مجالات مختلفة.
وتضيف الشمري لوكالة شفق نيوز، أن المؤتمر ركز على دعم القيادات النسوية وتعزيز دور المرأة في الحفاظ على تماسك الأسرة العراقية، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لبناء المجتمع، فضلاً عن الاهتمام بملف الناجيات الإيزيديات والفئات المهمشة، والتوعية بمخاطر الابتزاز الإلكتروني.
وترى أن الرسالة الأساسية للمؤتمر تمثلت في التأكيد على حماية المرأة من الإقصاء والتهميش، وتشجيعها على تطوير قدراتها العلمية والاقتصادية والاجتماعية، بما يمكنها من تحقيق طموحاتها والمساهمة في خدمة الأسرة والمجتمع.
وخلال المؤتمر، أعلن رئيس مجلس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، أن الحكومة تعمل على إعادة تشكيل المجلس الأعلى للمرأة وتفعيله وفق رؤية جديدة، ليكون مظلة قانونية وتنفيذية لكل ما يسهم في تطوير واقع المرأة العراقية.
من جهته، أكد رئيس تيار الحكمة الوطني، عمار الحكيم، خلال المؤتمر، أن مناهضة العنف ضد المرأة لا ينبغي أن تكون قضية مرتبطة بمناسبة سنوية، بل مشروع وعي وثقافة ومسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلامية.
كما دعا إلى التطبيق الكامل والمنصف لقانون الناجيات الإيزيديات، ودراسة توسيع نطاق الإنصاف ليشمل ضحايا الجرائم الإرهابية المماثلة، على أساس طبيعة الجريمة وحجم الضرر بعيداً عن هوية الضحية أو انتمائها.
فجوة التنفيذ
لكن الحقوقية والأكاديمية، بشرى العبيدي، توجه انتقادات حادة لطريقة التعامل مع ملف المرأة، معتبرة أن القضية تحولت لدى بعض الجهات والمنظمات إلى وسيلة للاتجار بالشعارات أكثر من كونها مشروعاً حقيقياً للدفاع عن حقوق النساء.
وتقول العبيدي لوكالة شفق نيوز، إن الأموال التي أنفقت خلال السنوات الماضية على ملف المرأة لم تنعكس بصورة واضحة على الواقع، وإن كثرة المؤتمرات والندوات لم تحقق النتائج المطلوبة.
وتضيف أن الأولوية يجب أن تكون لإقرار تشريعات عملية وتعزيز مكانة المرأة في مختلف القطاعات، معتبرة أن وجود النساء في مواقع المسؤولية لا يمثل إنجازاً بحد ذاته ما لم يرافقه التزام حقيقي بالدفاع عن قضايا المرأة.
وتشير إلى أنها كانت من المؤيدين سابقاً لنظام الكوتا النسائية، لكنها أصبحت تنتقده بسبب ضعف مخرجاته وعدم انعكاسه على واقع النساء، معتبرة أن القضية تحتاج إلى شخصيات تؤمن بحقوق المرأة سواء كانت من الرجال أو النساء.
وتنتقد العبيدي ما وصفته بوجود خطاب مزدوج لدى بعض الجهات، قائلة إن بعض القوى التي ترفع شعار الدفاع عن المرأة لم تدعم بالضرورة القوانين التي تعزز حقوقها، بل وقفت أحياناً ضد تشريعات ترى أنها ضرورية لحمايتها.
حضور بلا نفوذ
من جانبها، تقول النائبة شيماء عبد الستار، إن المرأة العراقية تمثل جزءاً أساسياً من المجتمع، لكنها ما تزال لم تحصل على استحقاقها السياسي الكامل رغم وجود نظام الكوتا الذي منح النساء نحو 25% من مقاعد البرلمان.
وتضيف الستار لوكالة شفق نيوز، أن العديد من الوزارات والمناصب القيادية والسيادية لا تزال بعيدة عن النساء، وأن حضورهن داخل المكاتب السياسية للأحزاب لا يتناسب مع الكفاءات والخبرات التي يمتلكنها.
وتوضح أن المجتمع السياسي العراقي ما يزال يميل إلى منح المواقع القيادية للرجال، مشيرة إلى أن آليات التوافق السياسي وتقاسم المناصب بين الكتل تؤثر على فرص النساء في الوصول إلى مواقع القرار.
وتؤكد أن معيار الكفاءة يجب أن يكون الأساس في اختيار المسؤولين، مشيرة إلى أن المرأة العراقية قادرة على إدارة المؤسسات والوزارات، لكنها تحتاج إلى فرص أكبر.
العنف غير المبلغ
وتأتي هذه النقاشات في وقت تكشف فيه الأرقام عن حجم التحدي، فقد أعلن المرصد العراقي لحقوق الإنسان أن حالات العنف الأسري المسجلة عام 2025 بلغت 36 ألفاً و289 حالة، مؤكداً أن الرقم لا يعكس الحجم الحقيقي للانتهاكات بسبب وجود أعداد كبيرة من الضحايا الذين لا يبلغون.
وبحسب الإحصاءات، تصدرت اعتداءات الأزواج على الزوجات قائمة الحالات المسجلة بـ19 ألفاً و587 حالة، تلتها اعتداءات الزوجات على الأزواج بـ5 آلاف و918 حالة، إضافة إلى آلاف الحالات الأخرى التي شملت العنف ضد الوالدين والأبناء وبين الإخوة.
ويربط مختصون ارتفاع معدلات العنف بعوامل متداخلة، بينها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي مر بها العراق، والحروب والنزاعات المسلحة، والبطالة والفقر، إضافة إلى استمرار بعض الأنماط الثقافية التي تمنح العنف مساحة داخل الأسرة.
ولا يزال العراق يفتقر إلى قانون مستقل لمناهضة العنف الأسري، رغم المطالبات المتكررة بإقراره.
ويرى حقوقيون أن الاعتماد على مواد قانون العقوبات الحالية لا يوفر حماية كافية، مشيرين إلى المادة 41 التي تتحدث عن "حق التأديب" ضمن حدود معينة، باعتبارها إحدى النقاط التي تحتاج إلى مراجعة تشريعية.
كما يحذر ناشطون من أن غياب منظومة حماية متكاملة، بما فيها دور الإيواء والدعم النفسي والقانوني، يجعل كثيراً من الضحايا أمام خيارات محدودة، وقد يدفع بعضهن إلى العودة إلى بيئات تعرضهن للخطر.