خطاب "المقاومة" يضع العراق في حرج وسلاحها "شرارة حرب"

خطاب "المقاومة" يضع العراق في حرج وسلاحها "شرارة حرب"
2026-08-02T17:19:35+00:00

شفق نيوز- بغداد

وجد العراق نفسه أمام موجة جديدة من الضغوط الإقليمية بعد أن تلقت الحكومة العراقية تحذيرات من دول في المنطقة مفادها أن أي هجمات تنطلق من الأراضي العراقية باتجاه أراضيها ستقابل برد عسكري يستهدف الفصائل المسلحة داخل العراق، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تحول البلاد إلى ساحة مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران وحلفائها.

وتأتي هذه التحذيرات بعد سلسلة هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ نُسبت إلى فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران، استهدفت مصالح ومنشآت في دول مجاورة، ولا سيما السعودية، وسط دعوات إقليمية لبغداد باتخاذ إجراءات تمنع استخدام الأراضي العراقية منطلقاً لعمليات تهدد أمن المنطقة.

وفي مقابل ذلك، تؤكد الحكومة العراقية أنها لن تسمح باستخدام أراضي البلاد للاعتداء على دول الجوار، حيث شدد رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي خلال اجتماع أمني طارئ، مساء أمس السبت، على ضرورة منع أي تجاوز أو تهديد ينطلق من العراق، موجهاً بتشكيل لجنة أمنية مشتركة ووضع آليات رادعة تحول دون تكرار الخروقات.

كما وجه الزيدي الأجهزة الأمنية والعسكرية برفع مستوى الجاهزية، وتعزيز الإجراءات الاستخبارية والدفاعية، مؤكداً أن حماية السيادة العراقية ومنع تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية مسؤولية حصرية للمؤسسات الرسمية.

ضغط إقليمي

وجاءت التحذيرات بعد تصاعد الهجمات التي اتهمت بها دول خليجية وإقليمية فصائل عراقية مرتبطة بإيران.

وكانت السعودية قد أعلنت خلال الأيام الماضية اعتراض طائرات مسيّرة قالت إنها انطلقت من الأجواء العراقية باتجاه منشآت حيوية داخل المملكة، وردت بالتعاون مع القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) باستهداف مقرات ومستودعات تابعة للحشد الشعبي فجر الأربعاء الماضي، 29 تموز/ يوليو 2026، وأسفرت عن قتلى وجرحى.

كما نقلت تقارير إعلامية، أن السعودية والأردن وسوريا والكويت وجهت رسائل إلى بغداد تحذر من أن أي هجوم جديد ينطلق من الأراضي العراقية سيقابل بضربات مباشرة تستهدف مواقع الفصائل المسلحة داخل العراق.

وفي السياق ذاته، أبدت دول خليجية عدة قلقها من استمرار نشاط الجماعات المسلحة خارج إطار القرار الحكومي، وطالبت بغداد باتخاذ خطوات عملية تمنع استخدام الأراضي العراقية في عمليات تهدد أمن المنطقة.

لكن "المقاومة الإسلامية في العراق" نفت مسؤوليتها عن قصف السعودية، مؤكدة في بيان ورد لوكالة شفق نيوز في 27 تموز/ يوليو الماضي، أن السعودية "ترمي الاتهامات نحو العراق"، وأن اتهام "المقاومة" بقصف المنشآت النفطية السعودية في الشرقية والرياض، لا أساس له من الصحة.

ويقول عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، صكر المحمداوي، إن حماية سيادة العراق تمثل "أولوية وطنية لا تقبل المساومة"، مؤكداً أن أي استهداف للأراضي العراقية من أي جهة يعد انتهاكاً للسيادة ومخالفة للقوانين الدولية.

ويضيف المحمداوي لوكالة شفق نيوز، أن معالجة الملفات الأمنية يجب أن تتم عبر القنوات الدبلوماسية والحوار، بعيداً عن لغة التهديد واستخدام القوة، محذراً من أن أي تصعيد عسكري داخل العراق ستكون له تداعيات خطيرة على أمن البلاد والمنطقة.

ويدعو النائب الحكومة العراقية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية السيادة الوطنية وتعزيز قدرات القوات الأمنية، إلى جانب تكثيف التحرك الدبلوماسي مع دول الجوار والشركاء الدوليين لمنع أي انتهاكات للأجواء أو الأراضي العراقية.

ويشدد على ضرورة توحيد الموقف الوطني بما يحفظ أمن العراق ويمنعه من الانجرار إلى صراعات إقليمية، مؤكداً أن استقرار البلاد مسؤولية مشتركة تتطلب احترام سيادتها وعدم تحويل أراضيها إلى ساحات لتصفية الحسابات.

دوافع التصعيد

وتقول الفصائل المسلحة الموالية لإيران إنها تتحرك ضمن إطار "المقاومة" ضد الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، خصوصاً منذ اندلاع الحرب بقطاع غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وتصاعد التوتر بين واشنطن وطهران.

وخلال الأشهر الماضية، أعلنت جماعات عراقية مسؤوليتها عن هجمات استهدفت قواعد ومصالح أميركية في العراق وسوريا، قبل أن تتوسع تهديداتها لتشمل دولاً خليجية.

ومن أبرز الجماعات التي ظهرت في هذا السياق كتائب حزب الله العراقية، التي أعلنت مراراً ارتباطها بمحور المقاومة وتبنت خطاباً معادياً للوجود الأميركي، إلى جانب حركة النجباء التي تملك جناحاً عسكرياً وتعد من أكثر الفصائل قرباً من إيران، وكتائب سيد الشهداء التي ترفض التخلي عن قدراتها العسكرية خارج السيطرة الكاملة للدولة.

في المقابل، تختلف مواقف الفصائل من ملف حصر السلاح؛ إذ أبدت بعض القوى استعداداً للانخراط في مسار سياسي أو إعادة تنظيم العلاقة مع الدولة، بينما ترفض فصائل أخرى التخلي عن ترسانتها العسكرية باعتبارها جزءاً من دورها العقائدي والإقليمي.

وتُعد كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء من أبرز الجماعات التي تتمسك باستمرار وجودها العسكري المستقل، فيما دخلت عصائب أهل الحق بدرجة أكبر في المجال السياسي والمؤسساتي، ما يجعل موقفها أكثر حرجاً بين العمل السياسي والاحتفاظ بالنفوذ العسكري.

شبكة النفوذ الإيراني

ويرى مراقبون أن هذه الفصائل جزء من شبكة إقليمية تدعمها إيران، وتستخدمها طهران كأداة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.

وفي هذا الجانب، يقول الخبير الأمني والمحلل الاستراتيجي، علاء النشوع، إن العراق أصبح "ساحة معركة" بسبب الحرب المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران المندلعة منذ 28 شباط/ فبراير 2026، مشيراً إلى أن طهران تنظر إلى الساحة العراقية باعتبارها ورقة مؤثرة في أي مواجهة مع واشنطن.

ويضيف النشوع لوكالة شفق نيوز، أن وجود ترسانة عسكرية مرتبطة بإيران داخل العراق، وقدرتها على التحرك واستهداف مصالح تعتبرها طهران مؤثرة في الصراع، جعلت البلاد جزءاً من معادلة المواجهة الإقليمية.

ويوضح أن المشكلة تكمن في أن بعض الأهداف التي تستهدفها هذه الفصائل تقع داخل دول عربية مجاورة تربطها بالعراق علاقات وحدود واتفاقيات، ما وضع بغداد أمام مسؤوليات قانونية وسياسية تجاه تلك الدول.

ويشير إلى أن نفوذ إيران داخل بعض المفاصل الأمنية والعسكرية العراقية جعل الحكومة في موقف صعب، ومنح دول الجوار، خصوصاً العربية منها، مبررات للتحرك ضد التهديدات القادمة من الأراضي العراقية.

ويقول إن هذه الفصائل "تنضوي وفق القانون والدستور تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة"، الأمر الذي يجعل الحكومة العراقية أمام مسؤولية قانونية في منع أي نشاط عسكري خارج قرار الدولة.

ويتابع أن أي عمل عسكري من دول الجوار داخل الأراضي العراقية يمثل انتهاكاً للسيادة العراقية، لكنه أكد في الوقت ذاته أن احترام سيادة العراق يجب أن يقترن باحترامه سيادة الدول الأخرى وعدم السماح باستخدام أراضيه لشن هجمات عليها.

ويحذر النشوع من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى دفع العراق وشعبه إلى صراع لا يخدم مصالحه، مؤكداً أن إبعاد البلاد عن الحروب الإقليمية والدولية يمثل "قمة الوطنية".

خطاب السيادة العراقية

من جهتها، ترفض الفصائل المسلحة المقربة من إيران اعتبار العراق ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية.

ويقول حسين الشيحاني، عضو المكتب السياسي لحركة "صادقون" التي تمثل الجناح السياسي لعصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، إن العراق "ليس ساحة مستباحة ولا دولة بلا قرار"، مؤكداً أن أي اعتداء على الأراضي العراقية يمثل اعتداءً على السيادة.

ويضيف الشيحاني لوكالة شفق نيوز، أن العراق يمتلك مؤسسات وقوات مسلحة قادرة على الدفاع عنه، مشدداً على دعم مشروع الدولة القوية وحصر قرار الحرب والسلم بيد الحكومة.

لكن الشيحاني يؤكد في الوقت ذاته أن الدعوات إلى بناء الدولة لا ينبغي أن تُفهم على أنها ضعف أو تراجع أمام أي تهديد خارجي.

ويرى إن الفصائل "لا تريد التصعيد لكنها لا تخاف منه"، محذراً أي جهة تفكر بالاعتداء على العراق من تحمل نتائج ذلك.

ويدعو في الوقت نفسه إلى دور دبلوماسي عراقي أكثر فاعلية وحضوراً يتناسب مع حجم التطورات الإقليمية والدولية.

تأهب عسكري

وتأتي هذه التطورات في وقت كانت فيه المنطقة تقترب من مواجهة أوسع بين واشنطن وطهران.

فقد أفادت تقارير إعلامية، أمس السبت، بأن الحرس الثوري الإيراني أجرى اتصالات مع قيادات من فصائل عراقية وحزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن لبحث آليات توسيع العمليات في حال اندلاع مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة.

وبحسب تلك التقارير، كانت طهران تدرس تفعيل شبكة حلفائها في المنطقة لاستهداف قواعد ومصالح أميركية في العراق وسوريا، بهدف رفع كلفة أي مواجهة على واشنطن.

كما رفعت فصائل عراقية جاهزيتها، فيما اتخذت الحكومة إجراءات أمنية تحسباً لأي تحركات ميدانية.

لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن في وقت لاحق من مساء السبت، تعليق عملية عسكرية واسعة ضد إيران، مقابل بحث اتفاق سريع يتعلق بالملف النووي وفتح الممرات المائية في مضيق هرمز، ما خفف مؤقتاً احتمالات الانفجار العسكري.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon