ما علاقة عبد الناصر؟.. القصة الكاملة لاعتقال عبد السلام عارف من قبل "صديقه قاسم"
شفق نيوز- ترجمة خاصة
استعاد موقع بريطاني، سرد قصة اعتقال نائب رئيس الوزراء العراقي عبد السلام عارف، في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1958 بتهمة تعريض أمن الدولة للخطر، حيث اعتبر تلك اللحظة، هي بمثابة النهاية لصراع شخصي وسياسي مع رئيس الوزراء عبدالكريم قاسم، وأشرت احتدام الصراع الداخلي حول هوية العراق الجديدة.
وجاء في تقرير موقع "أمواج" البريطاني، الذي ترجمته وكالة شفق نيوز، سرد مفصل للمنافسة بين قاسم وعارف بعد إسقاط النظام الملكي في بغداد، في ظل التنافس الإقليمي والعلاقة مع الزعيم المصري جمال عبدالناصر، ما أفضى إلى انفجار المواجهة بين الرجلين.
وأوضح الموقع البريطاني في تقريره أن عارف، بعد نحو شهر على تعيينه سفيرا لدى ألمانيا الغربية، جرى اعتقاله في بغداد بأوامر من قبل عبدالكريم قاسم، بعدما عاد عارف الى العراق دون إذن ورفض مغادرة البلاد، حيث وجهت اليه اتهامات بالتآمر ضد الدولة.
وبحسب التقرير، فإن اعتقال عارف أثار الدهشة خصوصا أن عارف وقاسم قادا انقلابا أطاح بالملك فيصل الثاني، وذلك فيما يتصاعد التوتر بينهما وسط تزايد التنافس الشخصي ومواقفهما المختلفة حول ما إذا كان يجب على الجمهورية العراقية الجديدة الانضمام الى الجمهورية العربية المتحدة بقيادة عبد الناصر.
ولفت التقرير إلى أن اعتقال "السفير" عارف الذي يحمل رتبة عقيد، جاءت بعد وقت قصير من وصوله إلى بغداد بعدما رصده ضابط في الجيش في المطار، فجرى اقتياده إلى مكتب قاسم واحتجز بناء على أوامر من رفيقه القديم بعد رفضه العودة إلى ألمانيا الغربية.
وذكر التقرير أنه جرى تعيين عارف كسفير في ألمانيا من قبل قاسم في سياق خطوة رآها كثيرون على أنها خطوة مهذبة من أشكال النفي السياسي، حيث تتحدث تقارير عن أن عارف لم يتسلم مهامه كسفير في بون وأنه تم رصده في بلجيكا.
وأشار التقرير إلى أن الاعتقال جاء بخلفية اضطرابات مدنية في بغداد، حيث خرج المؤيدون المتنافسون لرئيس الوزراء قاسم ونائبه عارف إلى الشوارع، حيث قاد حزب البعث الذي تأسس في سوريا وأصبحت له شعبية متزايدة وقتها في العراق، الاحتجاجات المؤيدة لعارف، في حين أن مؤيدي عارف كانوا يحثونه على العودة إلى العراق والعمل من أجل انضمام العراق إلى "الجمهورية العربية المتحدة".
وفي الوقت نفسه، لفت التقرير إلى أنه بعد اعتقال عارف، تصاعدت التجمعات الداعمة للقومية "المعتدلة" التي يمثلها عبدالكريم قاسم، ووقعت صدامات بين أنصار الطرفين، مشيراً إلى أن العديد من مؤيدي قاسم في الشوارع هم من أعضاء جماعات شيوعية، كان قاسم قد بدأ يعتمد عليها بشكل متزايد لإظهار الدعم الشعبي له.
وأوضح التقرير أنه على عكس حزب البعث والناصريين، فإن هذه الجماعات الشيوعية كانت تعارض بدرجة كبيرة انضمام العراق إلى الجمهورية العربية المتحدة، وهو ما وضع الاتحاد السوفيتي الذي كان لديه علاقات متفاوتة مع عبدالناصر، في موقع غير مريح، لافتا إلى أن موسكو تجنبت الانحياز علنا إلى أي طرف على الرغم من أن المراقبين لاحظوا أن "عراقا مستقلا كثقل موازن لعبد الناصر"، من شأنه أن يصب في مصلحة الاتحاد السوفيتي.
وذكر التقرير بأن العقيد عارف والعميد قاسم قادا في 14 تموز/يوليو 1958، فصيلا يعرف باسم الضباط الأحرار للانقلاب على الملك فيصل الثاني وحكومته، التي اعتبروها "موالية للغرب"، ثم أصبح قاسم رئيساً للوزراء وعين رفيقه في الانقلاب نائبا له.
وبحسب التقرير، فإن سقوط الملك العراقي جاء بعد غضب طويل تجاه الحكم الهاشمي والنفوذ البريطاني الكبير في البلد، مذكرا بأنه جرى اغتيال فيصل الثاني وولي العهد الأمير عبد الإله وأفراد آخرون من العائلة المالكة في قصر الرحاب بعد الاستسلام للقوات الموالية لقاسم.
ولفت التقرير إلى سقوط النظام الملكي في العراق، ترك ابن عم فيصل الثاني، حسين بن طلال الهاشمي في الأردن، كآخر فرد متبقي من العائلة الهاشمية الحاكمة.
وقال التقرير إنه منذ سيطرتهما على الحكم، أصبح من الصعب بشكل متزايد التوفيق بين مواقف عارف وقاسم المختلفة إزاء ما إذا كان العراق ينضم إلى الجمهورية العربية المتحدة، حيث كان عبدالكريم قاسم يعارض الانضمام إلى مشروع الوحدة العربية الذي يقوده عبدالناصر.
ولفت إلى تقديرات خبراء بأن قاسم شعر بالقلق إزاء مشروع الوحدة لأنه قد يجبر العراق على تقاسم إيراداته النفطية الوفيرة مع مصر، التي تنتج نفطا أقل بكثير.
وتابع التقرير أن القوى الشيوعية في العراق كانت تدعم قاسم لكنها تعارض الاندماج مع الجمهورية العربية المتحدة، حيث من المعتقد أن هذا الموقف كان يحظى بدعم موسكو التي لا تفضل توسع نفوذ عبد الناصر في المنطقة.
وبينما قال التقرير أن عبدالكريم قاسم سمح في تشرين الأول/أكتوبر 1958 بعودة الزعيم الكوردي الملا مصطفى بارزاني إلى العراق بعد أكثر من عقد من المنفى في الاتحاد السوفيتي، موضحاً أن المراقبين يعتبرون أن هذه الخطوة قد تكون مؤشرا على أن السلطات الجديدة في بغداد تنتهج مسارا مختلفا عن أسلافها المؤيدين للغرب، إلا أنه برغم ذلك، فإن قاسم لم يعلن بتاتا ارتباطه رسميا أو علنا بأي جماعة شيوعية داخل العراق او دوليا.
وأضاف التقرير أنه على النقيض من ذلك، كان عارف وأنصاره من البعثيين يتجمعون لدعم الاندماج مع الجمهورية العربية المتحدة منذ ما بعد الانقلاب مباشرة تقريبا، لافتاً إلى أن عارف ظهر خلال تجمع في دمشق مع عبدالناصر، وقد سافر مع الزعيم المصري إلى القاهرة قبل أن يقوم بجولة في العراق للقيام بحملة لصالح قضية القومية العربية.
وتابع التقرير أنه بالإضافة الى خلافاتهما في السياسة، فإن البعض يعتبر أن قاسم ربما كان ينظر إلى نشاط عارف هذا على أنه محاولة من نائبه لكي يهمين عليه، بعدما كان التنافس بين الرجلين يشتد منذ الإطاحة بالنظام الملكي.
وبحسب التقرير، فإن التوترات بين الرجلين تفاقمت عندما وجه عارف مسدسا نحو قاسم خلال جدال حاد بينهما بسبب تجريده من منصبه الوزاري وتعيينه سفيرا لدى ألمانيا الغربية.
وتابع قائلا إن قاسم عفا عن نائبه السابق على رفعه السلاح بوجهه أثناء الجدال، حيث قال له "يا ابني، يا ولدي، يا أخي، من أجلك أفعل هذا حتى لا تتأثر بالذين يريدون أن يضللوك".
وبحسب التقرير، فإن حزب البعث كان في حالة غياب نسبي عن الأضواء في العراق منذ أن افتتح أول فرع له في بغداد في العام 1952، إلا أن الحركة القومية العربية كانت قد بدأت تكتسب زخما في تلك الفترة، ويعتقد ان عارف يربطه اتصال وثيق بقائد البعثيين في العراق، فؤاد الركابي.
ولفت التقرير إلى صِدام بين النزعة الوطنية عند قاسم وطموحات عارف العروبية، في وقت أصبح التأييد الشعبي لحزب البعث يظهر أن شريحة كبيرة من المجتمع لم تكن راضية عن الحكومة التي يقودها قاسم.
وأشار التقرير إلى أن انباء اعتقال عارف رافقتها تقارير في الاذاعات الرسمية تندد بـ"المؤامرات الامبرياليات"، وهو ما رآه العديد من المراقبين كإشارة مبطنة إلى تحالف عارف مع المشروع الناصري للقومية العربية، لافتاً إلى أن مصادر أخرى قالت إن اعتقال نائب رئيس الوزراء السابق عارف قد يكون جزءا من حملة قمع أوسع نطاقا ضد حزب البعث.
وختم التقرير قائلا إنه كانت هناك خلافات داخل النخبة السياسية حول مدى تطبيق سياسة عدم الانحياز، في ظل دفع معسكرات مختلفة نحو إقامة ارتباط أقوى مع الاتحاد السوفيتي أو الجمهورية العربية المتحدة.