لفهم الثقافة والتاريخ.. شغف ألماني متزايد بتعلم اللغة الكوردية
درس لتعلم اللغة الكوردية في ألمانيا (DW)
شفق نيوز- برلين
يخوض ألمان وألمانيات رحلة تعلّم اللغة الكوردية بدوافع متنوعة، لتنتهي بفهم أعمق للمجتمع الكوردي وثقافته، غير أن تعلّم الكوردية لا يخلو من تحديات، بحسب تقرير لموقع "دويتشه فيله" DW الألماني.
ووفقاً للتقرير الذي تابعته وكالة شفق نيوز، فقد استهل بتسليط الضوء على الشابة الألمانية بريتا التي بدأت حديثها بالتحيّة الكُورديّة "روج باش"، (أي أتمنى لك يوماً جميلاً ومشرقاً)، معربة عن انفتاحها وحماسها لمواصلة تعلّم اللغة الكوردية التي يتحدث بها شريكها.
وأوضحت أن "اللغة تمثل الهوية والانتماء والثقافة"، مشيرة إلى أن تعلّمها يساعدها على التعرّف بشكل أعمق إلى حياة شريكها، وفهم نمط حياة عائلته وعاداتهم، إلى جانب التعرّف أكثر على ثقافة المجتمع الكوردي.
وبينت بريتا أنها لا تزال تواجه بعض الصعوبات في استخدام اللغة الكوردية في الحياة اليومية، رغم الجهود التي تبذلها لتعلمها. فغالباً ما تجد صعوبة في استحضار المفردات والتعبيرات المتداولة في الحديث اليومي ومطابقتها مع القواعد والمعارف النظرية التي اكتسبتها خلال الدروس.
وقد تعلمت اللغة من خلال دورات في "المدرسة الشعبية لتعليم البالغين" (Volkshochschule)، بالإضافة إلى دروس عبر الإنترنت مع مدرسين متخصصين.
تعدد اللهجات وتنوعها
وخلال مسيرتها التعليمية، لاحظت أن اللهجة المحكية التي يستخدمها شريكها وعائلته في عفرين بمحافظة حلب السورية تختلف في بعض مفرداتها وتعبيراتها عن اللغة التي تعلمتها في الكتب والدورات الدراسية.
ومن هنا أدركت أن اللغة الكوردية تضم عدداً من اللهجات المختلفة، وليس فقط لهجة الكورمانجية التي درستها.
كما أن لهجة الكورمانجية نفسها تتنوع لكناتها ومفرداتها من منطقة إلى أخرى، تبعاً للتنوع الجغرافي للمجتمعات الكوردية.
كما واجهت بريتا أثناء تعلمها الكوردية مفاهيم وتراكيب لغوية جديدة لم تكن قد صادفتها في اللغات الأخرى التي تعلمتها سابقاً.
ورغم أن اللغة الكوردية تنتمي، مثل الألمانية، إلى عائلة اللغات الهندو أوروبية، الأمر الذي جعل بعض الكلمات مألوفة لها، فإنها اكتشفت في الوقت نفسه جوانب لغوية مميزة تطلبت منها جهداً إضافياً لفهمها وإتقانها.
واليوم أصبحت الكوردية جزءاً من حياتها اليومية، حتى إن عبارات مثل "صباح الخير" و"تصبح على خير" باتت تُستخدم بشكل طبيعي وروتيني بينها وبين شريكها.
وتأمل بريتا أن تتوفر في المستقبل فرص أكثر لتعلم اللغة الكوردية وممارستها عملياً، بما يتيح للراغبين في ألمانيا اكتسابها واستخدامها في حياتهم اليومية بصورة أوسع.
جسر للتواصل الإنساني
لويزا وكذلك آن كاترين، تتشابه دوافعهما في السعي إلى تعلّم لغة يتحدث بها أكثر من مليون كوردي يعيشون في ألمانيا.
وتوضحان أن اهتمامهما بتعلّم اللغة الكوردية بدأ من خلال صداقاتهما مع أشخاص كورد يشاركونهم تفاصيل حياتهم اليومية.
وقد دفعهما ذلك إلى التعمق في اللغة وفهم قواعدها، والتعرّف عن قرب إلى القيم الاجتماعية والثقافية التي تشكّل جزءاً من هوية المجتمع الكوردي.
ورغم أن رحلة تعلّم اللغة الكوردية كانت ممتعة بالنسبة لهما، فإنهما لم تتمكنا بعد من التحدث بها بطلاقة.
وتوضحان أن بعض الأصوات والحروف الكوردية شكّلت تحدياً لهما، لأنها تختلف عن تلك الموجودة في اللغات التي تتقنانها.
ومع ذلك، تؤكد الشابتان أن الجهد الذي بذلتاه كان يستحق العناء، إذ أتاح لهما فرصة التعرّف على جوانب أوسع من الثقافة الكوردية، بما في ذلك الموسيقى والأغاني الشعبية والتراث الثقافي.
لكن دوافع تعلّم الكوردية لا تقتصر على العلاقات الشخصية أو الصداقات مع كورد. فمونيكا، وهي أخصائية اجتماعية، تقول إن طبيعة عملها تجعلها على تواصل مستمر مع مراجعين كورد، وإنهم يشعرون غالباً بقدر أكبر من الارتياح عندما يلمسون قدرة من يتعامل معهم على فهم بعض كلماتهم أو مخاطبتهم بلغتهم، ولو بعبارات بسيطة.
وتضيف أن الصداقة مع الكورد ومشاركتها سابقاً في عدد من دورات تعليم اللغة الكوردية ساعدتاها على فهم الخلفيات الثقافية والاجتماعية لمراجعيها بصورة أفضل، الأمر الذي عزز وعيها بخصوصية عملها وأسهم في تحسين تواصلها معهم.
تحديات التعلم
يقول أستاذ اللغة الكورديّة محمد كلش في هذا الصدد، وبحسب تجاربه مع فئات عديدة ومختلفة، إن الدوافع والأسباب تختلف بين رغبة الألمان بالتعرّف على المجتمع الكوردي، من خلال علاقات عاطفيّة وروابط اجتماعيّة تجمعهم بالكورد، فيما يرغب آخرون ببناء جسور تواصل بين ثقافتين مختلفتين، كما يوجد عدد من الأكاديميين ومحبيّ اللغات الذين يدفعهم فضولهم اللغوي، ورغبتهم في اكتشاف لغة جديدة والتعمّق بها.
ويرى كلش أن الطلاب الألمان لا يجدون صعوبة في القراءة وفي فهم القواعد الكورديّة. خاصة أن اللغة تُكتب بالأحرف اللاتينيّة وأن الكثير من المتعلمين لديهم خبرة سابقة في تعلّم اللغات. إلا أنّ التحدي الأكبر يكمن في المحادثة اليوميّة ومحدوديّة فرص ممارسة اللغة بشكل منتظم.
كما يلفت الانتباه إلى أنّ نقص الموارد التعليميّة الورقيّة والالكترونيّة المخصصة لغير الناطقين بالكورديّة، وعدم توفر القواميس الكافية بالإضافة إلى قلّة المصادر والمراجع، ما يزال يشكّل عائقاّ أمام ازدياد انتشار تعلّمها.
ويشير أنّ معظم الجهود المبذولة في هذا المجال ما تزال فرديّة أكثر منها مؤسساتيّة.
وتحدّث كلش أيضاً عن أهميّة دروس الأونلاين في الوقت الحالي ودورها في تسهيل الوصول، خاصة للبالغين، لكنه يرى أنّ الدروس الحضوريّة تبقى أكثر فاعليّة للأطفال، بسبب التفاعل المباشر من خلال نشاطات وألعاب تساهم في جذب الانتباه والتركيز.
مبادرات توسيع التعليم
ويقول رئيس المنتدى الألماني الكوردي، يونس بهرام، إن إحصاءات جمعيات كوردية في ألمانيا تشير إلى أن اللغة الكوردية تُدرَّس في نحو 50 مدرسة موزعة على ست ولايات ألمانية.
ومع ذلك، لا يتجاوز عدد المستفيدين من هذه الدروس نحو 3500 طالب، معظمهم من الناطقين الأصليين باللغة الكوردية.
وبالنظر إلى حجم الجالية الكوردية في ألمانيا، تبقى هذه الأرقام متواضعة نسبياً، ما يعكس محدودية فرص تعلم اللغة ووصولها إلى شرائح أوسع من المجتمع.
ويرى بهرام أن هذا الواقع يبرز الحاجة إلى مزيد من الدعم المؤسسي والأكاديمي لتعزيز حضور اللغة الكوردية وتوسيع فرص تعلمها داخل ألمانيا.
وتزامناً مع ازدياد إقبال الألمان في الآونة الأخيرة على تعلّم اللغة الكورديّة، بدأت تظهر مبادرات تحاول منح اللغة مساحة أوسع داخل المؤسسات التعليميّة الألمانيّة.
ومن بينها مشروع تأسيس الجامعة الكورديّة الدوليّة، الذي يعمل عليه يونس بهرام في مدينة دريسدن، مع عدد من الأكاديميين والمهتمين بالشأن الثقافي الكوردي.
ويضيف بهرام أن المشروع لا يزال في طور التأسيس، وهم يسعون لأن يفتح هذا المشروع أبوابه مستقبلاً أمام جميع المهتمين باللغة والثقافة والتاريخ الكوردي.
ويطمحون إلى تعزيز التبادل الثقافي بين الكورد والألمان، إضافة إلى توفير فرص ومواد أوسع للراغبين في دراستها بشكل أكاديمي.
وختم التقرير بالقول إن اللغة تبقى مفتاحاً لفهم الآخر والتقرب من ثقافته، مهما اختلفت الدوافع والتجارب الإنسانية. فسواء بدأت رحلة تعلم الكوردية بدافع الحب، أو الرغبة في تكوين أسرة، أو من خلال الصداقات، أو بدافع الفضول المعرفي، فإنها تقود متعلميها مع مرور الوقت إلى فهم أعمق للثقافة الكوردية ومجتمعها.