الزيدي على أعتاب رئاسة الوزراء.. هل يقود العراق إلى الاستقرار أم يعيد إنتاج الأزمات؟
أسامة عبد الأمير البدران
في خضمّ التحوّلات السياسية المتسارعة في العراق، يبرز اسمُ علي فالح كاظم الزيدي بوصفه واحدًا من أكثر الشخصيات إثارةً للجدل والتساؤل، ليس فقط بسبب صعوده المفاجئ إلى واجهة المشهد، بل أيضًا لطبيعة خلفيته التي تختلف عن النمط التقليدي لرجال السلطة في البلاد.
فبحسب ما كشفت وكالة رويترز في تقارير حديثة، فإن الزيدي يُعدّ رجلَ أعمالٍ بارزًا يمتلك شبكةَ مصالح واسعة في قطاعاتٍ ماليةٍ وتجارية، وهو ما يضعه ضمن فئة الفاعلين الاقتصاديين الذين يمتلكون حضورًا مؤثرًا خارج الإطار السياسي التقليدي. وتشير المعلومات إلى أنّ نشاطه يمتد إلى مجالاتٍ حيوية، من بينها القطاع المصرفي، وسلاسل التوريد، فضلًا عن ارتباطه بملف «البطاقة التموينية»، الذي يُعدّ من أكثر الملفات حساسيةً على المستوى الاقتصادي والاجتماعي في العراق.
وتضيف التقارير أنّ الزيدي وُصف بأنه «مليونير في الأربعينات»، وهي إشارة لا تعكس فقط وضعه المالي، بل أيضًا موقعه العمري ضمن فئة قيادية شابة نسبيًا مقارنةً بكثير من الوجوه السياسية التقليدية. وفي الوقت ذاته، تؤكد المصادر ذاتها أنه لم يكن شخصيةً معروفة على نطاقٍ سياسي واسع قبل طرح اسمه، ما يعزّز من صورة «الوافد الجديد» إلى ساحة الحكم.
هذا المزيج بين الثقل الاقتصادي والغياب السياسي السابق يفسّر، وفق توصيفاتٍ إعلامية متداولة، تصنيفه كـ «مرشّح تكنوقراط» أو اقتصادي أكثر من كونه سياسيًا تقليديًا نشأ داخل الأحزاب أو عبر المسارات الأيديولوجية المعتادة. وبذلك، فإن صعوده لا يعكس فقط تسويةً سياسية، بل يشير أيضًا إلى تحوّلٍ في طبيعة الخيارات المطروحة داخل النظام السياسي العراقي، حيث يُستدعى أحيانًا رأس المال والخبرة الاقتصادية لسدّ فجوات السياسة وتعقيداتها.
وفي لحظاتِ التحوّلِ السياسيِّ الكبرى، لا تُقرأُ الأحداثُ بمعزلٍ عن التاريخ، بل تُفكَّكُ عبر أنماطٍ تتكرّرُ وتتشابه، حتى وإن تغيّرتِ الأسماءُ والوجوه. وفي العراقِ تحديدًا، تتقاطعُ ثلاثةُ عناصرَ مثيرةٌ للتأمّل: الاسمُ، والعمرُ، وطريقةُ الوصولِ إلى الحكم. ومع بروزِ اسمِ علي فالح كاظم الزيدي كمرشّحِ تسويةٍ لرئاسةِ الوزراء، يعودُ السؤالُ القديمُ بثوبٍ جديد: هل نحنُ أمامَ تكرارٍ لنمطٍ تاريخي، أم بدايةِ مسارٍ مختلف؟
«علي» في الذاكرةِ السياسيةِ العراقية: عدالةٌ مأزومة
منذُ تجربةِ علي بن أبي طالب، ارتبطَ اسمُ «علي» في المخيالِ العراقيِّ والعربيِّ بدلالاتِ العدالةِ والشرعيةِ الأخلاقية. فقد حكمَ من الكوفةِ في واحدةٍ من أكثرِ المراحلِ حساسيةً في التاريخِ الإسلامي، حيثُ سعى لترسيخِ مبادئِ العدلِ والمساواة، لكنه واجهَ في المقابلِ انقسامًا سياسيًا حادًا انتهى بصراعاتٍ دامية.
هذه المفارقةُ التاريخية – العدالةُ من جهة، والأزمةُ من جهةٍ أخرى – ظلّت تلاحقُ الاسمَ رمزيًا، حتى وإن لم يكن لذلك تأثيرٌ مباشرٌ على كلِّ من حمله لاحقًا.
عبرَ التاريخ، يظهرُ اسمُ «علي» بشكلٍ محدودٍ لكنه لافتٌ في مواقعِ الحكمِ أو الإدارةِ العليا في العراق:
علي بن أبي طالبحكمَ من الكوفة (656–661م)يمثّلُ النموذجَ التاريخيَّ الأعلى للسلطةِ السياسيةِ في العراقِ المبكرارتبطَ حكمُه بفكرةِ «العدالةِ في زمنِ الانقسام»
علي رضا الركابيتولّى رئاسةَ وزراءِ العراقِ في بداياتِ الدولةِ الحديثةمثّلَ مرحلةَ تأسيسِ الإدارةِ السياسيةِ بعد العهدِ العثمانيكان من أوائلِ رجالِ الدولةِ في النظامِ الملكي
علي جودت الأيوبيشغلَ رئاسةَ الوزراءِ عدةَ مراتٍ في العهدِ الملكيلعبَ دورًا إداريًا مهمًا في إدارةِ الدولةِ بين 1930–1940مثّلَ نموذجَ «رجلِ الدولةِ الإداري» أكثرَ من كونه قائدًا سياسيًا صداميًا
حكّامٌ بعمرِ الأربعينات: طموحُ التغيير وحدّةُ الصدام
في العراقِ الحديث، يكشفُ تتبّعُ أعمارِ الحكّامِ عند وصولِهم إلى السلطةِ عن نمطٍ لافت. فعددٌ من القادةِ الذين حكموا البلاد كانوا في بدايةِ الأربعيناتِ من أعمارهم، وهي مرحلةٌ تمتازُ بالحيويةِ السياسيةِ والطموحِ العالي، لكنها قد تقترنُ أيضًا بقراراتٍ حادّة.
عبد الكريم قاسم (44 عامًا) جاءَ عبرَ ثورةِ 1958، فحقّقَ إصلاحاتٍ اجتماعيةً بارزة، لكنه دخلَ في صراعاتٍ داخليةٍ انتهت بنهايةٍ دموية.
عبد السلام عارف (42 عامًا) وصلَ إلى الحكمِ عبرَ انقلاب، وشهدت فترتُه تقلّباتٍ وعدمَ استقرار.
صدام حسين (42 عامًا) بدأَ حكمَه بتصفياتٍ سياسيةٍ وشعبية، سواء على مستوى الأفراد أو الأحزاب التي تُشكّلُ خطرًا على مستقبله كرئيسٍ للعراق، قبل أن تنزلقَ البلادُ إلى حروبٍ طويلةٍ وظلمٍ للشعب وحصارٍ دمّر البنيةَ العسكريةَ والاقتصادية وعزلةٍ دوليةٍ وإقليمية.
النتيجةُ التي يفرضُها هذا المسارُ التاريخي تكادُ تكونُ واحدة: بداياتٌ قويةٌ تقودُها طاقةُ التغيير، ونهاياتٌ غالبًا ما تُثقلُها الصراعات، وانقلاباتٌ دمويةٌ تتركُ مصيرَ الشعبِ والوطنِ رهنَ الفوضى الخلّاقة.
علي الزيدي: مرشّحُ تسويةٍ خارجَ النمطِ التقليدي؟
في هذا السياق، يبرزُ علي فالح كاظم الزيدي كحالةٍ مختلفةٍ نسبيًا. فهو لا يأتي من خلفيةٍ عسكرية، ولا يُعرفُ كزعيمِ حزبٍ جماهيريٍّ تقليدي، بل يُقدَّمُ بوصفه شخصيةً ذاتَ خلفيةٍ اقتصاديةٍ وإدارية.
وصولُه جاءَ نتيجةَ توافقٍ داخلَ الإطارِ التنسيقي، بعد تعثّرِ الأسماءِ الثقيلة، ما يجعله أقربَ إلى «مرشّحِ حلٍّ وسط» منه إلى «قائدِ مشروعٍ صدامي».
هذه المعطياتُ تضعُه خارجَ النمطِ الكلاسيكيِّ لحكّامِ الأربعيناتِ في العراق، الذين غالبًا ما صعدوا عبرَ الانقلاباتِ أو الثورات.
بين التكرار وكسر القاعدة
السؤالُ الجوهريُّ هنا لا يتعلّقُ بشخصِ الزيدي بقدرِ ما يتعلّقُ بالبنيةِ التي تُحيطُ به:
إذا خضعَ لضغوطِ التوازناتِ السياسية، فقد يتحوّلُ إلى مديرِ أزمةٍ أكثرَ منه صانعَ قرار.
وإذا نجحَ في توظيفِ خلفيتِه الاقتصادية، فقد يتحوّلُ إلى نقطةِ تحوّلٍ نحوَ حكمٍ إداريٍّ عقلاني.
المفارقةُ أنّ العواملَ التي قد تُضعفُه (كونه مرشّحَ تسوية) هي نفسها التي قد تمنحُه فرصةَ النجاح، إن استطاعَ تحويلَ التوافقِ إلى استقرار.
مستقبلُ العراق: سيناريوهان مفتوحان
السيناريو الأول (الإيجابي):حكومةٌ تركّزُ على الاقتصادِ والخدمات، وتنجحُ في إدارةِ التوازناتِ الداخلية، ما يؤدّي إلى استقرارٍ نسبيٍّ وتحسّنٍ في العلاقاتِ الإقليمية.
السيناريو الثاني (السلبي):تحوّلُ رئيسِ الوزراءِ إلى واجهةٍ لصراعاتِ القوى، مع شللٍ في القرارِ السياسي واستمرارِ الأزماتِ المزمنة.
الشعبُ بين الأملِ والحذر
يبقى العاملُ الحاسمُ هو انعكاسُ هذه المعادلةِ على المواطنِ العراقي، ففي حالِ نجاحِ النموذجِ التوافقي، قد يشهدُ العراقيون تحسّنًا تدريجيًا في الخدماتِ والاقتصاد. أمّا في حالِ فشلِه، فسيبقى الواقعُ أسيرَ التكرارِ ذاته: أزماتٌ متجدّدةٌ وثقةٌ متآكلة، وفسادٌ ينخرُ مؤسساتِ الدولةِ وبنيةَ الواقعِ المريرِ الذي أُثخنَ بجراحاتِ الماضي للشعبِ العراقي المتضرّر من جميعِ هذه المناكفاتِ السياسية.
وفي المحصّلة، لا يمكنُ اختزالُ الفسادِ بوصفِه مجرّدَ انحرافاتٍ فرديةٍ أو أخطاءٍ إدارية، بل هو – وفقَ هذا الطرح – ظاهرةٌ بنيويةٌ تتشكّلُ عندما تضعفُ منظومةُ القيم ويختلُّ ميزانُ المسؤولية داخلَ الدولة والمجتمع. فحين تتداخلُ المصالحُ وتغيبُ المحاسبة، يتحوّلُ الفسادُ إلى بيئةٍ مستمرّةٍ تُنتجُ مزيدًا من الاختلالِ في مؤسساتِ الحكم.
ويؤكّدُ التحليلُ أن استمرارَ هذه الدائرةِ يؤدّي إلى إضعافِ الدولة وتراجعِ ثقةِ المواطنِ بمؤسساتها، في حين يبقى الإصلاحُ الحقيقيُّ مرهونًا بإرادةٍ سياسيةٍ وأخلاقيةٍ تعيدُ تعريفَ السلطةِ بوصفِها مسؤوليةً لا غنيمة، وتعيدُ الاعتبارَ للقانونِ كمرجعيةٍ عليا.
السؤالُ المفتوح
هل سيكونُ علي فالح كاظم الزيدي امتدادًا لنمطِ حكّامِ الأربعيناتِ في العراق، حيثُ يقودُ الطموحُ إلى الصدام؟أم أنّه سيكسرُ هذه القاعدة، ويقدّمُ نموذجًا جديدًا لحكمٍ توافقيٍّ يعيدُ رسمَ موقعِ العراقِ سياسيًا واقتصاديًا في المنطقة؟
الإجابة، كما جرتِ العادةُ في العراق، لن تأتي سريعًا… لكنها ستحدّدُ شكلَ المرحلةِ القادمةِ بأكملِها.