ديالى.. تأخر الرواتب ينعش "دفاتر الديون" ويشل حركة الأسواق (صور)
شفق نيوز- ديالى
مع تأخر صرف رواتب معظم مؤسسات الدولة، تحولت الأيام الأخيرة من الشهر إلى فترة انتظار ثقيلة لدى آلاف الأسر التي تعتمد على دخل حكومي ثابت، بينما بدأت آثار الأزمة تتجاوز المنازل لتنعكس على الأسواق، حيث تراجعت حركة الشراء وازدادت طلبات البيع بالدين، وسط مخاوف من أن يتحول التأخير الحالي إلى نمط متكرر خلال الأشهر المقبلة.
وفي أسواق مدينة بعقوبة، مركز محافظة ديالى، لا يحتاج أصحاب المحال إلى إعلان رسمي لمعرفة ما إذا كانت الرواتب قد أُطلقت أم لا، فحركة المتسوقين تكشف ذلك سريعاً، إذ تستعيد الشوارع التجارية نشاطها بعد صرف الرواتب، وتعود إلى الركود كلما تأخر صرفها، في محافظة يعتمد جانب واسع من اقتصادها المحلي على ما ينفقه الموظفون والمتقاعدون.
ديون تسبق الرواتب
أما بالنسبة للموظف، فإن تأخر الراتب لا يعني مجرد تبدل موعد الحصول على المال، بل إرباكاً لسلسلة كاملة من الالتزامات تبدأ بأقساط السلف والقروض، ولا تنتهي عند فواتير المولدات والإنترنت وشراء الطعام والأدوية.
ويقول قيصر العزاوي، وهو موظف حكومي، لوكالة شفق نيوز، إن "إعادة ترتيب التزامات الأسرة أصبحت واقع حال، بعدما تحولت مشكلة تأخر الرواتب إلى عبء إضافي، ولم يعد الراتب نفسه يكفي لسداد ما يتراكم خلال فترة الانتظار في ظل غلاء متطلبات الحياة".
ولا تكمن المشكلة، وفق العزاوي، في أيام التأخير وحدها، بل في غياب موعد واضح يستطيع الموظف بناء قراراته عليه، فكل يوم إضافي يعني ديناً جديداً أو حاجة مؤجلة، فيما لا يتوقف أصحاب العقارات والمصارف ومقدمو الخدمات عن المطالبة بمستحقاتهم.
بدوره، يقول الشرطي المتقاعد هادي العبادي إن "تأخر الراتب مرة واحدة يمكن تداركه، لكن إذا تكرر خلال الأشهر المقبلة فلن يبقى أمامنا شيء يمكن الاستغناء عنه، خصوصاً أننا ألغينا أساساً كثيراً من المصروفات غير الضرورية".
إدارة النقص
خلال السنوات الماضية، اعتادت العديد من الأسر العراقية على توزيع رواتبها قبل وصولها، جزء للإيجار، وآخر للطعام، وثالث للأقساط والخدمات، لكن أزمة السيولة دفعت الموظفين إلى إجراء حسابات مختلفة تقوم على تحديد ما يمكن الاستغناء عنه، وما يمكن تأجيله، ومن يمكن الاستدانة منه.
وتبين المواطنة زينب الخزرجي، وهي موظفة وأم لطفل، أن "تأخر الرواتب وكثرة الالتزامات دفعاها وزوجها إلى تأجيل بعض المشاريع، منها صيانة أجزاء من المنزل، أو شراء بعض الاحتياجات والأثاث، كما بدأت تقلل من الخروج والزيارات التي تتطلب إنفاقاً إضافياً".
وتتابع الخزرجي، لوكالة شفق نيوز: "في الأشهر والسنوات الماضية كنا نحاول ادخار مبلغ بسيط للطوارئ، لكننا استهلكناه خلال الأشهر الأخيرة، والآن أصبحت أي حالة مرضية أو عطل في المنزل يمثل مشكلة حقيقية، لأننا لا نمتلك أموالاً إضافية لمواجهة أي ظرف غير متوقع".
وتشير إلى أنها "باتت تتابع الأخبار المتعلقة بالرواتب يومياً، بعدما كانت تعدّ موعد الصرف أمراً ثابتاً لا يحتاج إلى متابعة"، موضحة أن "تعدد التصريحات والتوقعات يزيد من قلق الموظفين بدلاً من طمأنتهم".
أزمات متكررة
ولا يتوقف أثر الأزمة عند الموظفين، بل يمتد إلى زوجاتهم وأطفالهم وطريقة إدارة المنزل، بحسب علي الربيعي، وهو مدرس، إذ يؤكد أن "عائلته والعديد من العائلات التي يعرفها تخلت عن شراء احتياجات الشهر دفعة واحدة، وأصبحت تشتري المواد الغذائية بكميات محدودة تكفي ليومين أو ثلاثة".
ويقول الربيعي، لوكالة شفق نيوز، إن "عائلتي وعائلات بعض الأصدقاء اضطرت إلى استبدال بعض المشتريات بمواد أقل سعراً، كما طلبنا من الأطفال الانتظار في شراء احتياجاتهم، لأن الطفل لا يفهم معنى أزمة السيولة أو تأخر التمويل، وكل ما يعرفه أن زملاءه اشتروا أشياء لا تستطيع عائلته شراءها له".
ويتابع قائلاً أن "الموظف لم يعد يخرج من الأزمة، بل ينقلها من شهر إلى آخر، في ظل ارتفاع الأسعار من جهة، وتأخر الرواتب من جهة أخرى".
وفي سوق وسط بعقوبة، يرى علي القيسي، وهو صاحب محل للمواد الغذائية، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن "البضائع متوفرة في المحال، لكنها لا تعكس حركة البيع التي تراجعت بصورة واضحة، بعدما عمد معظم الموظفين والمواطنين إلى تقليص الكميات التي يشترونها، والاتجاه نحو الأصناف الأرخص، في حين ارتفع عدد الذين يطلبون تسجيل مشترياتهم بالدين إلى حين صرف الرواتب".
ويؤكد القيسي أن "حركة السوق باتت تكشف تأخر الرواتب قبل الإعلان عن صرفها، فعندما تُصرف، يأتي الزبائن لتسديد ديونهم وشراء احتياجات منازلهم، وعندما تتأخر، يتراجع البيع ويزداد دفتر الديون، كما تنتعش حركة السوق خلال الأيام العشرة الأولى بعد صرف الراتب، ثم تعود إلى الركود بانتظار الراتب التالي".
ويلفت إلى أن "العديد من أصحاب المحال لا يرفضون مساعدة الزبائن الذين يعرفونهم منذ سنوات، لكن في الوقت نفسه هم مطالبون بتسديد قيمة البضائع إلى تجار الجملة، فضلاً عن الإيجارات وأجور العمال وفواتير الكهرباء".
ركود واضح
ويبدو الركود أكثر وضوحاً في المحال التي تبيع الملابس والأجهزة المنزلية والهواتف وغيرها من السلع التي يمكن للأسر تأجيل شرائها.
وفي السياق، يرى مرتضى حسين، وهو موظف في محل لبيع الأجهزة المنزلية، أن "مبيعات هذا النوع من المحال باتت تتأثر سريعاً بمواعيد صرف الرواتب، لأن أغلب الزبائن يعطون الأولوية للطعام والإيجار والخدمات قبل التفكير في شراء الأجهزة الكهربائية أو الملابس وغيرها".
ويذكر حسين، لوكالة شفق نيوز، أن "الزبون يدخل ويسأل عن السعر، ثم يقول إنه سيعود بعد نزول الراتب، وبعضهم كان يشتري جهازاً بين حين وآخر، أما الآن فهناك زبائن لم أرهم منذ ثلاثة أو أربعة أشهر"، مضيفاً أن "الركود لا يعني انخفاض أرباحنا فحسب، بل يهدد استمرار بعض الأعمال، إذ أغلقت بعض المحال أبوابها بعدما خسر أصحابها كل شيء، ومعظمنا الآن لا يبحث عن الربح، بل يحاول فقط الاستمرار في العمل وتوفير مصروفات اليوم والإيجار".
وتعزز التصريحات الرسمية مخاوف الموظفين من أن الأزمة لا تتعلق بإجراءات مصرفية عابرة، بل بفجوة حقيقية بين إيرادات الدولة والتزاماتها الشهرية، نتيجة تراجع صادرات النفط بسبب أزمة مضيق هرمز.
وقال مسؤولون في الحكومة الاتحادية، بينهم وزير المالية فالح ساري ووزير الصحة عبد الحسين الموسوي، إن "تأمين الرواتب يحتاج إلى قرابة ثمانية تريليونات دينار شهرياً، في حين لم تكن السيولة المتاحة تتجاوز نحو ثلاثة تريليونات، ما دفع الحكومة إلى تمويل رواتب المؤسسات على دفعات، وفق ما يتوافر من أموال".
نقص سيولة أم إفلاس؟
في غضون ذلك، يقول الباحث في الشأن الاقتصادي عبد الله الجبوري، لوكالة شفق نيوز، إن "أزمة السيولة لا تعني بالضرورة أن الدولة أفلست أو فقدت مواردها، بل تعني أنها لا تمتلك، في التوقيت المطلوب، نقداً كافياً لتغطية التزاماتها بسبب تداعيات الأحداث في المنطقة".
وبحسب عبد الله، فإن اقتصاد العراق شديد الارتباط بالإنفاق الحكومي، لذلك فإن تأخر الرواتب لا يصيب الموظفين وحدهم، بل يقلل الاستهلاك ويضغط على الأسواق والتجار والعاملين في القطاع الخاص، إذ إن الراتب الحكومي يمر عبر عدة حلقات داخل الاقتصاد؛ فهو ينتقل من الموظف إلى صاحب العقار، والبقال، والصيدلية، وأصحاب المولدات، ووسائل النقل، ثم إلى تجار الجملة والعمال، وعندما يتأخر وصوله تتباطأ الدورة المالية بأكملها.
ويرى الجبوري أن "خطورة الأزمة لا تُقاس بعدد أيام التأخير الحالي فقط، وإنما باحتمال تكرارها وتحولها إلى حالة دورية، فعندما يفقد الموظف ثقته بموعد الراتب، يتحول سلوكه من الإنفاق الطبيعي إلى الإنفاق الحذر، وبالتالي يؤجل الشراء حتى إذا كان يمتلك المال، لأنه يخشى ما قد يحمله الشهر المقبل، وهذا بحد ذاته يزيد الركود".
وتبحث الحكومة العراقية عن حلول لتمويل الرواتب، من بينها الاقتراض الداخلي، مع إمكانية اللجوء إلى الاقتراض الخارجي إذا استمرت الضغوط الناتجة عن أزمة مضيق هرمز.
ويحذر الجبوري من "استخدام الاقتراض بصورة مستمرة لتغطية النفقات التشغيلية، لأن ذلك قد يوفر الرواتب مؤقتاً، لكنه يضيف التزامات جديدة على الدولة على شكل ديون وفوائد".
ويشير إلى أن "التوسع في الاقتراض الداخلي قد يقلل الأموال المتاحة لتمويل القطاع الخاص والمشاريع الاستثمارية، لأن الحكومة ستنافس التجار والمستثمرين على السيولة المتوافرة لدى المصارف"، مبيناً أن "الحكومة تستطيع تأجيل ظهور المشكلة عبر الاقتراض، لكنها لا تستطيع إلغاءها من دون إصلاح الإنفاق، وزيادة الإيرادات غير النفطية، ومكافحة الهدر، وتوفير منافذ أكثر أمناً لتصدير النفط".