"نفط العراق تحت تصرف ترمب".. لماذا يتكرر السؤال الجدلي سنوياً؟
شفق نيوز- تقرير خاص
كلما جدد رئيس أميركي حالة الطوارئ الخاصة بالعراق، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة، "هل تسيطر الولايات المتحدة على أموال النفط العراقية"؟
قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد حالة الطوارئ الوطنية المتعلقة بالعراق لعام إضافي، أعاد الجدل السياسي والاقتصادي داخل البلاد، خصوصاً مع تداول معلومات تحدثت عن أن جميع عائدات النفط العراقية أصبحت "تحت سيطرة" واشنطن في حساب لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
ورغم الجدل الذي يتكرر سنوياً مع كل تمديد للأمر التنفيذي الأميركي، يتفق معظم الخبراء على أن القرار لا يمنح واشنطن ملكية أو حق التصرف بعائدات النفط العراقية، بقدر ما يبقي على منظومة قانونية أُنشئت في ظروف استثنائية بعد عام 2003.
لكن استمرار العمل بهذه المنظومة لأكثر من عقدين يفتح، في المقابل، نقاشاً أوسع داخل العراق بشأن موعد الانتقال إلى مرحلة تصبح فيها الدولة قادرة على حماية أصولها المالية بنفسها، بعيداً عن أي ترتيبات استثنائية فرضتها مرحلة ما بعد الحرب.
ماذا يعني قرار ترمب؟
وبحسب الأمر التنفيذي الذي بعث به الرئيس الأميركي إلى الكونغرس في الرابع من أيار/مايو 2026، فإن تمديد حالة الطوارئ جاء لأن الأوضاع المرتبطة باستقرار العراق ما تزال تمثل “تهديداً غير عادي واستثنائياً” للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة.
وأكد ترمب أن حالة الطوارئ، التي أُعلنت لأول مرة في 22 أيار/مايو 2003 بموجب الأمر التنفيذي رقم 13303، ستبقى نافذة بعد 22 أيار/مايو 2026.
وكان هذا الأمر قد صدر بعد الغزو الأميركي للعراق، استناداً إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية، بهدف إزالة العقبات أمام إعادة إعمار العراق، واستعادة الأمن، وحماية الأصول العراقية الموجودة ضمن الولاية القضائية الأميركية.
ومنذ ذلك التاريخ، دأب جميع الرؤساء الأميركيين، جمهوريين وديمقراطيين، على تجديد هذا القرار بصورة سنوية.
أين تذهب أموال النفط؟
الخبير المالي محمد الحسني أوضح لوكالة شفق نيوز، أن عائدات صادرات النفط العراقية تُودع، وفق آليات مالية معتمدة منذ عام 2003، في حساب خاص لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، بإدارة البنك المركزي العراقي.
وقال الحسني إن الهدف من هذا الترتيب هو حماية الأموال العراقية من الدعاوى القضائية وإجراءات الحجز التي قد تتعرض لها في الخارج، وليس وضعها تحت تصرف الولايات المتحدة.
وأضاف أن تجديد الأمر التنفيذي إجراء روتيني يتكرر كل عام، ولا يعني أن واشنطن تستولي على الإيرادات النفطية أو تديرها، مؤكداً أن الأموال تبقى ملكاً للعراق وتُستخدم في تمويل الموازنة العامة بعد استكمال الإجراءات المالية المعتمدة.
وأشار الحسني، إلى أن جميع الحسابات الخارجية التي يديرها البنك المركزي العراقي موجودة حالياً في الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، مبيناً أن النظام المالي العالمي يقوم على حماية متبادلة بين البنوك المركزية، وأنه لم يسبق في التاريخ الحديث أن استولت الولايات المتحدة على أموال بنك مركزي مودعة لدى الاحتياطي الفيدرالي.
متى ينتهي هذا النظام؟
ورجح الحسني أن إنهاء هذه الآلية ليس قراراً سياسياً بسيطاً، بل يحتاج إلى معالجة قانونية ومالية واسعة، إضافة إلى توفير بدائل دولية تمنح الأصول العراقية مستوى الحماية نفسه من الدعاوى القضائية.
وأكد أن أي انتقال إلى نظام جديد ينبغي أن يتم ضمن تفاهمات دولية تضمن عدم تعرض الأموال العراقية للحجز أو المصادرة مستقبلاً.
من جانبه، رأى أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي أن تمديد حالة الطوارئ لا يعني فرض وصاية أمريكية جديدة على العراق، بل استمرار إطار قانوني قائم منذ عام 2003 لحماية الأصول العراقية الواقعة ضمن الاختصاص القضائي الأميركي.
لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أن استمرار العراق، بعد أكثر من عشرين عاماً، ضمن هذه الترتيبات الاستثنائية، يبعث برسالة بأن الاقتصاد العراقي ما يزال مرتبطاً بمنظومة قانونية نشأت بعد الحرب.
وأضاف أن القضية لا تتعلق باستيلاء الولايات المتحدة على الأموال، وإنما باستمرار الحاجة إلى حماية دولية للأصول العراقية، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى اكتمال السيادة المالية للعراق.
وبحسب السعدي، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في بناء مؤسسات مالية وقانونية قوية تسمح للعراق مستقبلاً بالخروج من هذه المنظومة الاستثنائية، مع الحفاظ على الحماية القانونية لأصوله في الخارج.
في المقابل، نبه المحلل الاقتصادي العراقي المقيم في السويد حسين العسكري أن جميع الأموال الناتجة عن بيع النفط العراقي تذهب إلى حساب مصرفي لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وليس إلى بنك داخل العراق.
وقال العسكري إن هذا الحساب يخضع لإشراف الإدارة الأميركية ووزارة الخزانة، مشيراً إلى أن تجديد حالة الطوارئ السنوي يمنح واشنطن استمراراً في هذا الإطار القانوني.
أسئلة نيابية
وفي خضم هذا الجدل، دخل مجلس النواب على الخط، إذ وجهت النائبة هيام الياسري سؤالاً برلمانياً عاجلاً إلى وزارة النفط، طالبت فيه بتوضيح صحة المعلومات المتداولة بشأن مشروع لتزويد الخزين النفطي الأميركي بنحو نصف مليون برميل يومياً، وإنشاء صندوق للطاقة والتنمية بالتعاون مع الولايات المتحدة.
وطلبت النائبة بمعرفة ما إذا كان المشروع قد أُقر رسمياً من مجلس الوزراء أو وزارة النفط، وما إذا كانت الكميات ستكون ضمن حصة العراق في تحالف “أوبك+” أو خارجها، فضلاً عن آلية التسعير، وطبيعة المقابل المالي، وما إذا كانت الصفقة ستتم نقداً أو وفق نظام المقايضة مقابل مشاريع تنفذها شركات أمريكية.
كما استفسرت عن الشركات المنفذة، ومنافذ التصدير، والعوائد الاقتصادية المتوقعة، إضافة إلى مطالبتها بتزويد البرلمان بدراسة الجدوى الاقتصادية والفنية للمشروع خلال مدة لا تتجاوز خمسة عشر يوماً.