من الشلامجة إلى خسروي.. كيف قتل رؤساء الحكومات العراقية "ميناء الفاو"؟ (القصة الكاملة)

من الشلامجة إلى خسروي.. كيف قتل رؤساء الحكومات العراقية "ميناء الفاو"؟ (القصة الكاملة)
2026-07-29T12:06:11+00:00

شفق نيوز- بغداد

على الخرائط الرسمية، يبدو ميناء الفاو الكبير بوابة العراق إلى العالم، ونقطة انطلاق لطريق تجاري يفترض أن ينقل البضائع من الخليج إلى أوروبا خلال فترة أقصر من المسارات التقليدية بنحو 20 يوماً. لكن على الأرض، كانت الحكومات العراقية المتعاقبة ترسم خطوطاً أخرى.

فبينما تنفق بغداد مليارات الدولارات على بناء الميناء وطريق التنمية الممتد نحو تركيا، مضت في الوقت نفسه نحو إنشاء خطوط سكك حديد تربط العراق بالموانئ الإيرانية والكويتية، بما يتيح للبضائع القادمة من دول الجوار دخول الأراضي العراقية من دون المرور بميناء الفاو.

هكذا وجد المشروع الذي روّجت له بغداد باعتباره ركيزة لتحويل العراق إلى مركز عالمي للنقل، نفسه محاصراً بممرات منافسة صنعتها القرارات العراقية ذاتها.

خط يبدأ بالزائرين وينتهي بالبضائع

بدأت قصة ميناء الفاو الكبير في عام 2006، عندما طرحت الحكومة العراقية مشروع إنشاء ميناء استراتيجي في أقصى جنوب البلاد. وكان التصور يقوم على بناء ميناء عميق قادر على استقبال السفن العملاقة، وربطه بما عرف لاحقاً باسم "القناة الجافة"، وهي شبكة من الطرق السريعة والسكك الحديدية تمتد من البصرة إلى تركيا، مع تفرعات محتملة باتجاه سوريا وأوروبا.

وكانت الفكرة بسيطة في ظاهرها وطموحة في نتائجها، حيث تصل السفن القادمة من آسيا والخليج إلى الفاو، ثم تنقل حمولتها براً عبر العراق إلى تركيا وأوروبا، بدلاً من مواصلة الإبحار عبر البحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط.

وبهذا المسار، كان العراق يطمح إلى استعادة موقعه التاريخي ممراً بين الشرق والغرب، والحصول على عوائد من المناولة والتخزين والنقل والتأمين والخدمات اللوجستية.

غير أن نجاح هذه الخطة كان يتطلب شرطاً أساسياً، يتمثل في حماية ميناء الفاو من الممرات المنافسة، وعدم فتح خطوط تمنح الموانئ المجاورة طريقاً مباشراً إلى الأسواق العراقية أو شبكة النقل المؤدية إلى تركيا وسوريا.

هذا الشرط لم يتحقق

في عام 2023، وضع رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني حجر الأساس لمشروع الربط السككي بين البصرة وإيران عبر منفذ الشلامجة الحدودي.

وقدمت الحكومة المشروع في حينه باعتباره خطاً مخصصاً لنقل الزائرين والمسافرين، وليس البضائع، في محاولة لتهدئة المخاوف من تأثيره في ميناء الفاو والموانئ العراقية.

لكن تفاصيل التصميم الهندسي للسكة أثارت لاحقاً أسئلة بشأن الغرض الحقيقي منها.

فقد ظهر أن قدرة تحمل الخط، المعروفة فنياً باسم "الأكسل لود"، تصل إلى 25 طناً، وهي مواصفات تستخدم عادة في خطوط نقل البضائع الثقيلة، في حين تبلغ قدرة خطوط نقل الركاب في العادة نحو 14 طناً.

بالنسبة لمنتقدي المشروع، لم تكن تلك مجرد أرقام هندسية، بل دليلاً على أن الخط الذي بدأ تحت عنوان نقل الزائرين صمم منذ البداية ليستوعب قطارات الشحن أيضاً.

وقبل أيام، عاد السيناريو نفسه من بوابة أخرى.

خلال زيارة رئيس الوزراء الحالي علي فالح الزيدي إلى طهران، وقع الجانبان اتفاقاً لإنشاء خط سككي جديد عبر منفذ خسروي المقابل لمحافظة ديالى. وسرعان ما تحدث مسؤولون ونواب عن استخدام الخط لنقل الزائرين والبضائع معاً.

وهكذا، أصبح العراق أمام خطين محتملين يربطان شبكته الداخلية مباشرة بإيران، أحدهما في أقصى الجنوب قرب ميناء الفاو، والآخر في الوسط عبر ديالى.

المشروع الذي تأخر عشرين عاماً

الخبير في الحدود والنقل الدولي، اللواء المتقاعد جمال الحلبوسي، يرى أن مشروع الربط السككي عبر الشلامجة لم يكن نتيجة حاجة عراقية خالصة، بل جاء تحت تأثير ضغوط سياسية.

ويقول لوكالة شفق نيوز إن المشروع قدم في بدايته على أنه مخصص لنقل الزائرين، قبل أن يتطور إلى خط قادر على نقل البضائع، وهو تحول يضعه في منافسة مباشرة مع الحركة التجارية التي يفترض أن تمر بميناء الفاو.

وبحسب الحلبوسي، فإن خطوط الشلامجة وخسروي يمكن أن تتيح مستقبلاً نقل البضائع القادمة من موانئ إيرانية، مثل بندر عباس وميناء الإمام الخميني، وربما من ميناء غوادر الباكستاني، إلى الأراضي العراقية ومنها باتجاه سوريا ودول الشام.

وفي هذه الحالة، لن تكون السفن مضطرة إلى الوصول إلى الفاو. يمكنها تفريغ حمولتها في موانئ إيرانية، ثم إرسالها بالقطارات عبر الحدود العراقية، مستفيدة من شبكة السكك والطرق التي تمولها بغداد.

ويقول الحلبوسي إن هذا المسار قد يتحول إلى "رصاصة رحمة" لميناء الفاو إذا لم يكتمل المشروع بسرعة، ولم تعتمد الحكومة سياسات تجعل الموانئ العراقية أكثر قدرة على المنافسة.

فالموانئ، وفقاً له، لا تتنافس بالموقع الجغرافي وحده. تتنافس أيضاً برسوم المناولة والتخزين، وسرعة الإجراءات الجمركية، وجودة الخدمات اللوجستية، وكلفة النقل الداخلي.

وإذا بقيت كلفة استخدام الموانئ العراقية مرتفعة، فيما قدمت موانئ الدول المجاورة خدمات أرخص وأسرع، فإن الشركات الدولية ستختار المسار الأقل كلفة، حتى لو كان ميناء الفاو أقرب جغرافياً إلى بعض الأسواق.

ويرى الحلبوسي أن ميناء الفاو وطريق التنمية يمثلان معاً الأساس الحقيقي لتحويل العراق إلى مركز إقليمي للنقل والتجارة.

ويقوم طريق التنمية على إنشاء خط سكك حديد حديث وطريق بري يمتدان من ميناء الفاو إلى الحدود التركية، عبر مسار يبلغ طوله نحو 1200 كيلومتر داخل الأراضي العراقية.

ومن المخطط أن يمر الطريق بمحافظات البصرة وذي قار والمثنى والديوانية والنجف وكربلاء وبغداد وصلاح الدين ونينوى، قبل وصوله إلى تركيا، ومنها إلى الأسواق الأوروبية.

لكن المشروع الذي طرح للمرة الأولى قبل نحو عشرين عاماً ما زال يواجه التأخير، في ظل مشكلات إدارية واتهامات بالفساد والتلكؤ في العقود والتنفيذ.

ويقول متخصصون إن المشكلة لا تتعلق فقط بسرعة إنجاز الأرصفة البحرية أو حفر القناة الملاحية، بل بغياب منظومة متكاملة تربط الميناء بالسكك والطرق والمناطق الصناعية والمخازن والمنافذ الحدودية.

فالميناء من دون شبكة نقل حديثة لا يصبح مركزاً تجارياً، بل مجرد محطة لإنزال الحاويات.

حلم إيراني قديم عبر العراق

لم تبدأ فكرة الربط السككي مع إيران في عهد السوداني. فقد ظهرت بصورة واضحة عام 2014، خلال حكومة حيدر العبادي، عندما دفعت طهران باتجاه إنشاء خط يربط البصرة بميناء الإمام الخميني الإيراني، ثم يمتد عبر العراق إلى ميناء اللاذقية السوري.

كان المشروع جزءاً من تصور أوسع لممر بري وسككي يصل الموانئ الإيرانية بالبحر المتوسط، مستفيداً من الأراضي العراقية بوصفها الحلقة الوسطى في الطريق.

وفي حال اكتمال هذا المسار، يمكن للبضائع القادمة إلى الموانئ الإيرانية أن تنتقل عبر العراق إلى سوريا، من دون الحاجة إلى المرور بالموانئ العراقية.

ومعنى ذلك أن العراق قد يوفر الأرض والسكك والحماية والبنية التحتية، بينما تذهب إيرادات المناولة البحرية إلى موانئ دولة أخرى.

وفي الجنوب، تسعى الكويت أيضاً إلى ربط شبكة السكك العراقية بميناء مبارك الكبير، وهو المشروع الذي يثير المخاوف ذاتها.

فإذا أصبحت البصرة مرتبطة مباشرة بميناء مبارك، يمكن للبضائع أن تفرغ في الكويت ثم تدخل العراق بالقطارات، بدلاً من التوجه إلى الفاو أو أم قصر.

وهكذا، يجد العراق نفسه ممولاً لممرات تخدم موانئ إيرانية وكويتية، بينما لا يزال ميناؤه الأكبر ينتظر اكتمال الطرق والخطوط التي تمنحه الجدوى الاقتصادية.

الخبير في النقل الدولي زياد الهاشمي يرى أن أي ربط سككي مع دول الجوار يمكن أن يؤثر في ميناء الفاو إذا لم يكن جزءاً من استراتيجية عراقية شاملة.

ويقول لوكالة شفق نيوز إن شركات الشحن ستختار الموانئ التي تمنحها أفضل خدمة وأقل كلفة، وإذا وجدت خطوطاً مباشرة تنقل البضائع من الموانئ الإيرانية أو الكويتية إلى العراق، فقد تتراجع الحاجة إلى تفريغ السفن في الموانئ العراقية.

ويضيف أن ذلك سيضعف حجم المناولة ويقلل النشاط التجاري المرتبط بالموانئ المحلية، من التخزين إلى النقل والتأمين والخدمات البحرية.

ويرى الهاشمي أن الأولوية يجب أن تكون لإنشاء خطوط ملاحية مباشرة إلى الموانئ العراقية، وربط الفاو وأم قصر بشبكة النقل الداخلية، سواء بالسكك الحديدية أو الشاحنات.

لكن الهاشمي يشير أيضاً إلى أن تحويل الخط الإيراني العراقي إلى ممر تجاري دولي ليس أمراً محسوماً، بسبب ضعف ارتباط بعض الموانئ الإيرانية بشبكة سكك فعالة ومتكاملة تصل إلى الحدود العراقية.

وهذا الضعف قد يمنح العراق وقتاً إضافياً، لكنه لا يلغي الخطر على المدى البعيد، خصوصاً إذا استكملت إيران مشاريعها الداخلية وربطت موانئها بمنافذ الشلامجة وخسروي.

أما الربط مع الكويت، فيرى الهاشمي أنه يمكن أن يجذب جزءاً من الشحنات البحرية إلى ميناء مبارك، ولاسيما إذا أصبحت الموانئ الكويتية محطة لإعادة توزيع السلع إلى العراق والمنطقة.

ويؤكد أن دراسة أي خط جديد يجب ألا تقتصر على كلفة إنشائه أو فوائده الثنائية، بل يجب أن تتضمن تأثيره في الموقع الاستراتيجي لميناء الفاو والموانئ العراقية الأخرى.

ميناء قبل السكك

وزير النقل العراقي الأسبق سلام المالكي يختصر المعضلة بالقول إن "لا قيمة استراتيجية لأي خط سككي أو طريق بري ما لم يستند إلى ميناء محوري عالمي".

ويرى المالكي أن ميناء الفاو يمثل "استحقاقاً وطنياً" يجب أن تبدأ منه أي رؤية عراقية لشبكات النقل الإقليمية، لا أن يأتي في نهاية قائمة المشاريع.

ويحذر من أن تأخر استكمال الميناء سيزيد الضغط على ميناء أم قصر، الذي لا يمتلك القدرة اللازمة لاستيعاب طموحات العراق الاقتصادية أو حجم التجارة المتوقع عبر طريق التنمية.

وبحسب المالكي، فإن الاعتماد المستمر على أم قصر، مع فتح خطوط مباشرة إلى موانئ الدول المجاورة، قد يحول العراق إلى مجرد ممر لعبور البضائع، من دون أن يحصل على القيمة الاقتصادية الحقيقية الناتجة عن عمليات الشحن والتفريغ والتخزين والتصنيع.

فالفرق كبير بين دولة تمر عبرها القطارات ودولة تتحكم في سلسلة النقل بأكملها.

الأولى تحصل على رسوم عبور محدودة، أما الثانية فتدير الموانئ والمخازن والمناطق الصناعية وشركات النقل والتأمين والخدمات المالية.

ويقول المالكي إن الهدف يجب أن يكون تحويل العراق إلى "مركز تجاري ولوجستي متكامل"، لا ساحة تعبرها بضائع الدول الأخرى.

بدورها تقدم رئيسة لجنة النقل والاتصالات النيابية زهرة البجاري رواية مختلفة بشأن خط الشلامجة.

وتقول لوكالة شفق نيوز إن المشروع صمم أساساً لدعم النقل البري وتسهيل حركة المسافرين، وإن تمويل الجزء العراقي منه جاء من موازنة وزارة النقل، بينما تولت إيران بناء الجسر وإزالة المخلفات الحربية في الجانب المرتبط بالمشروع.

وتوضح أن تأخر التنفيذ يعود إلى الشركة الإسبانية المتعاقدة على المشروع، مؤكدة أن العقد معها لم يفسخ حتى الآن.

لكن هذه التفاصيل تفتح سؤالاً أكبر بشأن الجهة التي ستستفيد اقتصادياً من الخط عند اكتماله.

فالعراق يمول السكة الواقعة داخل أراضيه، ويهيئها لاستقبال قطارات ذات حمولة ثقيلة، فيما تمتلك إيران موانئ جاهزة يمكنها إرسال بضائعها عبر هذا المسار.

وبينما تستمر الحكومات العراقية في التأكيد أن الربط مع دول الجوار سيعزز التجارة والتكامل الإقليمي، يقول منتقدون إن التكامل لا يكون متوازناً عندما تملك دولة الميناء وتملك الأخرى الأرض التي تعبرها البضائع فقط.

وعلى مدى عقدين، تحدث رؤساء الحكومات العراقية عن الفاو باعتباره مشروعاً سيغير موقع البلاد على خريطة التجارة العالمية. لكن الحكومات ذاتها وقعت اتفاقات يمكن أن تمنح الموانئ المجاورة القدرة على استخدام العراق ممراً لبضائعها، مما جعلها تشكل مفارقة في المشروع الأكبر للعراق.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon