من الإدارة إلى الرئاسة.. علي الزيدي مرشح التسوية الذي يختبر حدود النظام العراقي
المكلف بتشكيل الحكومة العراقي علي الزيدي- المكتب الإعلامي
شفق نيوز- بغداد
تحليل خاص
لم يكن علي الزيدي الاسم الأكثر حضوراً في صراع رئاسة الوزراء، فهو لم يقد حملة انتخابية واسعة، ولم يظهر بوصفه زعيماً حزبياً، ولم يكن جزءاً من الجيل السياسي الذي اعتاد العراقيون رؤيته يتنقل بين البرلمان والحكومة والكتل النافذة.
لكنه، في لحظة انسداد داخل الإطار التنسيقي، صار الاسم الذي يمكن أن يمر، وأن يكون من الأصغر عمراً في إدارة الحكومات العراقية.
بعد أسابيع من المساومات بين رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي ورئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، ومع نهاية المهلة الدستورية، اختارت قوى الإطار التنسيقي رجل الأعمال الشاب علي الزيدي مرشحاً لرئاسة الحكومة المقبلة، كان الاختيار، وفق مصادر سياسية، أقل تعبيراً عن انتصار طرف على آخر، وأكثر تعبيراً عن رغبة الجميع في تجنب هزيمة مفتوحة.
الزيدي، المنحدر من قضاء الشطرة في محافظة ذي قار، يدخل المشهد من بوابة مختلفة عن معظم رؤساء الحكومات العراقيين بعد 2003. فهو ليس زعيماً حزبياً تقليدياً، بل رجل اقتصاد وإدارة ومصارف، يحمل شهادة الماجستير في العلوم المصرفية والبكالوريوس في القانون، وشغل سابقاً رئاسة مجلس إدارة مصرف الجنوب الإسلامي، كما ارتبط اسمه بالشركة الوطنية القابضة وجامعة الشعب وقناة دجلة الفضائية، فضلاً عن صلات تجارية بشركة الأويس التي تُعد من الجهات المعروفة في خطوط توريد السلة الغذائية عبر تعاقدات مع وزارة التجارة.
هذه السيرة تمنحه، لدى مؤيديه، صورة رجل الإدارة القادر على التعامل مع الدولة كمنظومة اقتصادية لا كساحة صراع حزبي فقط. لكنها تمنحه أيضاً عبئاً مبكراً، ففي العراق، لا ينفصل رأس المال عن السياسة بسهولة، ولا تمر العلاقات التجارية الواسعة بلا أسئلة حول العقود والنفوذ وشبكات المصالح.
وتزداد حساسية هذا الجانب بسبب ارتباط الزيدي السابق بمصرف الجنوب الإسلامي، وهو أحد المصارف التي شملتها إجراءات حظر التعامل بالدولار عبر البنك المركزي العراقي، ضمن حملة جاءت بعد تواصل عراقي أميركي للحد من غسل الأموال والاستخدامات غير القانونية للعملة الأميركية.
ولا توجد، بحسب المتاح علناً، معلومات تؤكد أن الزيدي نفسه مدرج شخصياً على لوائح عقوبات أميركية مباشرة، لكن صلة اسمه بمصرف طالته إجراءات مالية ستبقى نقطة تدقيق داخلية وخارجية، خصوصاً في أي حوار مقبل مع واشنطن حول ملف الدولار والمصارف والتحويلات.
كواليس التكليف
وبحسب مصدر في الإطار التنسيقي، لم يكن الزيدي وافداً طارئاً على قوائم الترشيح، فقد كان اسمه ضمن القائمة الأولى التي ضمت 29 شخصية، ومع فشل وساطات متعددة لاحتواء الخلافات، عاد اسم الزيدي بوصفه خياراً بدا غير متوقع للكثيريين.
في بغداد، هذه ليست تفصيلة إجرائية، حيث أن اختيار رئيس الوزراء ليس مجرد تسمية شخص، بل إعادة توزيع للسلطة. ومن يحصل على المنصب قد يضطر إلى التنازل عن جزء من الحقائب الوزارية، لذلك بدا الزيدي، بالنسبة إلى قوى داخل الإطار، مرشحاً مفيداً لأنه لا يحمل ثقل مشروع حزبي واضح، ولا يفرض على الأطراف الأخرى الاعتراف بانتصار خصم مباشر.
مصادر أخرى تحدثت لوكالة شفق نيوز، عن دور لرئيس السلطة القضائية فائق زيدان في تقديم الزيدي كمرشح تسوية بعد بلوغ الخلاف بين المالكي والسوداني طريقاً مسدوداً.
على الضفة السنية، جاء الترحيب سريعاً عبر قياداته البارزة، فمصدر في "البيت السياسي السني" قال إن الزيدي يرتبط بعلاقات جيدة مع محمد الحلبوسي وخميس الخنجر ومثنى السامرائي، بوصفه رجل اقتصاد واستثمار لا رجل خصومة سياسية مباشرة.
كما أضاف المصدر أن الزيدي يقيم في الأردن، وتربطه علاقات برجال سياسة ومال داخل العراق وخارجه، ولا سيما في الأردن وبريطانيا.
الترحيب لم يقتصر على القوى السنية، فقد بارك التكليف الزعيم الكوردي مسعود بارزاني، وسبقه كل من رئيس اقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، ورئيس حكومتها مسرور بارزاني، وعلى المستوى الخارجي، سارعت الأردن وبريطانيا وفرنسا وألمانيا إلى الترحيب، في إشارة إلى أن العواصم المعنية بالملف العراقي تنظر إلى الزيدي، في الأقل حتى الآن، بوصفه شخصية قابلة للتعامل وليست امتداداً صدامياً لأي محور.
وفي مقابل الترحيب السريع، بدا موقف واشنطن وطهران أكثر غموضاً حتى الآن. فالعاصمتان الأكثر تأثيراً في توازنات بغداد لم تصدرا، حتى اللحظة، موقفاً رسمياً واضحاً من تكليف الزيدي، في وقت تراقب فيه الولايات المتحدة الحكومة المقبلة من زاوية ملفات الدولار والمصارف والفصائل المسلحة، فيما تنظر إيران إلى شكل التوازن داخل البيت الشيعي ومدى قدرة المرشح الجديد على حفظ معادلة النفوذ القائمة.
كما تواصلت شفق نيوز مع مقربين من المرجعية الدينية في النجف لاستطلاع موقفها من التكليف، غير أنهم امتنعوا عن التصريح في هذه المرحلة، وهو موقف ينسجم مع نهج معروف للمرجعية في تجنب التعليق المباشر على الأسماء قبل اتضاح مسار تشكيل الحكومة.
وبالتوازي، تواردت معلومات إلى شفق نيوز تفيد بأن بعض الفصائل والتيارات الإسلامية داخل البيئة الشيعية لا تزال تبدي تحفظات على التكليف، سواء بسبب خلفية الزيدي الاقتصادية والمصرفية، أو بسبب خشيتها من أن يكون اختياره جزءاً من تسوية أوسع تعيد توزيع النفوذ داخل الحكومة المقبلة.
لكن أكثر ما يلفت في شبكة علاقاته هو ما تقوله مصادر سياسية عن قربه من المكتب الخاص لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر. هذه العلاقة، إن بقيت ضمن حدود القبول الشخصي، قد تمنحه ميزة نادرة في لحظة يغيب فيها التيار الصدري عن البرلمان لكنه لا يغيب عن الشارع.
غير أن مقربين من التيار يحرصون عادة على الفصل بين العلاقات الشخصية والموقف السياسي الرسمي، ما يعني أن أي رهان على غطاء صدري مباشر سيكون مبالغاً فيه ما لم يصدر موقف واضح من زعيم التيار نفسه.
وهنا تكمن إحدى مفارقات الزيدي. فالرجل الذي تصفه مصادر خاصة لوكالة شفق نيوز، بأنه صديق الجميع، قد يجد أن هذه الصفة لا تكفي لحكم العراق، حيث أن القبول الواسع يساعد على التكليف، لكنه لا يضمن تشكيل الحكومة، كما أن العلاقات المتعددة تفتح الأبواب، لكنها قد تتحول سريعاً إلى قيود إذا طالب كل طرف بحصته داخل الكابينة، وهو ما توقعته المصادر، أن يواجه الزيدي عقبات في طريق تكوين كابينته الوزارية.
في أول بيان له، تحدث الزيدي عن مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وتقييم المخاطر، واغتنام الفرص، وقال إن إمكانات العراق الاقتصادية تسمح بإدارة دولة متمكنة.
كانت اللغة أقرب إلى خطاب رجل إدارة منها إلى خطاب رجل صراع، لكنها ستُختبر قريباً في ملفات لا تُدار بالأرقام وحدها، فالحكومة المقبلة ستواجه ضغطاً أميركياً متصاعداً بشأن الفصائل المسلحة والسلاح خارج الدولة، وعلاقة شديدة الحساسية مع إيران، وتداعيات الحرب الإقليمية على الاقتصاد والأمن، فضلاً عن ملف الدولار والمصارف والفساد والخدمات. كما ستواجه سؤالاً داخلياً أكثر تعقيداً يتعلق بقدرتها على البقاء بين القوى الشيعية نفسها، بعدما أظهرت معركة الترشيح أن الإطار التنسيقي لم يعد كتلة صلبة بقدر ما هو ائتلاف مصالح متنافسة.
هكذا يجد الزيدي نفسه أمام اختبار مزدوج. عليه أولاً أن يشكل حكومة ترضي الإطار والسنة والكورد، ولا تستفز الصدريين، ولا تصطدم سريعاً بواشنطن أو طهران. وعليه ثانياً أن يجيب عن سؤال أعمق يتعلق بهويته السياسية. هل هو تكنوقراط اقتصادي جاء لإنقاذ الدولة من انسداد الأحزاب، أم رجل أعمال صعد عبر منظومة ما بعد 2003 ذاتها التي أنتجت هذا الانسداد.
في بغداد، غالباً ما يبدأ رؤساء الحكومات بتسويات واسعة، ثم تضيق عليهم التسويات نفسها. والزّيدي، إذا عبر البرلمان، لن يكون استثناءً. سيكون رئيساً شاباً في دولة تصف بالعجوز سياسياً، ورجل أعمال في نظام يبتلع رجال الأعمال حين يقتربون كثيراً من السلطة، ومرشح توافق في لحظة لا تبدو فيها التوافقات سوى هدنة قصيرة قبل اختبار أكبر.