مؤشر خطير يضرب سوق العقارات والسيارات في العراق

مؤشر خطير يضرب سوق العقارات والسيارات في العراق
2026-02-09T07:15:50+00:00

شفق نيوز- بغداد

يقف العراقيون اليوم أمام مشهد اقتصادي غير مألوف، "منازل معروضة بلا مشترين"، ومعارض سيارات تزدحم بالمتفرجين وتفتقر إلى الصفقات، وأسعار تتحرك أسرع من قدرة الناس على اللحاق بها. 

تذبذب الدولار وقفزات الذهب وتأخر الرواتب، عوامل اجتمعت لتجمّد حركة البيع والشراء في واحد من أكثر القطاعات حساسية في حياة المواطن.

وفي هذا الصدد، يقول المواطن أبو أحمد صاحب الـ 52 عاماً: "منذ أكثر من أربعة أشهر عرضتُ بيتي للبيع بسبب ظروف مادية، لكن إلى اليوم لم يأتِ أي شخص جاد للشراء".

ويضيف أن "كل من يسأل عن المنزل يتراجع عندما يسمع السعر، أو يقول ننتظر حتى تستقر أسعار الدولار"، مبيناً أن "المنزل في السابق لم يكن يبقى معروضاً لأكثر من شهر، أما اليوم فالسوق شبه متوقف".

ويعزو خبراء هذا الركود إلى تذبذب سعر صرف الدولار مقابل العملة العراقية وارتفاع أسعار الذهب، ما يجعل بيع وشراء العقارات والسيارات مقامرة غير محسوبة.

بدوره، يقول الخبير الاقتصادي مصطفى فرج، لوكالة شفق نيوز، إن "هناك علاقة طردية بين أسعار الذهب والدولار، فالذهب معدن يُسعَّر بالدولار، فإذا هبط سعر الدولار ارتفع سعر الذهب، والعكس صحيح".

ويشير إلى أن "العراق بلد ريعي ويعتمد على الاستيراد إلى حد كبير، لذا يتأثر بشكل مباشر بأسعار الدولار، خاصة في مجال السيارات التي يتم استيرادها بالدولار، ما يؤثر في عمليات الاستيراد والبيع، وينسحب ذلك على أسعار المنازل، لأن البلد يعتمد على النفط"، موضحاً أن "الدولار يتحكم بالسوق العراقي بشكل كبير".

ويتابع فرج، حديثه قائلاً إن "عمليات بيع العقارات تشهد حالياً حالة من الركود، ستستمر خلال الفترة المقبلة"، مضيفاً أن "وضع الاقتصاد العراقي صعب، لوجود نقص في السيولة المالية أدى إلى تأخير صرف رواتب موظفي الدولة".

وبحسب الخبير، فإن العديد من الناس لجأوا إلى الاستثمار بالذهب وفقاً للمعطيات الجيوسياسية الراهنة في المنطقة، لذا أصبح الطلب شديداً على شرائه، ما أسهم في ارتفاع أسعاره، إضافة إلى عدم ثقة المواطنين بالمصارف الحكومية، منوهاً إلى أن خوف المواطنين من الاحتفاظ بأموالهم في المصارف دفعهم إلى الاتجاه نحو الاستثمار بالذهب لحفظ أموالهم، خاصة أن التجار الكبار لم يتمكنوا خلال الشهرين الماضيين من تحويل أموالهم خارج العراق، فأقبلوا على شراء الذهب.

وكان مجلس محافظة بغداد قد اعتبر، في كانون الأول/ ديسمبر 2025، أن ركود سوق العقار في العاصمة يعود إلى ارتفاع مبالغ الغرامات والضرائب على المنازل المقسّمة، مشيراً إلى قرب استكمال توصيات تتضمن تخفيض غرامة تقسيم المنازل من خمسة ملايين إلى 250 أو 500 ألف دينار، فضلاً عن فرض الضريبة على المساحة المباعة فقط وليس على كامل قطعة الأرض الأصلية، في محاولة لمعالجة هذا الركود.

ركود مستمر

في المقابل، يحاول بعض خبراء الاقتصاد عزل البنك المركزي العراقي عن الركود في قطاعي السيارات والعقارات.

ويؤكد الخبير الاقتصادي صفوان قصي، لوكالة شفق نيوز، أن "سياسة البنك المركزي العراقي والمصارف الخاصة والعامة ما تزال تعمل على خلق رافعة مالية لتعزيز قدرة المشتري على شراء المنازل، مع بعض المنتجات المرتبطة بالمصارف كالسيارات".

ووفقاً لحديثه، فإن البنك المركزي وسّع دائرة الرافعة المالية، وسيكون هناك سلعة قابلة للتداول في أسواق المضاربات، مشيراً إلى أن "انخفاض أو ارتفاع أسعار الذهب لا يرتبط بسياسة البنك المركزي أو المصارف، ومن الممكن أن نشهد شراء المساكن وتخزين الديون بعيداً عن الاضطرابات في أسواق العملات أو الذهب، إذ قد يؤدي ارتفاع أسعار الذهب إلى انسحاب المضاربين من هذا السوق إلى أسواق أخرى".

ويشكو أصحاب مكاتب العقارات ومعارض السيارات من الركود والشلل الذي أصاب أعمالهم خلال الفترة الماضية.

في الاثناء، يرى رضوان الياسري، صاحب معرض سيارات في منطقة البياع، أنه يعاني مع زملائه من توقف شبه تام لعمليات بيع السيارات، مؤكداً أن ساحة البيع المباشر كانت تشهد أيام الجمع ازدحاماً شديداً، وتكون سوق السيارات في أوج نشاطها، إلا أن الأسابيع الأخيرة لم تشهد عمليات بيع وشراء إلا بشكل نادر.

ويضيف الياسري، في حديثه لوكالة شفق نيوز، أن "تراجع عمليات بيع وشراء السيارات مرتبط بعدة أسباب، منها ضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين، وارتفاع التضخم، فضلاً عن الرسوم الجمركية العالية المفروضة على استيراد السيارات، وحظر استيراد السيارات غير المطابقة للمواصفات، إضافة إلى تذبذب أسعار صرف الدولار"، لافتاً إلى أن "جميع هذه الأسباب أدت إلى ارتفاع أسعار السيارات، وجعلت المواطنين يترددون في الإقدام على بيعها أو شرائها".

وينوه إلى أن "المواطنين لم يعودوا يشترون السيارات الجديدة كما في السابق، إذ انخفضت نسبة بيعها إلى مستويات تقترب من الصفر، واتجه المستهلكون إلى شراء السيارات المستعملة".

أما أصحاب محال بيع وشراء وتأجير العقارات، فلهم معاناتهم الخاصة، حيث يقول عبد الحسن كاظم، صاحب مكتب عقار في حي الجهاد، إن "آخر عملية بيع منزل عبر مكتبه تمت قبل أكثر من شهرين".

ويتحدث كاظم، لوكالة شفق نيوز، أن "نشاطه حالياً يقتصر على تأجير البيوت وتنظيم عقود الإيجار"، مبيناً أن "تذبذب أسعار صرف الدولار وضعف القدرة الشرائية وراء ركود مختلف القطاعات في الوقت الحاضر".

انكماش الاقتصاد العراقي

ووفق معنيين، فإن الركود الحالي في عمليات البيع والشراء في قطاعي العقارات والسيارات ليس حدثاً عابراً، بل قد يكون مؤشراً بعيد المدى على تراجع الاقتصاد المحلي.

ويوضح خالد الجابري، رئيس مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي، لوكالة شفق نيوز، أن "ما يشهده الاقتصاد اليوم ليس تباطؤاً عابراً، بل انكماشاً فعلياً في الطلب، ناتجاً عن تآكل القدرة الشرائية للمواطن بفعل تأخير الرواتب، وارتفاع الرسوم الكمركية، وتيبّس السيولة في الأسواق".

ويلفت إلى أن "هذا الواقع دفع الأسر إلى نمط إنفاق شديد التحفظ، انعكس على مختلف القطاعات، وفي مقدمتها العقار ومواد البناء، حيث نرى جموداً واسعاً في حركة البيع والشراء، ليس بسبب انهيار القيمة، بل بسبب غياب المشتري القادر".

ويبين الجابري، أن "السيارات، بوصفها أصولاً استهلاكية، تأثرت سريعاً وبشكل مباشر، لأنها لا تمثل ملاذاً ادخارياً، بل إنفاقاً مؤجلاً عند أول صدمة دخل، أما العقار، فرغم احتفاظه بالقيمة الاسمية، فقد دخل مرحلة الشلل التداولي، حيث تتصلب الأسعار وتختفي الصفقات".

كما يؤكد أن "جزءاً من المجتمع اتجه إلى الذهب بوصفه ملاذاً آمناً، إلا أن هذه الظاهرة تحمل مفارقة خطيرة، إذ إن الادخار بالذهب لم يعد خياراً متاحاً للجميع، بل انحصر بذوي الدخول المرتفعة أو أصحاب المدخرات السابقة، وهي شريحة محدودة لا تمثل الطلب الكلي في الاقتصاد".

ويضيف أن "شريحة العرسان الجدد، وهي من أهم محركات الطلب على الذهب والسكن والأثاث ومواد البناء، اصطدمت بأسعار لا تنسجم مع مستويات دخولها الحالية، ما أفرز آثاراً اجتماعية واقتصادية مضاعفة، تمثلت بتأجيل الزواج أو تقليص متطلباته، وانكماش سلسلة كاملة من الأسواق المرتبطة به".

بينما يستطرد قائلاً إن "الذهب يتحول من أداة لحفظ القيمة إلى عامل ضغط غير مباشر يعمّق الركود، لأن ارتفاعه لم يعد انعكاساً لطلب صحي، بل هروباً دفاعياً محدود النطاق، فيما بقيت الكتلة الأكبر من المجتمع خارج دائرة الادخار والاستهلاك الطبيعي".

ويختتم حديثه بالقول إن "المشكلة لا تكمن في نقص الأموال داخل النظام، بل في انسداد قنوات انتقال السيولة إلى الطلب الفعلي، ما يستدعي دوراً أكثر فاعلية للبنك المركزي العراقي، ليس عبر ضخ سيولة عشوائية، بل باستخدام أدوات مالية موجهة تكسر الجمود من دون توليد صدمة تضخمية"، محذراً من أن "تعطّل الزواج، وتيبس العقار، وتآكل الطبقة المتوسطة ليست ظواهر اجتماعية فحسب، بل مؤشرات اقتصادية خطيرة، وإن لم تُعالج بأدوات دقيقة، فقد تتحول إلى ركود مزمن".

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon