"غزال مولان".. هل قتلتها "المسيّرة" أم خذلتها "البيروقراطية والسياسة" في السليمانية؟
صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي لـ"غزال مولان"
شفق نيوز - السليمانية / أربيل
لم تكن وفاة المقاتلة الكوردية الإيرانية "غزال مولان" حدثاً عابراً في سجل الحوادث اليومية، بل تحولت إلى قضية رأي عام في إقليم كوردستان، بعدما تداخلت فيها روايات الطب مع ظلال السياسة، وبرزت فيها تساؤلات "ثقيلة" حول حياد المؤسسات الصحية وحدود مسؤوليتها في لحظات الطوارئ.
من هي "مولان"؟
غزال، الشابة الكوردية التي تنحدر من مدينة بوكان وكانت تقيم في مهاباد، انخرطت مبكراً في العمل السياسي والمسلح، قبل أن تنضم في أواخر عام 2025 إلى صفوف بيشمركة "كومله" لكادحي كوردستان الحزب المعارض للنظام في طهران.
وبحسب ما أفاد به أحد قياديي الحزب في تصريح خاص لمراسل وكالة شفق نيوز، بأنها أمضت نحو عامين في صفوف البيشمركة، وكانت متزوجة وناشطة مهتمة بحقوق النساء، ما جعلها تمثل نموذجاً لنساء كورديات اخترن طريق النضال.
و في 14 نيسان 2026، تغيّر مسار حياتها بشكل "مفاجئ"، عندما استهدف هجوم بطائرة مسيّرة إيرانية مخيم "سورداش" الذي يضم اعضاء الحزب عند حدود محافظة السليمانية.
رحلة الموت
ويؤكد القيادي ذاته والذي فضل عدم الكشف عن نفسه في تصريحه لوكالة شفق نيوز أن "غزال" أُصيبت بجروح بالغة، ونُقلت إلى مستشفى "شورش" حيث تلقت إسعافات أولية، قبل أن يتم تحويلها إلى مستشفى "بخشين" بسبب عدم توفر الإمكانيات اللازمة، ولا سيما في قسم العناية المركزة، غير أن التحويل لم يُفضِ إلى العلاج المنتظر، إلا أن المستشفى الأخير رفض استقبالها بحجة عدم وجود كتاب رسمي من الجهات الأمنية، رغم أنها كانت محولة من مستشفى حكومي تابع لقوات البيشمركة التابعة لإقليم كوردستان.
واعتبر القيادي ذلك الرفض أدى إلى "تدهور" حالتها الصحية ووفاتها بعد وقت قصير، مشيراً إلى أن دوافع أخرى، "ربما ذات طابع سياسي أو فكري، لا يمكن استبعادها"، حسب زعمه.
رد مستشفيين
في المقابل، قدّم كاروان علي، ممثل مستشفى "بخشين"، رواية مختلفة حيث أكد أن المستشفى ملتزم بتعليمات مديرية صحة السليمانية التي تشترط وجود كتاب رسمي من الشرطة لاستقبال الحالات، مضيفاً أن المستشفى لا يضم قسماً للعناية المركزة، وإنما يحتوي على قسم الباطنية فقط، ما يحدّ من قدرته على التعامل مع الحالات الحرجة.
بالمقابل نفى "هلگورد جلال"، ممثل مستشفى "آسيا"، أي علاقة للمستشفى بالقضية، مؤكداً أن حالة غزال لم تُحوّل إليهم أساساً، وأن إدراج اسم المستشفى في هذا الملف أمر مرفوض، مشدداً على أن الأولوية في مثل هذه الحالات يجب أن تكون لإنقاذ حياة المريض.
رواية الصحة الكوردستانية
وفي خضم هذه الروايات، شدد الدكتور إسماعيل، الإعلامي في القطاع الصحي في السليمانية، على أن أول ما يتعلمه الطبيب هو القسم الطبي القائم على الإنسانية وحفظ حياة المريض، مؤكداً أن أي تقصير، مهما كان، يجب أن يُحال إلى الجهات المختصة لضمان عدم تكراره.
وزارة الصحة في حكومة إقليم كوردستان دخلت بدورها على خط الأزمة، مؤكدة في بيان أن المؤسسات الصحية ملزمة بإنقاذ حياة المرضى دون أي اعتبار سياسي، ومعلنة تشكيل لجنة تحقيق رسمية استناداً إلى قانون حقوق المرضى رقم (4) لسنة 2020 وتعليمات التحقيق رقم (16) لسنة 2022، لكشف ملابسات الحادث ومحاسبة المقصرين.
البعد القانوني والدولي
وعلى المستوى القانوني، تتقاطع هذه القضية مع مبادئ راسخة في القانون الدولي الإنساني، إذ تنص اتفاقيات "جنيف" على وجوب علاج الجرحى دون تمييز، فيما يؤكد مختصون أن رفض استقبال مصاب في حالة طارئة يُعد انتهاكاً لحق الحياة ولمبدأ الحياد الطبي، وقد يرقى في بعض الحالات إلى مستوى الفعل الجنائي.
هذا الطرح عززه عدد من الحقوقيين، حيث قالت المحامية ريزان دلير في تصريح للوكالة، إن المسؤولية تقع على عاتق الجهات المعنية لكشف الحقيقة، مؤكدة أن المحامين سيتابعون القضية لتحديد واجبات المستشفيات في الحالات الطارئة.
فيما اعتبر رحمان غريب، منسق مركز "ميترو"، أن ما حدث يمثل انتهاكاً لمبادئ العمل الطبي، ولا ينسجم مع صورة الإقليم كمكان مفتوح للاجئين.
رؤية أكاديمية
وفي قراءة أوسع، ربطت التدريسية جامعة السليمانية تانيا طاهر القضية بسياق تاريخي واجتماعي، حيث قالت في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن قتل النساء في النضال الكوردي ليس أمراً جديداً، لكنها وصفت سلوك بعض المؤسسات الصحية بأنه غريب عن ثقافة السليمانية، مؤكدة أن من هم في شرق كردستان "على أرضهم ولا ينبغي التعامل معهم كضيوف"، محذرة من تسييس القضية أو استخدامها في تصفية حسابات داخلية.
كما نددت منظمة "شمس الأمة الكوردية" وعلى لسان الناشط شهباز صديق، في تصريح لمراسلنا "بشدة الاعتداءات" التي تستهدف الأراضي الكوردية، معتبراً أن ما جرى في التعامل مع حالة غزال يثير تساؤلات جدية، خصوصاً مع الإشارة إلى خلفيات سياسية محتملة لبعض الجهات.
لم تتوقف التداعيات
القضية عند حدود المؤسسات الصحية، بل امتدت إلى ما بعد الوفاة، إذ كشف القيادي في "كومله"، أن بعض المساجد امتنعت عن استقبال جثمان غزال لإجراء مراسم الجنازة، بذريعة عدم جواز غسل المرأة داخل المسجد، مشيراً إلى أنه كان بالإمكان اللجوء إلى بدائل، كإتمام الغسل في منزل خاص، إلا أن ذلك لم يحدث.
وفي هذا السياق، عبّر الداعية الإسلامي والكاتب الكوردي إدريس كاریتانی عن استيائه، قائلاً في تصريح خاص لوكالة شفق نيوز إن ما حدث يمثل ابتعاداً عن القيم الدينية والإنسانية، مستشهداً بمواقف من السيرة النبوية تؤكد تكريم الإنسان بغض النظر عن هويته، ومعتبراً أن الحادثة ستبقى "وصمة عار يصعب محوها".
موقف انساني
أما السياسي الكوردي سردار عبد الله الذي باشر مراسم دفن "غزال" بنفسه وصفها بأنها مثل ابنته، معتبراً أن ذلك واجباً أخلاقياً وقومياً، بعد أن لم تحصل على ما يحصل عليه أي "شهيد" آخر. وأضاف أن اشتراط وجود كتاب من الشرطة لعلاج جريح حرب "عذر غير مقبول"، مشدداً على أن جرحى الحروب يُعالجون في كل مكان دون قيود، بغض النظر عن انتماءاتهم.
وسط هذه المواقف المتباينة، تتشكل صورة معقدة لقضية واحدة: شابة أُصيبت في هجوم عسكري، لكنها لم تتلقَّ العلاج في الوقت المناسب، ثم واجهت تعقيدات حتى بعد وفاتها.