صمت ظاهري لمرجعية النجف إزاء سوريا.. متى ينفتح أتباع السيستاني على الشرع؟

شفق نيوز/ رصد موقع "أمواج" البريطاني، وجود "صمت" ظاهري من جانب المؤسسة الدينية الشيعية في العراق، برغم التأثيرات التي خلفها سقوط النظام السوري السابق على الطبقة السياسية في العراق، مضيفاً أنه برغم ذلك فإن اتباع المرجع الديني علي السيستاني منخرطون بعمق في هذه القضية، وقد تبنوا نهج "الانتظار والترقب" وسط التسارع الكبير في وتيرة الأحداث.
وذكر التقرير البريطاني الذي ترجمته وكالة شفق نيوز، أنه بغض النظر عن العوامل التي تحفز الصمت الظاهري الذي تنتهجه المؤسسة الدينية الشيعية، فإنه قد تكون له عواقب سياسية نظراً للخلافات العميقة حول سوريا داخل الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم، مشيراً إلى أنه لهذا السبب تحديداً، فإن السلطة الدينية العليا في النجف، المعروفة بالمرجعية، تسعى إلى الحفاظ على مظهر الحياد السياسي على الأقل، الا أنه قد يكون من الصعب في نهاية الأمر البقاء على هذا الموقف، خصوصاً وأن الأماكن الشيعية المقدسة في سوريا قد تتعرض للتهديد.
ونقل التقرير عن رئيس مركز "النبأ" للدراسات الاستراتيجية في العراق، هاشم الكندي، حول المزاعم المتعلقة بعدم مبالاة النجف بما يجري، وعدم وجود تعليق علني من المرجع السيستاني، قوله إن هذا يمثل "موقفاً في حد ذاته".
وفي إشارة إلى تصريحات الرئيس المؤقت لسوريا، أحمد الشرع، بأن العراق "ليس لديه ما يخشاه" من الحكم السني، قال الكندي ما نقل عنه الموقع البريطاني، إن "السلطة الدينية ستُقيّم ما إذا كانت أفعاله تتوافق مع أقواله"، مشيراً بذلك إلى الشرع الذي كان منضماً إلى تنظيم القاعدة في العراق وأسس لاحقًا الفرع السوري للمنظمة المسلحة من خلال جبهة النصرة، ثم "هيئة تحرير الشام" التي سيطرت على دمشق في كانون الاول/ديسمبر الماضي.
ونقل التقرير عن مصادر مقربة من "آية الله محمد تقي المدرسي"، الذي يعتبر أحد أكثر علماء الدين الشيعة نفوذًا، قولها إن المدرسي يتشارك مع السيستاني في موقفه. وبحسب رجل الدين الاستاذ في الحوزة العلمية في النجف، عبد الحسن الفراتي، فإن آية الله المدرسي "يدعم حق الشعب السوري... في اختيار نظام الحكم الذي يناسبه"، مؤكدًا أن هذا ينبغي أن يتم من خلال "انتخابات حرة ونزيهة".
وبحسب الفراتي، فإن المدرسي يدعو إلى احترام التركيبة الدينية المتنوعة في سوريا، ويؤكد رفضه للثقافة "التكفيرية"، وذلك في إشارة على ما يبدو إلى ارتباط الشرع سابقاً بتنظيم القاعدة وتنظيم داعش.
ونقل التقرير عن الفراتي دعوته إلى قادة "هيئة تحرير الشام"، من أجل "طمأنة العراقيين والمنطقة والمجتمع الدولي" من خلال الإجراءات التي "تثبت التزامهم ببناء دولة مدنية تحترم الحقوق والحريات المدنية".
ولفت التقرير، إلى أن هذه المعطيات تشير إلى أن تدخلًا أكثر قوة وعلنية من جانب المؤسسة الدينية الشيعية في العراق ربما يكون في طور النشوء، وإن كان يرافقه الكثير من الحذر.
واعتبر التقرير، أن استراتيجية المرجعية الظاهرية المتمثلة في عدم التدخل السياسي تتناقض بشكل واضح مع الجماعات العراقية المسلحة المدعومة من إيران، والتي لطالما عرّفت نفسها كمدافعة صريحة عن المسلمين الشيعة في المنطقة، مضيفاً أن تدخل هذه الجماعات في العام 2012 وسط اندلاع الصراع الأهلي في سوريا، إلى جانب حزب الله اللبناني، عزز حكم الأسد المحاصر، مشيراً إلى أن من بين الأجزاء المهمة في هذا السياق، أن الحكومة السورية في ذلك الوقت كانت مهددة من قبل الجماعات المسلحة التي سرعان ما اتخذت طابعًا إسلاميًا سنيًا.
وتابع التقرير، أنه باعتباره دفاعًا مقدسًا عن المسلمين الشيعة، كان دخول جماعات "المقاومة" إلى سوريا بمثابة مغامرة عسكرية بقدر ما كان مغامرة روحية، حيث وصف هؤلاء بأنهم من "المدافعين عن الضريح" في دمشق، وهو الموضوع الذي حرك الثقافة السياسية لبعض الجماعات المسلحة الشيعية العراقية في السنوات التي تلت ذلك، ووفر مبررًا جوهريًا لوجودهم في سوريا.
ولفت التقرير، إلى أن بعض المراقبين يرون أن الجماعات المدعومة من إيران استغلت السلطة التي اكتسبتها من فتوى السيستاني الدينية لتبرير تدخلها في سوريا، مضيفاً أن هذه الدينامية، والتأثير الكبير الذي تتمتع به قوات الحشد الشعبي على الشؤون السياسية العراقية، أثارت على مر السنين انتقادات متكررة من المرجعية.
وأضاف، أنه مع انهيار حكم الأسد بسبب هجوم قادة "هيئة تحرير الشام"، هددت الجماعات المسلحة الشيعية العراقية بالتدخل، وعادت فكرة "الدفاع عن الأضرحة" إلى الظهور مرة أخرى، بما في ذلك ظهور زعيم عصائب أهل الحق، قيس الخزعلي، وهو يبكي على ما يبدو، وهو يعلن أن الأماكن المقدسة الشيعية في سوريا يجب "حمايتها" ضد أي تهديدات.
وتابع قائلاً، أن هذه التحذيرات لم تتحقق في مواجهة السيناريو الأسوأ الذي قد تواجهه الجماعات المسلحة الشيعية العراقية، وربما يرجع هذا إلى التزام الإدارة السورية الجديدة بتعهدها بحماية المقدسات الشيعية، في حين انخرطت الحكومة العراقية مع الشرع وهيئة تحرير الشام، الأمر الذي وضع حلفاء إيران والمسلحين في العراق في موقف صعب.
وقال التقرير، إنه برغم أن حماية المقامات الدينية في سوريا لم تحظ باهتمام كبير من النجف، إلا أن عبد المنعم الحيدري، وهو مراقب عن كثب لشؤون الحوزة الدينية، يشير إلى أن المؤسسة الدينية الشيعية في الواقع تشعر بقلق عميق بشأن مصير المقامات الدينية. ونقل التقرير عن الحيدري قوله إن موضوع سوريا يثير "قلقًا وترقبًا" ملحوظين في قاعات ومكاتب الحوزة الدينية في النجف.
وبحسب الحيدري، كما نقل عنه التقرير، فإن السلطات الدينية الشيعية تستغل علاقاتها الإقليمية والدولية في السر، وبعيدًا عن الأضواء الإعلامية، للحفاظ على أمن الأماكن المقدسة السورية، مؤكداً أنه في حين تحترم المرجعية الشؤون الداخلية للدول الأخرى، إلا أنه من غير المرجح أن تتجنب إصدار مواقف علنية ضد أي تهديد للأقلية الشيعية أو الأماكن الدينية في سوريا.
ورأى التقرير، أن هذا الرفض المشروط للتدخل يشير في كثير من النواحي إلى المدرسة الفكرية "الهادئة" التي يقال إن السيستاني واتباعه يؤيدونها، مضيفاً أن هذا التقليد انتهجه سلف السيستاني ومرشده "آية الله العظمى" أبو القاسم الخوئي (1899-1992)، الذي قاد المرجعية في ظل حكم حزب البعث في العراق.
وأوضح التقرير، أنه بالنظر إلى القمع الذي مارسه حزب البعث العراقي ضد المعارضة الدينية الشيعية والتنظيم السياسي، فقد كان بقاء الخوئي يعتمد على موقف علني غير سياسي وهو موقف يتناقض تناقضًا حادًا مع مشاريع المواجهة التي تبنتها الشخصيات الدينية الشيعية الناشطة، مذكراً بأنه جرى اغتيال كل من آية الله محمد باقر الصدر (1935-1980) وآية الله محمد محمد صادق الصدر (1943-1999) في ذروة شعبيتهما، على أيدي أجهزة الأمن التابعة لحزب البعث على الأرجح.
ونقل التقرير، عن مراقبين سياسيين قولهم إن هذا التمييز بين المدارس "الهادئة" سياسيًا والمدارس "التدخلية" يحرك المناقشات الداخلية داخل ثقافة الحوزة المتنوعة في النجف، مضيفاً أن هذه الانقسامات تتأثر أيضًا باللقاءات مع هيكل السلطة الدينية الشيعية المتميز في إيران، والذي يصفه البعض بالمُنافس. ويبقى أنه محليًا، وهناك البعد الإضافي المتمثل في الزعامة البديلة لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، نجل آية الله صادق الصدر.
وذكر التقرير، أن انخراط زعيم التيار الصدري في الواقع السوري الجديد يظل بمثابة ورقة رابحة، موضحاً أنه في ظاهر الأمر، لا يمكن تمييز موقفه العام عن المواقف التي تتبناها شخصيات دينية شيعية بارزة أخرى في الخفاء، مذكراً كمثال أنه في اليوم نفسه الذي انهار فيه حكم الأسد، دعا الصدر إلى "تشكيل حكومة ديمقراطية شاملة في سوريا من خلال حوار وطني يضم جميع المكونات (العرقية والدينية) في سوريا".
وبحسب التقرير، فأنه من خلال اتخاذ موقف مدروس على ما يبدو، ربما يكون الصدر يفكر في أكثر من مجرد العلاقات الثنائية مع جار العراق الغربي. ونقل التقرير عن مراقبين قولهم إن الصدر كان يطمح منذ فترة طويلة إلى السلطة الدينية التي يتمتع بها السيستاني كرئيس للمرجعية، وهو المنصب الذي كان والده ينافسه عليه بعد وفاة آية الله العظمى الخوئي في عام 1992.
وتابع التقرير، أن الصدر بعدما تبنى قاعدة الدعم الاجتماعي التي اكتسبها والده من خلال الحركة الصدرية، من المرجح أن يهدف إلى استقطاب الناخبين من الإطار التنسيقي الشيعي في الوقت الذي يستعد فيه العراق للانتخابات البرلمانية المقررة في وقت لاحق من هذا العام.
وأوضح التقرير، أنه بالإمكان النظر إلى موقف الصدر باعتباره متعدد الأوجه، حيث إنه على الرغم من أنه يعكس "الهدوء" السياسي الذي تتسم به النجف، فإن رجل الدين والسياسي الشيعي قد يهدف إلى تبني الرؤية السياسية العميقة لوالده الراحل فيما يتصل بالنشاط الديني، وخاصة في السنوات الأخيرة المتبقية للسيستاني البالغ من العمر 94 عامًا.
وختم التقرير، بالقول إنه يبدو أن الإدارة السُنية الجديدة في دمشق تدرك تمام الإدراك أن العلاقات الودية مع المؤسسة السياسية والدينية الشيعية في العراق تعتمد، جزئيًا على الأقل، على استتباب الأمن في المقامات الشيعية في سوريا. وذكر التقرير في هذا السياق، بأن وكالة الأنباء السورية الرسمية أشارت في يناير/كانون الثاني الماضي إلى أن إحباط محاولة لشن هجوم من قِبَل داعش على أهم موقع للزيارات الدينية الشيعية في البلاد، مضيفاً أنه في اليوم التالي، سهّل مسؤولون من "هيئة تحرير الشام" وسط ضجة كبيرة زيارة حظيت بتغطية إعلامية واسعة من قِبَل زوار سوريين إلى نفس الموقع. وتابع قائلاً إنه من المرجح أن تلقى مثل هذه الإشارات استحسانًا في النجف، حتى وإن كانت ستؤدي بالتأكيد إلى إحباط صقور حلفاء إيران في العراق.
ترجمة: وكالة شفق نيوز