جفاف وإهدار الموارد.. كيف يواجه العراق أزمة غذائه؟

جفاف وإهدار الموارد.. كيف يواجه العراق أزمة غذائه؟
2026-02-02T20:46:28+00:00

شفق نيوز- بغداد/ النجف

في ظل أزمة مائية تُعدّ من الأصعب في تاريخ العراق الحديث، فرض شحّ الإيرادات المائية وتراجع مناسيب نهري دجلة والفرات واقعاً جديداً على القطاع الزراعي، انعكس مباشرة على الخطط الزراعية للموسم الشتوي الحالي 2025–2026، وسط تحذيرات من تداعيات اقتصادية واجتماعية وبيئية واسعة.

وتواجه البلاد تحديات متراكمة ناجمة عن التغيرات المناخية، وانخفاض الإطلاقات المائية من دول المنبع، ولا سيما تركيا، إلى جانب تراجع معدلات الأمطار، ما دفع الحكومة إلى إعادة رسم سياساتها الزراعية، والاتجاه نحو تقليص المساحات المزروعة وفرض أنماط ري حديثة بوصفها خياراً "اضطرارياً" للحفاظ على ما تبقى من الموارد المائية وضمان استدامة الإنتاج.

خطة مرحلية

ويوضح وكيل وزارة الزراعة، مهدي سهر الجبوري، أن "خطة الاستزراع الشتوي للموسم الزراعي 2025–2026 أُقرت على مرحلتين، بسبب قلة الإيرادات المائية والخزين المائي في العراق، إضافة إلى انخفاض واردات نهري دجلة والفرات نتيجة السياسات المائية التركية".

ويبيّن الجبوري لوكالة شفق نيوز أن المرحلة الأولى شملت إقرار زراعة مساحة 3.5 مليون دونم في الأراضي الصحراوية، باستخدام منظومات الري الحديثة بالاعتماد على مياه الآبار الجوفية، بهدف ترشيد استخدام المياه وزيادة الإنتاجية واستدامة الري في تلك المناطق.

ويضيف أن المرحلة الثانية تضمنت إقرار زراعة مليون دونم في المناطق المروية، باستخدام منظومات الري الحديثة أيضاً، إلا أن قلة عدد المزارعين الذين يمتلكون هذه المنظومات دفعت الوزارة إلى استثنائهم هذا الموسم، والسماح باستخدام طرق الري السيحي بشكل مؤقت، "على أن تكون خطط الاستزراع الصيفية والشتوية في المواسم المقبلة معتمدة بالكامل على تقنيات الري الحديثة".

ويشير الجبوري إلى أن الوزارة تتجه لاعتماد الري بالتنقيط لمحاصيل الخضر، والمرشات الثابتة للمحاصيل العلفية والذرة الصفراء، فضلاً عن استخدام المرشات الثابتة والمحورية في زراعة محاصيل الحنطة والشعير وحتى الرز (الشلب).

تجارب ناجحة

ويكشف وكيل الوزارة عن نجاح تجربة حديثة في زراعة الشلب بمحطة بحوث المشخاب، باستخدام طريقة "الأطباق والشتلات"، إذ أدت هذه التقنية إلى تقليل عدد الريات بأكثر من أربع ريات، إضافة إلى تقليص مدة الموسم الزراعي، بعدما كانت الزراعة تبدأ في شهري أيار/ مايو أو حزيران/ يونيو، لتصبح في نهاية تموز/ يوليو أو بداية آب/ أغسطس.

ويؤكد أن "التحول نحو الري الحقلي الحديث أسهم في زيادة غلة الإنتاج لمختلف المحاصيل الزراعية، سواء الخضر أو المحاصيل العلفية أو المحاصيل الاستراتيجية مثل الحنطة والشعير والرز والذرة الصفراء".

ويلفت إلى أن القطاع الزراعي يستهلك أكثر من 70% من المياه الواردة إلى العراق، مقابل 30% للاستخدامات المنزلية والصناعية، مشدداً على أن أي ترشيد في هذا القطاع سينعكس إيجاباً على باقي القطاعات، ويعزز القدرة على استدامة الإنتاج الزراعي.

تقليص ودعم

من جانبه، يؤكد مستشار وزارة الزراعة، مهدي ضمد القيسي، أن العراق يعاني من شحّ كبير في إيراداته المائية، بسبب قلة الإطلاقات من دول الجوار، ولا سيما تركيا، "كون أغلب الإيرادات المائية العراقية تعتمد على نهري دجلة والفرات".

ويقول القيسي لوكالة شفق نيوز إن هذا الواقع دفع وزارتي الزراعة والموارد المائية إلى تقليص الخطة الزراعية الشتوية، موضحاً أن أغلب المساحات المقررة، والبالغة 3.5 مليون دونم، خُصصت لزراعة محصول الحنطة باستخدام مياه الآبار الجوفية ومنظومات الري بالرش، التي تسهم في تقليل استهلاك المياه بنسبة تتراوح بين 30 إلى 40%.

ويشير إلى أن هذه الطريقة لا توفر المياه فحسب، بل تحافظ أيضاً على نوعية التربة، من خلال تقليل التغدق وتراكم الأملاح، "وهو ما يصب في مصلحة الفلاح والمزارع على المدى الطويل".

ويبيّن أن وزارة الزراعة استوردت نحو 12 ألف منظومة ري حديثة، ووزعتها على الفلاحين بدعم حكومي بنسبة 30%، فيما يُقسط المبلغ المتبقي على مدى عشر سنوات، مع إعفاء الفلاح من الدفع في السنة الأولى، معتبراً ذلك "واحداً من أهم التسهيلات التي قدمتها الوزارة".

ويضيف أن الحكومة خصصت مليون دونم لمحافظات الوسط والجنوب، يُسمح فيها باستخدام تقنيات الري الاعتيادية (السيحي) هذا الموسم، نظراً لعدم توفر منظومات الري الحديثة لدى أغلب المزارعين هناك.

حكاية فلاح

وبعيداً عن الأرقام والخطط، يبدو الواقع مختلفاً في الحقول، ففي أطراف مدينة النجف على بعد نحو 160 كم إلى الجنوب من العاصمة بغداد، يقف الفلاح أبو حسن (55 عاماً) شاهداً على سنوات من الجفاف والتراجع، ورث أرضه عن آبائه، لكنها لم تعد كما كانت.

"الأرض عطشانة مثلنا بس منو يسمع؟"، هكذا يتحدث أبو حسن بلهجته الريفية لوكالة شفق نيوز وهو يتأمل ما تبقى من زرعه، فمياه الفرات لم تعد تصل كما في السابق والقنوات تشققت والآبار جفت، فيما ارتفعت أسعار البذور والأسمدة وتراجع الدعم الحكومي.

ورغم التعب وثقل السنين، يرفض أبو حسن ترك أرضه، متمسكاً بالأمل بأن "السنة الجاية تكون أحسن"، في صورة تختزل معاناة آلاف الفلاحين الذين يقاومون الجفاف وقسوة الظروف حفاظاً على تاريخهم وكرامتهم.

خسائر زراعية

وفي هذا السياق، يحذر الخبير الاقتصادي مصطفى الفرج من أن العراق يخسر نحو 60% من مساحاته الزراعية بسبب قلة الأمطار والتغير المناخي، وعدم حصوله على حصته المائية من تركيا وإيران.

ويشير الفرج خلال حديثه لوكالة شفق نيوز إلى أن الهجرة من الريف إلى المدينة أسهمت في تقليص الرقعة الزراعية، بعد أن كان العراق بلداً زراعياً ومصدراً للمحاصيل، لافتاً إلى أن "عدم تنظيم الاستيراد" ألحق ضرراً كبيراً بالفلاحين، خصوصاً في محاصيل مثل الطماطم والباذنجان والبطاطا.

ويؤكد الفرج أن سوء إدارة الملف الزراعي وضعف دعم الفلاحين وتأخير مستحقاتهم، جعل الزراعة لا تسهم بشكل فعّال في ميزانية الدولة، محذراً من أن استمرار هذا الواقع سيدفع المزيد من المزارعين إلى ترك أراضيهم أو تحويلها إلى مشاريع سكنية، ما يفاقم البطالة والفقر ويؤثر على ديمومة الاقتصاد العراقي.

الأمن الغذائي

بدوره، يرى الخبير الزراعي خطاب الضامن أن القطاع الزراعي يمثل حجر الأساس لأي تنمية اقتصادية حقيقية، مشدداً على أن "لا دولة تحقق رفاهاً أو نمواً اقتصادياً من دون قطاع زراعي نشط وقادر على تأمين الغذاء".

ويحذر الضامن خلال حديثه لوكالة شفق نيوز من أن تراجع إنتاجية الزراعة في العراق يهدد الأمن الغذائي، ويزيد الاعتماد على الاستيراد، وما يرافقه من مخاطر تقلب الأسعار العالمية، كما حدث خلال الحرب الأوكرانية وارتفاع أسعار القمح.

وبحسب الخبير فإن إهمال القطاع الزراعي لا ينعكس اقتصادياً فقط، بل يؤدي أيضاً إلى آثار بيئية خطيرة، مثل التصحر، فضلاً عن زيادة معدلات البطالة والفقر، خاصة في الأرياف التي يعتمد سكانها بشكل رئيسي على الزراعة وتربية المواشي وصيد الأسماك.

وخلص إلى أن تنشيط القطاع الزراعي وتحديثه من شأنه أن يحسن الأوضاع الاقتصادية، ويوفر الغذاء بأسعار أقل وجودة أفضل، ويعيد للريف العراقي دوره الحيوي في دعم الاقتصاد الوطني.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon