11 June - 19 July 2026
00 days
00 hours
00 mins
00 secs

بين ذاكرة "البرنو" وطائرات التدريب.. التشيك تعود إلى بغداد وتفتح أبوابها للعراقيين

بين ذاكرة "البرنو" وطائرات التدريب.. التشيك تعود إلى بغداد وتفتح أبوابها للعراقيين
2026-06-17T10:11:39+00:00

شفق نيوز- بغداد

عندما يتحدث السفير التشيكي في بغداد يان شناوداوف عن العراق، فإنه لا يبدأ بالنفط ولا بالتجارة، بل بقطعة سلاح قديمة ما تزال حاضرة في الذاكرة العراقية.

خلال سنوات عمله في العراق، فوجئ الدبلوماسي الأوروبي بأن اسم "برنو" لا يزال متداولاً بين العراقيين، ليس باعتباره مدينة أو شركة تشيكية، بل بوصفه اسماً لسلاح ارتبط بأجيال كاملة من العسكريين والصيادين العراقيين.

بالنسبة له، لا يمثل ذلك مجرد حنين إلى الماضي، بل دليلاً على عمق العلاقة التي ربطت البلدين لعقود طويلة، وهي علاقة تحاول براغ اليوم إعادة إحيائها عبر التجارة والاستثمار والطاقة والتعاون الدفاعي.

في مقابلة خاصة مع وكالة شفق نيوز، رسم شناوداوف صورة لعلاقات اقتصادية يرى أنها أقل بكثير من الإمكانات الحقيقية للطرفين.

ويقول إن حجم الصادرات التشيكية إلى العراق يتراوح سنوياً بين 200 و300 مليون دولار، وتشمل المكائن والمعدات الصناعية ووسائل النقل والمواد الغذائية والمنتجات الكيميائية والسلع الاستهلاكية المختلفة.

وأضاف: "نأمل أن تكون الصادرات أكبر من ذلك. لدينا شركات تشيكية قادرة على المنافسة، وأسعارها مناسبة للسوق العراقية".

لكن الجانب الآخر من الميزان التجاري يكاد يكون فارغاً.

فبحسب السفير، فإن الصادرات العراقية إلى التشيك "منخفضة جداً وتكاد تصل إلى الصفر"، وهو واقع تأمل براغ تغييره خلال السنوات المقبلة.

ورغم ذلك، يؤكد أن التشيك ليست بعيدة عن النفط العراقي.

وقال: "هذا لا يعني أننا لا نشتري النفط العراقي، في عام 2023 اشترت شركة تشيكية كميات من النفط العراقي بملايين الدولارات، لكننا ما زلنا نستورد النفط من مصادر أخرى، فيما يبقى موضوع شراء النفط العراقي قيد النقاش".

وراء هذه الأرقام قصة أقدم من التجارة الحالية، فالشركات التشيكية كانت من بين الجهات الأجنبية التي ساهمت في بناء وتطوير مصافٍ نفطية عراقية خلال العقود الماضية، كما شاركت في مشاريع المياه ومحطات الضخ والمعالجة وبناء السدود ومشاريع الكهرباء.

ويقول شناوداوف إن هذه الخبرة التاريخية تمنح البلدين قاعدة صلبة لتوسيع التعاون الاقتصادي مستقبلاً، مضيفاً أن "العلاقات التجارية بين العراق والتشيك تمتلك أسساً وتاريخاً عريقاً".

لكن السفير لا يخفي أن المستثمرين الأوروبيين ما زالوا ينظرون إلى العراق بحذر.

ففي الوقت الذي يقر فيه بأن الاقتصاد العراقي شهد تحسناً خلال السنوات الأخيرة، يؤكد أن المستثمرين لا يتخذون قراراتهم بناء على الفرص وحدها.

وقال: "المستثمر يأتي برأس المال ويوظف العاملين ويتوقع تحقيق أرباح. لكنه في الوقت نفسه يبحث عن بيئة مناسبة للاستثمار ومستوى منخفض من المجازفة".

وأضاف أن الشركات الأجنبية ترى أن الاستثمار في العراق يتطلب ضمانات إضافية، موضحاً أن بغداد "مطالبة بتوفير المزيد من التأكيدات للمستثمرين".

وتابع: "العراق يمتلك فرصاً كبيرة وجاذبة للشركات التشيكية وللمستثمرين الأجانب، لكن كثيرين ما زالوا يشعرون بعدم الارتياح بسبب بعض الأوضاع القائمة، وهذا موضوع نناقشه باستمرار مع المسؤولين العراقيين".

ويعتقد السفير أن إحدى أهم الخطوات التي يمكن أن تغير هذه النظرة تتمثل في الاتفاقيات الاقتصادية التي ما تزال قيد التفاوض بين البلدين.

فبعد زيارة رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني إلى براغ، وقع الجانبان سلسلة من مذكرات التفاهم شملت النقل الجوي المدني والتعاون بين وزارات الداخلية والطاقة والنفط والبيئة.

لكن الاتفاقيتين اللتين يترقبهما المستثمرون أكثر من غيرهما تتعلقان بتجنب الازدواج الضريبي وحماية الاستثمارات.

ويقول شناوداوف إن المفاوضات بشأنهما شهدت جولتين خلال العام الماضي، مضيفاً أن النقاشات مع الجانب العراقي كانت "إيجابية ومكثفة"، وأن بلاده تأمل التوصل إلى توقيعهما النهائي خلال العام الجاري.

ولا يقتصر الحديث على الاقتصاد وحده: "حيث تبرعت الجمهورية التشيكية بمعدات طبية لاثني عشر مستشفى عراقي على مدى العقدين الماضيين، مما ساعدها على علاج المرضى العراقيين بكفاءة عالية وجودة ممتازة"، يقول شنايدوف، لافتاً إلى أن "هذا قد أرسى أساساً لمزيد من التعاون التجاري في مجال الرعاية الصحية خلال السنوات القادمة.

كما تطرق إلى التعاون العسكري بين بغداد وبراغ، وهو ملف يمتد لعقود.

ويشير إلى أن التشيك زودت العراق سابقاً بالناقلات العسكرية الثقيلة، كما صدرت شركة "إيرو" التشيكية 12 طائرة تدريب وقتال إلى القوات الجوية العراقية قبل نحو عقد من الزمن.

وقال: "سمعت من مسؤولين في القوة الجوية العراقية أن أداء هذه الطائرات كان جيداً، وأنها قدمت خدمة مهمة للعراق".

وأضاف أن مشروع صيانة هذه الطائرات ما يزال قيد النقاش، إلى جانب مباحثات تتعلق بإمكانية تصدير الجيل الجديد منها مستقبلاً.

كما أشار إلى أن ملف صيانة المدرعات والمعدات الثقيلة التشيكية الموجودة لدى العراق ما يزال مطروحاً على طاولة البحث، مع احتمال إبرام عقود جديدة مستقبلاً.

وفي الجانب السياسي، يربط السفير بين الاقتصاد والأمن بصورة مباشرة، فمن وجهة نظره، لا يمكن الحديث عن بيئة استثمارية مستقرة من دون تعزيز سلطة الدولة.

وقال: "نحن في السفارة التشيكية، ومع زملائنا في الاتحاد الأوروبي، نرى أن حصر السلاح بيد الدولة خطوة مهمة جداً".

وأضاف أن هذه الخطوة لا تساعد فقط على استقرار العراق، بل تسهم أيضاً في تطوير علاقاته مع المجتمع الدولي وتعزيز بيئته الاقتصادية.

وأوضح أن الشركات الأجنبية تفضل العمل في بيئة لا تشعر فيها بوجود تهديدات من جهات مسلحة خارج إطار القانون، مؤكداً أن بلاده تتابع الجهود التي تبذلها الحكومة العراقية في هذا المجال وتدعمها.

وفيما يتعلق بالوضع الإقليمي، أشار شناوداوف إلى أن التوتر بين الولايات المتحدة وإيران ترك آثاراً مباشرة على العراق والمنطقة.

وقال إن بلاده تابعت تداعيات ذلك الصراع، كما تابعت التفاهمات اللاحقة بين الطرفين وما حملته من مؤشرات إيجابية على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية.

وأضاف أن العراق كان من أكثر الدول تأثراً بأي تصعيد في الخليج، ولا سيما خلال فترات التهديد التي طالت حركة الملاحة في مضيق هرمز، نظراً لاعتماد البلاد الكبير على صادرات النفط.

ورغم التحديات، يبدو السفير متفائلاً بمستقبل العلاقات الثنائية، فالتشيك، كما يقول، ترحب برجال الأعمال والوفود العراقية، وتواصل منح تأشيرات الدخول وفق قواعد شنغن الأوروبية، فيما تدرس مستقبلاً توسيع خدمات التأشيرات الاعتيادية في بغداد.

ويختتم حديثه برسالة تبدو أقرب إلى الرهان منها إلى الأمنيات: "الوضع في العراق يشهد تحسناً وتطوراً، نأمل أن نرى مزيداً من التواصل بين الشعبين، وأن يزور العراقيون التشيك ويزور التشيكيون العراق، وأن يستمر التعاون بين البلدين على مستويات أعلى خلال السنوات المقبلة".

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon