المواطن يدفع بدل الشركات.. كيف تحولت ضريبة الاتصالات خلال عقد بالعراق؟

المواطن يدفع بدل الشركات.. كيف تحولت ضريبة الاتصالات خلال عقد بالعراق؟
2026-03-14T12:05:35+00:00

شفق نيوز- بغداد

أثار قرار حكومة تصريف الأعمال العراقية برئاسة محمد شياع السوداني، مؤخراً، بإعادة فرض ضريبة بنسبة 20% على خدمات الإنترنت وكارتات تعبئة الهاتف المحمول، الجدل بشأن السياسة الضريبية في البلاد وتأثيرها المباشر على المواطنين.

القرار الذي دخل حيز التنفيذ، الثلاثاء الموافق 10 آذار/ مارس 2026، أعاد العمل بضريبة كانت قد أُلغيت في عام 2022، لكنه هذه المرة يطبق بصيغة مختلفة، إذ تُضاف الضريبة مباشرة إلى سعر الخدمة التي يدفعها المستخدم، بدلاً من فرضها على شركات الاتصالات كما كان معمولاً به خلال حكومة حيدر العبادي (من 2014 إلى 2018).

عبء المواطن

وعن تداعيات القرار، تقول فاطمة حيدر، الموظفة بصفة عقد، إن راتبها يبلغ نحو 650 ألف دينار، وأي زيادة في التكاليف الشهرية تؤثر مباشرة على قدرتها على تغطية احتياجاتها الأساسية.

وتضيف فاطمة لوكالة شفق نيوز: "في كل فترة يتم فرض ضرائب جديدة، لكن لا نعرف كيف ستنعكس على الخدمات التي نتلقاها، زيادة التكاليف مع بقاء الرواتب ثابتة تجعل العبء أكبر على المواطنين".

حالة الموظفة فاطمة ليست فردية، لأن متوسط الرواتب في العراق يقل عن 750 ألف دينار، وهو مبلغ يغطي بالكاد 70% من مصاريف السكن والمولدات والمياه، وفق مؤشرات مواقع عالمية متخصصة بكلفة المعيشة مثل "نومبيو".

ومع ذلك، جاء توجيه وزارة الاتصالات العراقية ليلزم شركات مثل "ايرثلنك" و"آي كيو نتورك" بزيادة 20% على أسعار الباقات والاشتراكات، ليس من أرباحها، بل بإضافتها على الفاتورة النهائية للمواطن.

تحول ضريبي

وعن تفاصيل الاختلاف بين تطبيق الضريبة في عامي 2015 و2026، وتأثير ذلك على المواطنين وسوق الاتصالات، يرى أستاذ الاقتصاد الدولي، الدكتور نوار السعدي، أن هذا القرار يمثل "تحولاً خطيراً" في فلسفة الجباية.

ويوضح السعدي قائلاً لوكالة شفق نيوز، إنه "في زمن حكومة حيدر العبادي عام 2015، فُرضت الضريبة على شركات الاتصالات نفسها باعتبارها الجهة المكلفة قانونياً، وكان من الممكن أن تمتص الشركات جزءاً من التكلفة من أرباحها أو تعيد توزيعها ضمن هيكل الأسعار".

ويضيف: "أما اليوم، فإن الضريبة انتقلت بشكل مباشر إلى المستهلك، ما يعني أن أثرها يظهر فوراً في الأسعار التي يدفعها المستخدم عند شراء كارت التعبئة أو تجديد اشتراك الإنترنت".

وبحسب السعدي، فإن "هذا يعني إلغاء أي مساحة للمنافسة بين الشركات لامتصاص التكلفة، وأن الأثر أصبح فورياً؛ فالمواطن يدفع الـ20% عند شراء كارت التعبئة أو تجديد اشتراك الألياف الضوئية (FTTH)". 

ويشير إلى أن "خدمات الاتصالات والإنترنت أصبحت جزءاً أساسياً من النشاط الاقتصادي والتعليم والعمل، ما يجعل أي زيادة في تكلفتها ذات تأثير مباشر على شريحة واسعة من المواطنين".

"الحل السهل" 

من جانبه، يرى الباحث الاقتصادي أحمد عيد، أن القرار يعكس توجهاً حكومياً نحو زيادة الإيرادات غير النفطية، لكنه يثير تساؤلات بشأن توزيع العبء الضريبي.

ويقول عيد لوكالة شفق نيوز: "بدلاً من معالجة الخلل في إدارة الإيرادات العامة أو تحصيل مستحقات الدولة من بعض الشركات الكبرى التي ما تزال متهمة بعدم تسديد التزامات مالية قديمة، لجأت الحكومة إلى فرض ضرائب مباشرة على الخدمات التي يستخدمها المواطن يومياً لأنه الطريق الأسهل".

ويشير عيد، إلى مفارقة مؤلمة، قائلاً إن "العديد من الدول تتجه إلى تخفيف الضرائب على الخدمات الرقمية لدعم التحول التكنولوجي، بينما في العراق يحدث العكس تماماً".

ويعتبر عيد أن "فرض ضريبة بهذا الحجم على خدمة يعتمد عليها ملايين العراقيين في العمل والتعليم يعكس خللاً في أولويات السياسة المالية، ويعمق الشعور بعدم العدالة".

أزمة متكررة

وبالعودة إلى عام 2016، فقد كانت حكومة حيدر العبادي، تدافع عن استقطاعات الرواتب بنسبة 3.8% والضرائب على الاتصالات مبررة ذلك بحرب استنزاف ضد تنظيم "داعش" وانهيار أسعار النفط، وحينها، بلغت الديون الداخلية 63 تريليون دينار.

أما اليوم، فتشير بيانات اقتصادية إلى أن الدين الداخلي للعراق قفز عام 2025-2026، إلى 91 تريليون دينار، ما دفع الحكومة للبحث عن أي منفذ لتوفير السيولة والتركيز على زيادة الإيرادات غير النفطية.

ويرى خبراء أن الفرق الأساسي بين التجربتين يكمن في آلية تطبيق الضريبة، إذ كانت تُفرض سابقاً على الشركات، بينما تُضاف حالياً مباشرة إلى تكلفة الخدمة التي يدفعها المستخدم.

الرقابة الحكومية

بدوره، يقول النائب السابق كامل العگيلي، إن الضريبة يجب أن تُطبق بطريقة لا تزيد العبء على المواطنين في الظروف الاقتصادية الحالية.

ويضيف العگيلي لوكالة شفق نيوز: "الأفضل أن تكون الضريبة على الشركات، مع تشديد الرقابة الحكومية على الأسعار لضمان عدم تحميل المواطن تكاليف إضافية".

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن سوق الاتصالات في العراق قد يصل إلى نحو 1.2 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، وفي حال تطبيق ضريبة بنسبة 20% على خدمات الاتصالات، قد تحقق الحكومة إيرادات سنوية تقدر بعشرات المليارات من الدنانير.

لكن خبراء اقتصاديين يشيرون إلى أن النقاش لا يقتصر على حجم الإيرادات المتوقعة، بل يمتد إلى كيفية استخدام هذه الأموال وتحسين الخدمات العامة.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon