استيراد بلا توقف.. "تقسيط السيارات" يخنق شوارع بغداد (صور)
شفق نيوز- بغداد
تشهد العاصمة بغداد، ارتفاعاً متسارعاً في أعداد المركبات، بالتزامن مع توسع تجارة السيارات وتزايد عروض البيع بالتقسيط، ولا سيما من الشركات الصينية، في وقت تجاوزت فيه أعداد السيارات المسجلة في العراق ثمانية ملايين مركبة، وسط تحذيرات من تفاقم الاختناقات المرورية مع محدودية الطاقة الاستيعابية للطرق.
وتوسّع النشاط الاستثماري في تجارة السيارات خلال السنوات الأخيرة، مع دخول شركات لبيع المركبات الحديثة وتقديمها عروضاً وتسهيلات دفع لتشجيع المواطنين على الشراء. وتبرز شركة "شانجان" الصينية، إلى جانب علامات تجارية أخرى، بينها "شيري" و"جيلي" و"سايك موتورز" و"بي واي دي" و"جيتور" و"آيون".
وتتفاقم الاختناقات، خصوصاً عند بدء الدوام الرسمي وانتهائه، فيما لم تفلح المعالجات الحكومية، ومنها إنشاء الأنفاق وفتح الشوارع، في تخفيف وطأتها.
أرقام متصاعدة
وأحصت وكالة شفق نيوز، استناداً إلى بيانات رسمية، تسجيل 7,026,106 سيارات في العراق عام 2020، ارتفع عددها إلى 7,457,927 عام 2021، ثم إلى 7,982,304 عام 2022.
وسجل العدد 8,096,075 سيارة عام 2023، وصولاً إلى 8,287,604 سيارات عام 2024.
ووفق مديرية المرور العامة، فإن عدد السيارات والمركبات المسجلة تجاوز سبعة ملايين منذ مطلع عام 2026، إلا أن هذه الإحصائية تبدو غير محدثة، ما يبرز الحاجة إلى بيانات دقيقة لعامي 2025 و2026.
الطرق تفوق الاستيعاب
في هذا الصدد، قال مدير شعبة الإعلام في مديرية المرور العامة، العقيد حيدر شاكر، إن أعداد المركبات التي تجوب بغداد كبيرة جداً، وباتت تفوق الطاقة الاستيعابية للشوارع الحالية.
وأضاف شاكر، لوكالة شفق نيوز، أن المديرية تبذل جهوداً يومية لتنظيم حركة السير والحد من الاختناقات في جانبي الكرخ والرصافة، محذراً من أن استمرار استيراد المركبات بأعداد كبيرة من دون توسع موازٍ في البنية التحتية سيؤدي إلى تفاقم الازدحامات.
تنظيم الاستيراد
من جانبه، ذكر المتحدث باسم وزارة التجارة محمد حنون، أن الوزارة تتولى تنظيم النشاط التجاري وتسجيل شركات استيراد السيارات وبيعها، فيما تتوزع مسؤوليات المواصفات الفنية والفحص والكمارك والتسجيل المروري بين الجهات المختصة.
وأوضح حنون لوكالة «شفق نيوز، أن ربط أعداد السيارات المستوردة بالطاقة الاستيعابية للطرق لا يدخل ضمن صلاحيات الوزارة منفردة، بل يتطلب قراراً حكومياً وتنسيقاً بين الجهات المعنية.
وأشار إلى أن الشركة العامة لتجارة السيارات أعدت دراسة لتنظيم الاستيراد، عُرضت مقترحاتها على المجلس الوزاري للاقتصاد، وتشمل تنظيم أنواع السيارات وأعدادها ومعالجة دخول المركبات القديمة والمتضررة.
ولفت حنون، إلى بدء تطبيق المواصفة الفنية العراقية رقم (167) مطلع عام 2026 على السيارات المستوردة المشمولة بها، بهدف تعزيز السلامة والجودة ومنع دخول المركبات غير المطابقة.
وأكد أن أي توجه لتحديد أعداد السيارات ينبغي أن يستند إلى دراسات فنية واقتصادية وقانونية تراعي احتياجات السوق والطاقة الاستيعابية للطرق، وتأثير الإجراءات في الأسعار والمنافسة وحقوق المستهلكين.
أعباء اقتصادية
بدوره، رأى الخبير الاقتصادي نبيل جبار التميمي، أن التوسع في استيراد السيارات يعكس ارتفاع النزعة الاستهلاكية، ويؤثر في الميزان التجاري نتيجة زيادة الاعتماد على الاستيراد واستنزاف جزء من العملة الأجنبية.
ووفق التميمي، الذي تحدث لوكالة شفق نيوز، فإن استمرار هذا النمط قد يضغط على الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي، ولا سيما في ظل التحديات التي تواجه الإيرادات النفطية والصادرات العراقية.
وفيما يتعلق بالسيارات الصينية، خصوصاً العاملة بنظامي الهايبرد والكهرباء، نبه إلى أن التوسع في استيرادها قد يتيح تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وخفض استهلاك البنزين، لكن تحقيق هذه الفائدة يتطلب استراتيجية حكومية لتشجيع التحول التدريجي نحو المركبات الأقل استهلاكاً للوقود.
وبحسب التميمي، فإن العراق لا يزال يواجه قصوراً في إنتاج بعض المشتقات النفطية، وفي مقدمتها البنزين، ما يضطره إلى الاستيراد لتغطية جزء من احتياجات السوق المحلية. وأضاف أن زيادة أعداد السيارات العاملة بالوقود التقليدي ترفع الطلب على البنزين وتضيف أعباءً جديدة على الاقتصاد.
حلول تتجاوز الطرق
في السياق، أفاد المهندس المعماري الدكتور غسان حسن الخفاجي بأن التضخم المتسارع في أعداد المركبات بات تحدياً تنموياً أمام المدن العراقية، ولا سيما بغداد والبصرة والنجف والناصرية.
وبين الخفاجي، لوكالة شفق نيوز، أن المشكلة لا تتعلق بأعداد السيارات وحدها، بل بالفجوة بين نمو المركبات وتطور البنية التحتية للطرق، ما أدى إلى تراجع انسيابية المرور وزيادة التلوث والضغط على التقاطعات والمحاور الرئيسة.
وطبقاً له فإن المعالجة تتطلب الجمع بين تطوير البنية التحتية وإعادة تنظيم الحركة المرورية والاستثمار في النقل الجماعي، مؤكداً أن توسيع الطرق وإنشاء الجسور وحدهما لا يمثلان حلاً مستداماً ما لم يترافقا مع تقليل الاعتماد على السيارات الخاصة.
ودعا الخفاجي، إلى تبني استراتيجية وطنية للنقل الحضري المستدام، وتطوير النقل العام، وإعادة توزيع الخدمات والأنشطة داخل المدن، وتوظيف الأنظمة الذكية لإدارة المرور وتنظيم استيراد المركبات، إلى جانب تشجيع المشي واستخدام الدراجات.
وفي الختام، رجح المهندس المعماري، أن الحل يبدأ بتغيير فلسفة التخطيط من استيعاب المزيد من السيارات إلى تقليل الحاجة إلى استخدامها.