"من طريق الحرير إلى أربيل".. كيف بنت الصين نفوذها في العراق وكوردستان؟
شفق نيوز- ترجمة خاصة
يواجه العراق، الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من
طموحات الصين الجغرافية والاقتصادية الشرق أوسطية، تحدٍ حساس يتمثل بتحقيق توازن
في علاقاته مع كل من الصين والولايات المتحدة، وعدم تنفيرهما.
وبهذا الصدد يشير "معهد المجلس الأطلسي" الأميركي في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز، إلى عدة نقاط لبداية
العلاقات الصينية-العراقية، والتي يتم تأطيرها أحياناً داخل الخطاب الطويل
والحضاري الذي يفضله الصينيون ويعتز به العراقيون، مذكّراً على سبيل المثال بخطاب
الرئيس الصيني شي جين بينغ في 15 آذار/ مارس 2023، عندما طرح ما أسماه
"مبادرة الحضارة العالمية"، مستعيداً التبادل القديم بين الثقافات كأساس
للتواصل الصيني المعاصر.
واستعاد التقرير، أيضاً ما قاله السفير الصيني
لدى بغداد تسوي وي، عندما قال إن "أسلافنا منذ أكثر من ألفي عام أقاموا طريق
الحرير القديم للتواصل الودي مع دول العالم. أما بالنسبة للعراق، فهو لؤلؤة مشرقة
على طريق الحرير، مما كوّن ذكريات جيدة للصين والعراق".
وأضاف أن السردية الصينية هذه تتحدث عن أن
التجارة خلال العصر العباسي جلبت صناعة الورق الصينية والبارود والطباعة والبوصلة
والحرير والخزف والشاي إلى العراق، ومنه إلى مناطق الشرق الأوسط وأوروبا، في حين
أن علم الفلك والتقويمات والطب والتوابل والفنون انتقلت شرقاً نحو الصين.
وتابع التقرير أن هذه السردية "شبه
الأسطورية" لطريق الحرير تتيح لبكين تمييز نفسها عن القوى الغربية وتصوير
وجودها في العراق على أنه متجذر في التاريخ العميق بدلًا من الجغرافيا السياسية
الحديثة.
وأشار إلى وجود نقطة انطلاق دبلوماسية رسمية،
حيث اعترفت الصين بمملكة العراق في العام 1942، إلا أن العلاقات ظلت محدودة، لكنها
تطورت بعد انقلاب العام 1958 بقيادة عبد الكريم قاسم، وأعلن البلدان رسمياً إنشاء
علاقات دبلوماسية في 25 آب/ أغسطس 1958، حيث نظرت بكين إلى انقلاب قاسم كجزء من
إعادة تنظيم أوسع نطاقاً مناهضة للإمبريالية، وهي نظرة عززتها قوة الحزب الشيوعي
العراقي.
ووفقاً للتقرير، فإنه خلال هذه الفترة تحولت
السفارة الصينية في بغداد إلى مركز رئيسي لتوزيع الأدب الماوي، كجزء من جهود بكين
لتصدير الأيديولوجية الثورية، مبيناً أن الأساس الثالث للعلاقة بين البلدين هو
شخصي وأيديولوجي، كما يتضح من شخصيات مثل الرئيس العراقي الأسبق جلال طالباني،
ولاحقاً عادل عبد المهدي.
وبين أن طالباني وار الصين في العام 1955 والتقى
برئيس الوزراء تشو إنلاي، وطلب الدعم للحركة الوطنية الكوردية في العراق، لكن
الصين رفضت، وتحدث طالباني لاحقاً عن أن موقف بكين من القضايا الوطنية لا يتوافق
مع التطلعات الكوردية، إلا أن طالباني، برغم هذا الرفض الصيني، ظل منجذبًا إلى
الفكر الماوي.
وذكر أنه خلال المجاعة الصينية التي تسببت بها
سياسة "القفزة العظيمة إلى الأمام"، أصبحت التمور العراقية حصة غذائية
مهمة للأسر الصينية، مضيفاً أن العلاقة الحديثة بين الصين والعراق تشكلت فيما بعد
حقبة ماو، خصوصاً خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث إنه بحلول بداية الحرب
الإيرانية-العراقية، بدأت الصين في منح الأولوية للتنمية الاقتصادية والأسواق
الخارجية، وهي أولويات تجسدت لاحقًا في مبادرة الحزام والطريق.
لكن التقرير لفت إلى أن الزعيم الصيني وقتها دنغ
شياو بينغ رأى فرصة لمواجهة النفوذ السوفيتي، حيث بدا أن موسكو تميل نحو طهران،
لافتاً إلى أن الصين سعت لتحقيق ثلاثة أهداف (احتواء الاتحاد السوفيتي، وتوسيع
الأسواق، والحفاظ على التوازن بين المتحاربين) وأن بكين قامت بتسليح العراق بتكتم
مع تجنب أي نتيجة قد تزعزع استقرار إيران.
بعد العام 2003
وقال إنه في مرحلة ما بعد العام 2003، سافر
طالباني إلى بكين، وأعادت الصين فتح سفارتها في بغداد في العام 2004، ثم جاءت
اللحظة الحاسمة في العام 2007، عندما عاد طالباني، كرئيس للعراق، إلى الصين
للتفاوض على تخفيف عبء الديون، حيث وافقت بكين على إلغاء جميع الديون السيادية
العراقية و80% من الديون التجارية، أي نحو 6.4 مليار دولار، وهو ما مهد الطريق
لإحياء عقود الطاقة قبل العام 2003.
ونوه التقرير، إلى ظهور الصين كشريك نفطي رئيسي
يتلاءم مع ما تفضله الطبقة السياسية الجديدة التي يقودها الشيعة، حيث أشارت
التقارير منذ العام 2008 إلى أن إيران شجعت السلطات العراقية على توجيه العقود
بعيداً عن شركات النفط الأميركية الكبرى، إذ إنه بالنسبة للعديد من الجهات الفاعلة
الشيعية ترمز شركات النفط الغربية إلى خطر التدخل الخارجي، وهي وجهة نظر تشكلت
جزئياً من خلال إرث النضال في خمسينيات القرن الماضي على تأميم النفط الإيراني،
كما يُنظر إلى الشركات الصينية على أنها محايدة سياسيًا وبراغماتية تجاريًا، وأن
استعدادها للعمل وسط انعدام الأمن والفساد والهوامش المنخفضة عزز موقفها.
كما قال التقرير إن الصين أنشأت وجوداً واسعاً
ومتعدد القطاعات في العراق، يشمل الطاقة والاتصالات السلكية واللاسلكية والأسواق
الاستهلاكية والتعليم، حيث يبدو أن استراتيجيتها تهدف إلى تعزيز اعتماد العراق
الاقتصادي على الصين عبر القطاعات الحيوية، وبالتالي تضمين نفوذ بكين في مسار
التنمية الطويل في العراق، إذ بلغت التجارة الثنائية بين البلدين 54 مليار دولار
في العام 2024، وأصبحت الصين المصدر الرئيسي للاستثمار الأجنبي المباشر في العراق،
حيث ساهمت بمبلغ 34 مليار دولار في العام 2023.
وتحدث أيضاً أن اهتمام الصين بالعراق ركز
بالدرجة الأولى على موارده الهائلة من الطاقة، مشيراً إلى أن الصين استوردت في
العام 2024 أكثر قليلًا من مليون برميل يومياً من العراق، أو 10% من إجمالي
وارداتها من النفط الخام، بينما تدير الشركات الصينية حوالي ثلث احتياطيات العراق
المؤكدة البالغ عددها 145 مليار برميل، وتمتلك أسهمًا مباشرة في ما يقرب من 24
مليار برميل.
نهج متميز تجاه كوردستان
وبحسب التقرير، فإن علاقة الصين مع إقليم
كوردستان تختلف عن انخراطها مع العراق الاتحادي، ومع ذلك فإن كليهما يتماشى مع
استراتيجية بكين الأوسع نطاقاً، وتبقى الطاقة جوهر العلاقات الصينية-العراقية،
بينما تعزز أنشطة الصين في كوردستان هذا الأساس، مستطرداً بالقول: "تبدو
العلاقة بين الصين وكوردستان أكثر تنوعًا، وشكلها الانفتاح الاجتماعي في الإقليم
وتفضيل الصين لوجود غير سياسي محدود المخاطر".
وأكد أنه من ناحية تاريخية، فإن العلاقة تتضمن
خطين رئيسيين، حيث يعود الخط الأول إلى زيارة طالباني إلى بكين عام 1955 وافتتانه
بالماوية، التي شكلت جوانب نظرته السياسية للعالم وأثرت بشكل غير مباشر على الهوية
المبكرة لحزبه، الاتحاد الوطني الكوردستاني.
وأوضح أنه بعد العام 2003 أصبح الاتحاد الوطني
الكوردستاني ضروريًا لإعادة بناء العلاقات الصينية-العراقية، مشيرًا إلى أنها ليست
صدفة أن كل سفير عراقي لدى الصين منذ العام 2003 كان من الاتحاد الوطني
الكوردستاني.
وبين التقرير، أن اللحظة الرئيسية الأخرى في هذه
العلاقة هي افتتاح الصين لقنصليتها في أربيل في العام 2014، وهي لحظة وصفها
نيجيرفان بارزاني، عندما كان رئيساً لحكومة الإقليم وقتها، بأنها "الخطوة
الأولى نحو بناء مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية، ما يشير إلى الفرص في السياسة
والثقافة والبنية التحتية والتجارة".
وأشار التقرير، إلى قيام الصين ببناء شبكة واسعة
من العلاقات، مؤكداً أن القنصلية الصينية في أربيل تدعو بانتظام الأحزاب السياسية
الكوردية والجامعات ووسائل الإعلام والوزارات الحكومية إلى برامج دراسية قصيرة في
الصين، وهو ما يشبه برامج الدبلوماسية العامة الأميركية السابقة، لكنه أكثر حيادية
أيديولوجيًا، حيث تحرص بكين على إشراك كل التيارات السياسية، بما في ذلك الأحزاب
اليسارية والقومية والإسلامية.
وأوضح أنه يبدو أن المسؤولين الكورد منتبهون
بشكل متزايد لصعود الصين واستعدادها لدعم التنمية في العراق وكوردستان، وهو ما
انعكس في تعليقات محافظ السليمانية هافال أبو بكر، الذي وصف الصين مؤخرًا بأنها
"أميركا الشرق".
وذكر التقرير أن نشاط الصين المتوسع في كوردستان
يتقاطع أيضاً مع العلاقة بين الولايات المتحدة والإقليم، حيث إن الولايات المتحدة
قامت ببناء مجمع قنصلي جديد ضخم في أربيل، يهدف إلى أن يكون رمزاً للالتزام الطويل
المدى، كما أن الصين أبدت أيضاً اهتمامها ببناء قنصلية جديدة خاصة بها.
كما أضاف التقرير، أنه من المهم ملاحظة أنه
عندما يتعلق الأمر بالقطاعات الاقتصادية الاستراتيجية، فإن حكومة إقليم كوردستان
لا ترتبط بالصين بنفس الطريقة التي ترتبط بها الحكومة الاتحادية في بغداد، موضحاً
على سبيل المثال أنه بينما تهيمن الشركات الصينية على قطاع الطاقة في الحكومة
الاتحادية، هناك شركة واحدة فقط مملوكة للصين، وهي "أداكس بتروليوم"
المملوكة لشركة "سينوبك"، والتي تعمل في قطاع النفط في إقليم كوردستان.
العراق والصين وأميركا
"بالنظر إلى أن الصين تمنح الأولوية لتأمين
أسواق جديدة في الخارج وضمان أمن الطاقة في الداخل، فإن العراق تحوّل إلى جزء لا
يتجزأ من طموحات بكين الجغرافية والاقتصادية وحكمها الاقتصادي في منطقة الشرق
الأوسط"، لافتاً إلى أن "بغداد صارت تواجه الآن المهمة الحساسة المتمثلة
في تحقيق التوازن بين العلاقات مع القوتين، الصينية والأميركية، لتجنب تنفير أي من
الجانبين"، وفقاً لما جاء في التقرير.
وطبقاً للتقرير أيضاً، فإنه لا يمكن فهم الآثار
الأوسع لهذه العلاقة فقط من خلال الاقتصاد، حيث تتكشف البصمة المتزايدة للصين على
خلفية تعزيز التنافس بين الولايات المتحدة والصين والانجراف العالمي نحو تعدد
الأقطاب، كما يظهر العراق تدريجياً كموقع للمنافسة الدقيقة بين هاتين القوتين،
خصوصاً في مجالات مثل البنية التحتية، وتحديداً الطاقة، بالإضافة إلى الشبكات
الرقمية وممرات العبور البرية المحتملة.
وتابع أنه بالنظر إلى الطبيعة المترابطة بعمق
للاقتصاد العالمي حاليًا، واعتماد العراق القوي على الجهات الفاعلة الخارجية في
التكنولوجيا والاستثمار والمنتجات الاستهلاكية والأمن، فإنه من غير الواقعي توقع
فصل العراق عن الصين أو الولايات المتحدة.
وأضاف قائلًا إنه على مستوى النخبة يبدو أن
الصين لديها اليد العليا في منافسة القوة الناعمة مع واشنطن فيما يتعلق بجاذبية
البلدين ونهجهما تجاه العراق، لافتاً إلى أنه بينما أدى تراجع واشنطن عن
الديمقراطية والمساعدات إلى تآكل صورتها، فإن الانخراط الثقافي الصيني ونموذج
التنمية والرسائل يتردد صداها لدى العديد من العراقيين.
بينما أشار التقرير، إلى أن العراق يتبع نهجاً
مجزأً للعلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين، حيث زرعت بغداد علاقات أعمق مع
الصين في التجارة والطاقة والاتصالات السلكية واللاسلكية، مع الاستمرار في
الاعتماد بشكل كبير على الولايات المتحدة في التمويل والأمن والدبلوماسية.
وبين أن النظم النقدية والمالية في العراق ما
تزال مرتبطة بعمق بالنظام المالي الأميركي والرقابة من واشنطن.
وختم التقرير، حديثه بالقول إن المفارقة هي أن
العراق ما يزال يعتمد على الحماية الأميركية، لكنه في الوقت نفسه يندمج بشكل
متزايد في النظام التجاري للصين، ولهذا فإنه إذا لم توسع الولايات المتحدة
انخراطها الاقتصادي، فإن نفوذها سيستمر في التآكل.
وأشار إلى أنه بالنسبة لكثير من النخبة الشيعية
تُعد الصين، وليس الولايات المتحدة، الشريك المفضل على المدى الطويل، لكن لا يمكن
للعراق أن يعمل دون الانخراط مع كليهما بشكل ما.