من رائحة الكتب الجديدة إلى أزمة التعليم: كيف تراجع دور الدولة في المدرسة العراقية؟

من رائحة الكتب الجديدة إلى أزمة التعليم: كيف تراجع دور الدولة في المدرسة العراقية؟

د. ضحى السدخان

2026-10-12T22:00:33+00:00

لم تكن المدرسة العراقية في ذاكرة الأجيال السابقة مجرد صفوف دراسية ومقاعد خشبية وسبورة سوداء، بل كانت رمزاً لدور الدولة في بناء الإنسان، ومشروعاً وطنياً يهدف إلى منح أبناء الفقراء والأغنياء فرصة متقاربة في التعليم. كان التلميذ ينتظر بداية العام الدراسي بشغف، ويحمل كتبه ودفاتره الجديدة، وتملأه فرحة الحصول على القرطاسية المدرسية، فيما كانت المدرسة تمثل امتداداً لاهتمام الأسرة والدولة بمستقبل أبنائها.

اليوم، ومع بداية كل عام دراسي، يبرز سؤال مؤلم: كيف انتقل التعليم في العراق من مشروع وطني تتولى الدولة مسؤولية دعمه إلى واقع تتحمل فيه الأسرة أعباء متزايدة، وتضطر فيه بعض العائلات إلى الاستدانة لتوفير أبسط مستلزمات الدراسة لأطفالها؟

إن تراجع التعليم ليس مشكلة تربوية فحسب، بل هو قضية اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية تمس مستقبل الدولة ومكانتها وقدرتها على إنتاج المعرفة وبناء القوة البشرية.

### التعليم في العراق… من مشروع وطني إلى أزمات متراكمة

خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، شهد العراق توسعاً في التعليم الحكومي، واهتمت الدولة ببناء المدارس وتوفير المعلمين والكتب المدرسية، وتوسيع فرص الالتحاق بالتعليم، ولا سيما بعد صدور قانون محو الأمية الإلزامي عام 1978. وقد أسهمت هذه السياسات في تعزيز مكانة التعليم بوصفه وسيلة للحراك الاجتماعي، خصوصاً لأبناء الأسر محدودة الدخل والمناطق الريفية.

وفي تلك السنوات، ارتبطت المدرسة العراقية بصورة الدولة التي تستثمر في الإنسان، إذ لم تكن قيمة التعليم تقاس بعدد الأبنية والمناهج فقط، بل بقدرة الطالب على الوصول إلى المدرسة من دون أن يشكل الفقر عائقاً أمام مستقبله.

لكن الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988 فرضت أعباءً مالية وبشرية كبيرة، وأعادت توجيه جانب مهم من موارد الدولة نحو المجهود الحربي. ومع استمرار الحرب، بدأت آثار الضغط الاقتصادي تنعكس على أولويات التنمية والخدمات، ومنها التعليم.

ثم جاءت مرحلة العقوبات الدولية بعد عام 1990، لتدخل المؤسسات العراقية في واحدة من أصعب الفترات التاريخية. تراجعت القدرة الشرائية للأسر، وتدهورت أوضاع العاملين في قطاعات الدولة، وازدادت صعوبة توفير مستلزمات المدارس وصيانتها. وأصبح التعليم، الذي كان يمثل بوابة لتحسين الحياة، يعمل في ظروف اقتصادية واجتماعية شديدة القسوة.

وبعد عام 2003، واجه العراق تحديات إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتضررت مدارس كثيرة بفعل العنف والإهمال، فيما تراكمت مشكلات الإدارة والتمويل والتخطيط. وعلى الرغم من زيادة الإنفاق العام في سنوات ارتفاع أسعار النفط، فإن التحسن المالي لم يتحول بالسرعة المطلوبة إلى تحسن مماثل في جودة التعليم والبنية المدرسية.

### لماذا اختفت بهجة المدرسة؟

إن المسألة لا تتعلق بالحنين إلى الماضي أو برائحة الكتب الجديدة وحدها، بل بتراجع منظومة متكاملة كانت تجعل المدرسة قادرة على استقبال الطالب بصورة لائقة.

فحين تضطر الأسرة إلى شراء الكتب والدفاتر والأقلام والحقائب والملابس المدرسية من دخل محدود، يصبح بدء العام الدراسي عبئاً مالياً إضافياً، لا مناسبة ينتظرها الطفل بفرح.

وحين تكتظ الصفوف بالطلبة، وتعمل بعض المدارس بنظام الدوام المزدوج أو الثلاثي، وتتأخر أعمال الصيانة، وتتفاوت مستويات النظافة والتجهيز، فإن البيئة التعليمية نفسها تصبح أقل قدرة على جذب الطالب وتحفيزه.

ولا يمكن تحميل المعلم أو الأسرة وحدهما مسؤولية هذا التراجع؛ فالمشكلة ترتبط بمنظومة واسعة تشمل التخطيط والتمويل والإدارة وتوزيع الموارد والرقابة على التنفيذ.

ومن أبرز الأسباب:

* النمو السكاني المتسارع: ارتفاع أعداد الطلبة من دون التوسع الكافي في الأبنية المدرسية والكوادر التعليمية.

* ضعف التخطيط الاستثماري: تأخر إنجاز المدارس والمشروعات، وعدم تحويل التخصيصات المالية دائماً إلى خدمات ملموسة.

* الاقتصاد الريعي: اعتماد الموازنة على الإيرادات النفطية، وما يرافق ذلك من تقلبات تؤثر في استمرارية الإنفاق التنموي.

* تراجع القوة الشرائية للأسر: ارتفاع تكاليف المستلزمات الدراسية والنقل والدروس الإضافية.

* تفاوت جودة التعليم: اتساع الفجوة بين المدارس الحكومية والأهلية، وبين المدن والمناطق الريفية والأطراف.

* ضعف المساءلة: عدم كفاية المتابعة لقياس أثر الأموال المصروفة في مستوى الطالب وجودة المدرسة.

### أين تذهب أموال التعليم؟

هذا السؤال لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام بلا دليل، لكنه سؤال مشروع في دولة تمتلك موارد نفطية كبيرة وتخصص أموالاً لقطاعات التربية والتعليم.

فالمشكلة ليست في معرفة حجم الموازنة وحده، بل في معرفة ما الذي يحصل عليه الطالب مقابل كل مبلغ يُنفق.

كم مدرسة أُنجزت فعلياً؟ وكم مدرسة تحتاج إلى إعادة تأهيل؟ وهل وصلت الكتب والقرطاسية إلى الطلبة في الوقت المناسب؟ وما حجم الإنفاق على التغذية المدرسية؟ وما نسبة الأموال التي تحولت إلى خدمات حقيقية داخل الصفوف؟

إن الرقابة على الإنفاق التعليمي ينبغي أن تربط التخصيص المالي بالنتائج، لا بمجرد إدراج المشروعات في الجداول والموازنات.

كما أن تأخر تنفيذ المدارس أو تعثر مشروعاتها يعني استمرار الاكتظاظ، وارتفاع الضغط على الأبنية القائمة، وإرهاق المعلمين والطلبة. لذلك، فإن معالجة الأزمة تحتاج إلى بيانات دقيقة ومحدثة عن أعداد المدارس والطلبة والمشروعات المتلكئة، بدلاً من الاكتفاء بإعلانات إطلاق المشروعات أو وضع حجر الأساس.

### المدارس الأهلية… حين تتحول الفجوة إلى مشكلة اجتماعية

توسعت المدارس الأهلية في العراق في ظل بحث بعض الأسر عن بيئة تعليمية أفضل أو صفوف أقل اكتظاظاً أو متابعة أكبر للطلبة. ولا يصح اعتبار التعليم الأهلي مشكلة بحد ذاته، فهو يستطيع أن يكون جزءاً من منظومة تعليمية متنوعة إذا خضع للرقابة وضمان الجودة.

لكن المشكلة تظهر حين تصبح المدرسة الأهلية خياراً اضطرارياً للأسرة التي فقدت الثقة بقدرة المدرسة الحكومية على توفير المستوى الذي تطمح إليه، أو حين تتجاوز الأجور قدرة الأسر متوسطة الدخل.

وهنا تتشكل فجوة اجتماعية خطيرة: أسرة تستطيع دفع أجور التعليم الخاص، وأخرى لا تستطيع شراء المستلزمات الأساسية، وطفل قد تتحدد فرصه المستقبلية وفق القدرة المالية لعائلته، لا وفق موهبته واجتهاده.

إن التعليم الحكومي الجيد ليس منافساً للمدارس الأهلية، بل هو الضمان الأساسي للعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.

### التغذية المدرسية… استثمار في الإنسان لا نفقة ثانوية

إن توفير الغذاء للطلبة يرتبط بصحتهم وقدرتهم على التركيز والحضور والاستمرار في الدراسة، خصوصاً في المناطق الفقيرة والأكثر احتياجاً.

وتقدم التجارب الدولية أمثلة مهمة؛ فقد أطلقت الهند برنامجاً وطنياً للوجبات المدرسية عام 1995، وطورت البرازيل برامج التغذية المدرسية التي تعود جذورها إلى خمسينيات القرن الماضي. وتوضح هذه التجارب كيف يمكن ربط التعليم بالحماية الاجتماعية والصحة العامة ودعم الأسر.

ولا يعني ذلك أن التجارب قابلة للنقل حرفياً إلى العراق، لكن الدرس الأساسي هو أن الطالب الذي يعاني الجوع أو سوء التغذية لا يمتلك فرصاً متساوية في التعلم مع طالب تتوافر له احتياجاته الأساسية.

لذلك، فإن إعادة النظر في برامج التغذية المدرسية، وتحديد المناطق الأكثر فقراً، وضمان الرقابة على جودة الغذاء ووصوله إلى المستحقين، يمكن أن يجعل المدرسة أداة لمواجهة الفقر، لا مجرد مؤسسة لتقديم الدروس.

### التعليم من منظور جيوسياسي… من يملك المعرفة يملك المستقبل

إن قوة الدول في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقاس بالنفط والغاز والموارد الطبيعية وحدها، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا وتأهيل الكفاءات.

الدولة التي تعجز عن توفير تعليم جيد لمواطنيها تصبح أكثر اعتماداً على الخارج في التكنولوجيا والخبرات والإدارة، بينما تستطيع الدولة التي تستثمر في التعليم تحويل مواردها الطبيعية إلى قوة اقتصادية وعلمية وسياسية.

وتكشف التجارب الدولية أهمية هذا المسار. فقد استثمرت كوريا الجنوبية في التعليم والتأهيل البشري ضمن تحولها الاقتصادي منذ النصف الثاني من القرن العشرين، فيما جعلت فنلندا جودة التعليم وإعداد المعلمين من ركائز نظامها التعليمي.

والدرس للعراق واضح: النفط قد يمول التنمية، لكنه لا يصنعها وحده. فالثروة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الإيرادات إلى مدارس جيدة، ومعلمين مؤهلين، ومناهج حديثة، وطلبة قادرين على التفكير والابتكار.

ومن منظور الأمن الوطني، فإن ضعف التعليم يحد من فرص العمل والإنتاج، ويعمق الفوارق الاجتماعية، ويجعل الشباب أكثر عرضة للإحباط والتهميش. أما التعليم الجيد فيعزز المواطنة، ويرفع الإنتاجية، ويمنح الدولة قدرة أكبر على مواجهة التحديات الاقتصادية والتكنولوجية.

### ما الذي ينبغي أن تفعله الدولة؟

إن استعادة مكانة المدرسة العراقية لا تحتاج إلى الشعارات وحدها، بل إلى خطة قابلة للقياس والمحاسبة، تبدأ من الطالب وتنتهي بتقييم أداء الدولة.

أولاً، إعداد خريطة وطنية للاحتياجات المدرسية، تتضمن أعداد الطلبة والمدارس والصفوف المكتظة والمشروعات المتلكئة، مع نشر بيانات دورية عن نسب الإنجاز.

ثانياً، ضمان وصول الكتب والقرطاسية الأساسية في الوقت المناسب، وتوجيه الدعم إلى الطلبة من الأسر محدودة الدخل، بما يحفظ كرامتهم ويمنع تسربهم من التعليم.

ثالثاً، إعادة تأهيل المدارس الحكومية، وتوفير المياه والخدمات الصحية والنظافة والمختبرات والمكتبات، وعدم اختزال التطوير في بناء الجدران فقط.

رابعاً، تحسين أوضاع المعلمين وتطوير تدريبهم ومناهجهم، وربط التقييم بجودة التعلم لا بمجرد النجاح والرسوب.

خامساً، توسيع برامج التغذية المدرسية وفق الأولويات الاجتماعية والصحية، مع رقابة واضحة على التنفيذ.

سادساً، إخضاع الإنفاق التعليمي لرقابة برلمانية ومجتمعية قائمة على النتائج، ومحاسبة الجهات المقصرة وفق القانون.

وسابعاً، بناء شراكة بين الدولة والقطاع الخاص والجامعات، على ألا تؤدي هذه الشراكة إلى تحميل الأسرة الفقيرة تكاليف إضافية أو تقويض مجانية التعليم.

### الخاتمة: هل نستعيد المدرسة التي عرفناها؟

إن الحنين إلى الكتب الجديدة والدفاتر الملونة ليس مجرد استذكار لطفولة مضت؛ إنه تعبير عن شعور بأن المدرسة كانت تمنح أبناء المجتمع أملاً مشتركاً، وأن الدولة كانت مطالبة بتوفير الحد الأدنى من مستلزمات التعلم لكل طفل.

ولا يمكن إعادة الماضي كما كان، لكن يمكن استعادة جوهره: أن يكون التعليم حقاً لا امتيازاً، وأن تكون المدرسة الحكومية مكاناً يطمئن إليه الفقير قبل الغني، وأن لا تتحول قدرة الأسرة المالية إلى معيار يحدد مستقبل أبنائها.

إن العراق لا تنقصه الموارد بقدر ما يحتاج إلى إدارة رشيدة للأموال، وتخطيط طويل الأمد، ومساءلة حقيقية، وإرادة سياسية تجعل الإنسان أولوية.

فالمدرسة التي تعجز عن توفير الكتاب اليوم قد تعجز غداً عن إعداد الطبيب والمهندس والعالم وصانع القرار. وحين تتراجع المدرسة، لا يخسر الطالب وحده، بل تخسر الدولة قدرتها على بناء المستقبل.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon