الأول بتاريخ المدينة.. مهرجان التمور والفنون الشعبية يضيء خانقين في ديالى (صور)
شفق نيوز/ جانب من المهرجان - 11 تشرين الأول 2026
شفق نيوز- ديالى
على ضفاف نهر الوند، وفي مشهد امتزجت فيه رائحة التمور بألوان اللوحات الفنية وأصالة الأزياء الكوردية، احتضنت مدينة خانقين، خلال الفترة من 9 إلى 11 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، مهرجان التمور والفنون الشعبية الأول، الذي تجاوزت فعالياته حدود الاحتفاء بالمحاصيل الزراعية، ليقدم صورة عن الإمكانات الاقتصادية والثقافية والفنية التي تمتلكها المدينة، ويعيد تسليط الضوء على مكانتها التاريخية والاجتماعية في محافظة ديالى والمناطق المحيطة بها.
المهرجان الذي نظمته مؤسسة "دار الشهيد سلام الثقافي" في خانقين، بالتعاون مع الجهات الثقافية المعنية، جمع أصحاب البساتين والحرفيين وأصحاب المشاريع المنزلية والمنتجات المحلية، إلى جانب فنانين تشكيليين وموسيقيين وفرق فنية، وسط حضور جماهيري لافت، في فعالية سعت إلى تحويل التراث الزراعي والشعبي إلى مساحة للتواصل الثقافي والاجتماعي، وفرصة للتعريف بمنتجات المدينة وطاقات أبنائها.
الزراعة والثقافة تلتقيان
وقال رئيس مؤسسة "دار الشهيد سلام الثقافي" في خانقين، عباس عبد الرزاق، إن مهرجان التمور والفنون الشعبية الأول جاء انطلاقاً من الرغبة في إبراز ما تمتلكه خانقين من ثروات زراعية وإمكانات ثقافية وفنية، وتقديم صورة تعكس تاريخ المدينة وخصوصيتها وتراثها الغني.
وأضاف عبد الرزاق لوكالة شفق نيوز، أن المهرجان يمثل مساحة لالتقاء المزارعين وأصحاب المهن والحرفيين والفنانين، وإتاحة الفرصة أمامهم لعرض منتجاتهم وإبداعاتهم أمام الجمهور، بما يعزز فرص التعارف والتعاون ويفتح آفاقاً جديدة لتسويق المنتجات المحلية.
وأشار إلى أن أهمية المهرجان تكمن أيضاً في جمع النشاط الزراعي بالعمل الثقافي والفني، وعدم حصر الاحتفاء بالتمور في الجانب التجاري وحده، بل تحويله إلى فعالية مجتمعية تستحضر تاريخ المدينة وتدعم طاقات أبنائها وتمنح الزائرين فرصة للتعرف على معالمها وطبيعتها وتراثها.
وأكد أن تنظيم النسخة الأولى يمثل بداية لمسار يراد له أن يتواصل ويتطور، بما يتيح توسيع المشاركة في الدورات المقبلة، واستقطاب المزيد من المزارعين والمنتجين والفنانين والزوار من مختلف المناطق.
ويأتي هذا التوجه في وقت تحتاج فيه المنتجات الزراعية المحلية إلى مزيد من الاهتمام والتعريف، فيما يمكن للمهرجانات المتخصصة أن توفر فرصة مباشرة للتواصل بين المنتجين والمستهلكين، وتساعد في إبراز الأصناف المحلية وفتح نقاش بشأن سبل تطوير تسويقها.
270 نوعاً من التمور
من جانبه، قال عضو اللجنة المشرفة على المهرجان، نهاد حسين الخياط، إن الفعاليات شهدت مشاركة نحو 50 من أصحاب البساتين، إلى جانب أكثر من 100 مشارك من أصحاب المهن والأعمال اليدوية والمنتجات المحلية من خانقين ومناطق أخرى من محافظة ديالى، ومن قضاء كلار في محافظة السليمانية بإقليم كوردستان، فضلاً عن مشاركة من كرماشان في إيران.
وأوضح الخياط لوكالة شفق نيوز، أن المهرجان تضمن عرض أكثر من 270 نوعاً من التمور، في خطوة هدفت إلى التعريف بتنوع الإنتاج المحلي وإبراز الإمكانات الزراعية التي تتمتع بها خانقين والمناطق المجاورة.
وأضاف أن الفعاليات لم تقتصر على الجانب الزراعي، إذ شهدت مشاركة نحو 80 فناناً تشكيلياً من مناطق عراقية مختلفة، قدموا سمبوزيوماً فنياً مشتركاً استلهموا فيه طبيعة المدينة ومشاهدها وتراثها، إلى جانب مشاركة ثلاث فرق فنية وأكثر من عشرة فنانين في الحفل الغنائي الذي رافق المهرجان.
وبيّن أن هذا التنوع منح الفعالية طابعاً شاملاً، جمع بين عرض المحاصيل الزراعية والمنتجات المحلية والفنون التشكيلية والموسيقى والفنون الشعبية، الأمر الذي أسهم في استقطاب شرائح متنوعة من الجمهور.
وأكد الخياط أن المهرجان يمثل نسخته الأولى، وأن اللجنة تتطلع إلى إقامة نسخة ثانية خلال العام المقبل، مع العمل على تطوير الفعاليات وتوسيع نطاق المشاركة والاستفادة من التجربة التنظيمية والجماهيرية التي شهدتها الدورة الحالية.
وتعكس هذه المشاركة المتنوعة، وفق ما أظهرته فعاليات المهرجان، إمكانية بناء شراكات بين المنتجين الزراعيين وأصحاب الحرف والفنانين، بحيث لا تبقى المنتجات المحلية محصورة في نطاقها الجغرافي، بل تصبح جزءاً من نشاط اقتصادي وثقافي أوسع.
خانقين بعيون الفنانين
وفي الجانب الفني، قالت الفنانة التشكيلية فادية النعيمي، رئيسة مؤسسة فادي للثقافة والفنون، إن المؤسسة شاركت في مهرجان التمور والفنون الشعبية الأول في خانقين بأكثر من 80 فناناً تشكيلياً من مناطق عراقية مختلفة.
وأوضحت النعيمي لوكالة شفق نيوز، أن الفنانين شاركوا في سمبوزيوم فني مشترك، عملوا خلاله على توثيق جمال خانقين وطبيعتها ونخيلها ومشاهد نهر الوند، إلى جانب استلهام أجواء المهرجان وما يحمله من دلالات زراعية وثقافية واجتماعية.
وأضافت أن الأعمال الفنية لم تقتصر على تصوير المشاهد الطبيعية، بل سعت أيضاً إلى التعبير عن علاقة الإنسان بأرضه وتراثه، وإبراز الموروث المحلي الذي يشكل جزءاً من ذاكرة المدينة وهويتها.
وأشارت النعيمي إلى أن الفنانين وجدوا ترحيباً واسعاً من أهالي خانقين، لافتة إلى حضور مظاهر الاعتزاز بالهوية والتراث الكوردي، من خلال الأزياء التقليدية والأعلام التي رافقت الفعاليات.
وأكدت أن خانقين مدينة حية بما تمتلكه من تاريخ وأمجاد وطاقات فنية وإنتاج زراعي، وأن إقامة مهرجانات من هذا النوع تمنح الفنانين فرصة للتفاعل مع بيئتها وتوثيق معالمها، كما تتيح للجمهور التعرف على المدينة من خلال أعمال فنية تستحضر جمالها وخصوصيتها.
وتبرز مشاركة الفنانين التشكيليين جانباً آخر من أهداف المهرجان، يتمثل في تحويل المكان إلى مصدر للإبداع والتوثيق البصري، بحيث تتحول اللوحات المنجزة خلال الفعالية إلى شهادات فنية على طبيعة خانقين وموروثها الشعبي، وعلى التفاعل الذي جمع المشاركين من مناطق مختلفة.
علوة لتسويق التمور
وإلى جانب التمور، شهد المهرجان عرض مجموعة متنوعة من الأعمال اليدوية والحرفية والمنتجات المحلية، التي شارك في تقديمها أصحاب المهن والمشاريع الصغيرة من خانقين ومناطق أخرى من محافظة ديالى وقضاء كلار، فضلاً عن منتجات قدمها مشاركون من خارج العراق.
وشكلت هذه المعروضات فرصة للتعريف بمهارات المنتجين المحليين، ولا سيما العاملين في الحرف اليدوية والمشاريع المنزلية، الذين يعتمد كثير منهم على إمكاناتهم الفردية في إنتاج وتسويق بضائعهم.
كما أتاح وجود أصحاب البساتين في مكان واحد عرض أصناف متعددة من التمور أمام الزوار، بما يساعد على التعريف بالفوارق بين الأنواع وخصائصها، ويمنح المزارعين مساحة للتواصل المباشر مع المستهلكين.
وكان من بين المقترحات المطروحة خلال المهرجان إنشاء علوة متخصصة لتسويق التمور في خانقين، بما يسهم في تنظيم عمليات البيع والشراء، ويوفر منفذاً أكثر استقراراً أمام أصحاب البساتين لتسويق محاصيلهم.
ويطرح هذا المقترح أهمية تحويل الفعاليات الموسمية إلى خطوات عملية تدعم القطاع الزراعي، خصوصاً أن نجاح مهرجان للتمور لا يقاس بعدد الزوار أو تنوع المعروضات فحسب، بل بقدرته على فتح فرص تسويقية جديدة أمام المزارعين، وتعزيز قيمة المنتج المحلي في الأسواق.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن تشكل النسخة الأولى أساساً لمبادرات لاحقة تجمع الجهات المعنية بالزراعة والتجارة والإدارة المحلية، بهدف دراسة احتياجات أصحاب البساتين، وتحديد المعوقات التي تواجه تسويق التمور، والعمل على إيجاد حلول قابلة للتطبيق.
تاريخ يستحق الإنصاف
ولم تقتصر أصداء المهرجان على المشاركين في تنظيمه وعرض منتجاتهم، بل امتدت إلى الزوار الذين حضروا فعالياته على مدى الأيام الثلاثة، بعضهم برفقة عائلاتهم، وآخرون قدموا من مناطق مختلفة لمتابعة العروض الفنية والتراثية.
وقال علي حسين، أحد الزوار الذين حضروا المهرجان مع عائلته خلال أيامه الثلاثة، لمراسل وكالة شفق نيوز، إن المهرجان شكل نقلة نوعية في مجال الأنشطة الفنية والثقافية والتراثية والزراعية، معتبراً أن مثل هذه الفعاليات من الأنشطة التي تحتاجها خانقين لإبراز إمكاناتها وتعزيز حضورها.
وأضاف أن المدينة تمتلك تاريخاً وإرثاً يستحقان الاهتمام، وأن تنظيم المهرجانات والأنشطة الثقافية والحفلات الفنية يمكن أن يسهم في تنشيط الحياة العامة، وإتاحة فرص أكبر أمام الأهالي للاحتفاء بمدينتهم والتعريف بما تمتلكه من مقومات.
وشدد على أهمية تعاون المؤسسات والجهات المعنية من أجل استمرار هذه الفعاليات، بما ينعكس إيجاباً على الحياة الاجتماعية والثقافية في خانقين.
وأشار إلى أن أهالي المدينة قدموا تضحيات كبيرة خلال مراحل مختلفة من تاريخها، وأن ما قدموه يستدعي مزيداً من الاهتمام بخانقين واحتياجاتها، من قبل حكومة إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية، إلى جانب دعم الأنشطة التي تعزز مكانتها وتوفر لأبنائها فرصاً أوسع في المجالات الاقتصادية والثقافية والخدمية.
خانقين ذاكرة كوردستان
ومن بين الزائرات اللواتي حضرن المهرجان، قالت كولدران محمد، وهي مواطنة قدمت من قضاء كفري بمحافظة ديالى، إن العروض الفنية والفنون الشعبية التي شهدتها الفعاليات، إلى جانب تفاعل الجمهور معها، عكست تمسك الأهالي بتراثهم وتاريخهم وحضارتهم.
وأضافت أن خانقين تحتل مكانة مهمة في الذاكرة الثقافية والاجتماعية لكوردستان، وأن ما شهدته المدينة من حضور جماهيري ومشاركة فنية يعبر عن اعتزاز أبنائها بهويتهم وموروثهم.
وأشارت إلى أن أبناء خانقين أسهموا، عبر أجيال متعاقبة، في مجالات التعليم والهندسة والعمل في مناطق مختلفة من إقليم كوردستان وبقية العراق، معتبرة أن هذه الإسهامات تمثل جانباً من تاريخ المدينة ودورها في محيطها.
وهنأت محمد أهالي خانقين بنجاح المهرجان، معربة عن أملها في أن تتولى اللجنة المشرفة تنظيمه سنوياً، وأن تتوسع فعالياته في السنوات المقبلة، بما يعزز التواصل بين خانقين والمدن الأخرى ويمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف على تراثها وتاريخها.
ويظهر هذا التفاعل أن المهرجان لم يكن مجرد نشاط محلي محدود، بل تحول إلى مناسبة استقطبت زواراً من خارج المدينة، ووفرت مساحة للتعبير عن الارتباط بخانقين وموروثها الثقافي، فضلاً عن التعرف على منتجاتها الزراعية والحرفية.
تعاون لإنجاح المهرجان
وفي الجانب التنظيمي، أشاد عدد من الزوار بمستوى التعاون الذي رافق إقامة المهرجان، مشيرين إلى دور الأجهزة الأمنية والمؤسسات الخدمية في توفير الأجواء المناسبة للفعاليات وتنظيم حركة المشاركين والزوار.
وقال محمد أحمد، أحد المواطنين الذين حضروا المهرجان، لمراسل وكالة شفق نيوز، إن ما لفت انتباهه تمثل في التعاون بين الأجهزة الأمنية والجهات المنظمة، مشيراً إلى دور الشرطة والأسايش وقيادة العمليات المشتركة والأمن الوطني والاستخبارات في تأمين الفعاليات.
وأضاف أن المؤسسات الخدمية، ومنها بلدية خانقين ومديرية زراعة خانقين ودائرة الكهرباء وإدارة القضاء، أسهمت، بحسب مشاهدته، في تهيئة الظروف اللازمة لإنجاح المهرجان.
ولفت إلى أن هذا التعاون بين الجهات الأمنية والخدمية واللجنة المنظمة كان من العوامل التي ساعدت على إقامة الأنشطة وسط أجواء منظمة، معرباً عن تقديره للجهود التي بذلتها الجهات المعنية.
وقد عكس تنظيم الفعاليات في موقع مفتوح على كورنيش خانقين، مع تنوع الأنشطة وتوافد الزوار، أهمية التنسيق المسبق بين الجهات المنظمة والمؤسسات الأمنية والخدمية، ولا سيما في الفعاليات الجماهيرية التي تتطلب إدارة حركة الحضور وتوفير الخدمات الأساسية.
وأشار محمد أحمد إلى أن المهرجان استقطب أكثر من عشرة آلاف مواطن خلال أيامه الثلاثة، موضحاً أن تداول صور ومقاطع العروض الفنية على وسائل التواصل الاجتماعي أسهم في تعريف جمهور أوسع بالفعاليات وتشجيع الزوار على الحضور.
وأضاف أن المهرجان أتاح للناس فرصة مشاهدة عروض فنية وتراثية متنوعة، إلى جانب التعرف على المنتجات الزراعية والحرفية التي عرضها المشاركون.