من سجال "المادة 140" إلى تعليق التظاهرة.. ماذا يجري في خانقين؟
سكان من خانقين -ارشيف
شفق نيوز- خانقين
بدأت القصة بتصريحات تلفزيونية، لكنها سرعان ما تجاوزت شاشة إحدى القنوات الكوردية لتفتح واحداً من أكثر ملفات خانقين حساسية، فحديث قيادات من الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني عن التغييرات الديموغرافية التي شهدتها المنطقة بعد أحداث 16 تشرين الأول/أكتوبر 2017، والدعوة إلى تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي، أثارا ردود فعل متباينة، قبل أن تتسع دائرة السجال وتتحول إلى تحركات سياسية وشعبية انتهت بالدعوة إلى تجمع جماهيري في خانقين، ثم تعليقه والتوجه بالملف إلى بغداد.
وتكشف متابعات أجرتها وكالة شفق نيوز، أن الأيام الأخيرة شهدت تصاعداً ملحوظاً في الخطاب المتعلق بهوية خانقين والمناطق المتنازع عليها، بالتزامن مع ردود فعل صدرت عن شخصيات وأوساط من مناطق مجاورة للقضاء، اعترض بعضها على حديث القيادات الكوردية بشأن "التعريب" والمادة 140، فيما ذهبت بعض الأصوات إلى التشكيك بأصل المادة الدستورية والدعوة إلى اتخاذ إجراءات قانونية بحق الأطراف التي تتبنى هذا الخطاب.
مجلس ديالى يستضيف قائممقام خانقين
وفي تطور جديد، قررت رئاسة مجلس محافظة ديالى استضافة قائممقام قضاء خانقين في جلسة رسمية "عاجلة" من المقرر انعقادها صباح يوم الأربعاء المقبل (2 أيلول 2026)، لبحث الأوضاع الراهنة والتطورات الأخيرة في القضاء.
وبحسب وثيقة رسمية صدرت اليوم الإثنين (31 آب 2026)، فإن قرار الاستضافة جاء بناءً على مذكرة تقدم بها رئيس لجنة المنافذ الحدودية والتنمية وشؤون الوحدات الإدارية في المجلس، ومعززة بتواقيع 6 من أعضاء مجلس المحافظة.
من التلفزيون إلى الشارع
وبحسب المعلومات التي تابعتها شفق نيوز، فإن شرارة التصعيد الأخيرة بدأت عقب مقابلة تلفزيونية لقيادات في الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، تناولت الأوضاع في خانقين والتغييرات التي شهدتها المنطقة بعد أحداث 16 تشرين الأول 2017.
وركزت التصريحات على ما وصفته القيادات الكوردية بعمليات "تعريب وتغيير ديموغرافي"، إلى جانب التأكيد على ضرورة تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي لمعالجة أوضاع المناطق المتنازع عليها.
لكن الطرح لم يمر من دون ردود فعل، إذ شهدت مواقع التواصل والأوساط المحلية في بعض المناطق المجاورة لخانقين موجة اعتراض على تلك التصريحات، وصلت لدى بعض الأطراف إلى المطالبة بمقاضاة الشخصيات التي تحدثت عن الملف، فضلاً عن رفض الدعوات إلى تنفيذ المادة 140 والتشكيك بالأساس الذي تستند إليه، ومع اتساع السجال، انتقل الملف من التصريحات والردود الإعلامية إلى اجتماعات سياسية ومدنية داخل خانقين.
اجتماع الأحزاب.. تظاهرة بعلمين وشعارين
وأول أمس الأحد، عقدت الأطراف السياسية الكوردستانية اجتماعاً في المركز الثقافي بمدينة خانقين لبحث التطورات ومناقشة آلية التعامل مع ردود الفعل التي أعقبت إثارة ملف المادة 140.
وقال مصدر حضر الاجتماع لوكالة شفق نيوز إن المجتمعين اتفقوا على تنظيم تظاهرة جماهيرية سلمية وسط خانقين للمطالبة بتنفيذ المادة 140 وبقية البنود الدستورية ذات الصلة، مع التشديد على أن التحرك لا يستهدف أياً من مكونات المدينة.
وبحسب المصدر، تضمنت التفاهمات أن ترفع خلال التظاهرة راية جمهورية العراق إلى جانب راية إقليم كوردستان، وأن تكتب الشعارات باللغتين العربية والكوردية، مع فتح المجال أمام مشاركة مختلف المكونات الأصلية في خانقين.
ويقول المصدر، إن النقاش داخل الاجتماع ركز بصورة خاصة على الفصل بين الاعتراض على "التغيير الديموغرافي المنظم" وبين وجود المواطنين العرب في خانقين، إذ شدد المجتمعون على أن "العرب شركاء حقيقيون في خانقين وبقية المناطق"، وأن الاعتراض ينصب على أية إجراءات منظمة تهدف إلى تغيير التركيبة السكانية، وليس على مكون بعينه.
كما اتفق المجتمعون، وفق المصدر ذاته، على الالتزام الكامل بالتوجيهات والتعليمات الأمنية، والابتعاد عن أية شعارات أو ممارسات يمكن أن تؤدي إلى تأجيج التوتر القومي أو الطائفي.
"المادة 140 ليست ضد مكون"
وأفاد المصدر بأن الاجتماع ناقش أيضاً طبيعة الخطاب الذي ينبغي أن يرافق التجمع، إذ جرى التأكيد على أن المطالبة بتنفيذ المادة 140 يجب أن تقدم باعتبارها مطالبة بتطبيق مادة واردة في الدستور العراقي، وليس باعتبارها أداة لمواجهة مكون اجتماعي أو قومي.
وأشار المجتمعون، وفق المصدر، إلى أن نطاق المادة 140 لا يرتبط بخانقين وحدها، وأن معالجة التغييرات السكانية والإدارية التي يستهدفها النص الدستوري ترتبط بمناطق أخرى في العراق أيضاً.
ولهذا، جرى الاتفاق على أن تركز الشعارات العربية والكوردية على التعايش والسلم المجتمعي ووحدة أبناء خانقين، وأن تكون المطالب موجهة إلى المؤسسات الدستورية في الدولة.
تحرك مدني موازٍ
وعلى وقع الاجتماع السياسي، عقد ناشطون مدنيون اجتماعاً آخر في قاعة دار الشهيد سلام الثقافي في خانقين، لمناقشة الاستعدادات الخاصة بالتجمع وآليات تنظيمه.
وبحسب مصدر مطلع تحدث لوكالة شفق نيوز، فإن الاجتماع المدني شدد هو الآخر على سلمية التحرك ورفض أي خطاب يحمل بعداً قومياً أو طائفياً أو عرقياً، وعلى ضرورة أن تكون المطالب محصورة بتطبيق الدستور العراقي ومعالجة الملفات الخلافية عبر الأطر القانونية.
كما طُرح خلال الاجتماع أن يكون للجمهور والفعاليات المدنية دور أساسي في قيادة التجمع، وألا تتحول الفعالية إلى منصة للصراع الحزبي أو تصفية الحسابات السياسية.
وبذلك، كانت التحضيرات تسير باتجاه تظاهرة تحمل خطاباً يقوم، وفق منظميها، على معادلة دقيقة: المطالبة بالمادة 140 ورفض التغيير الديموغرافي من جهة، والتأكيد على الشراكة بين الكورد والعرب وبقية مكونات خانقين من جهة أخرى.
"الدلوي" يدخل على خط الأزمة
بالتزامن مع ذلك، دخل القيادي السابق في الحشد الشعبي "أبو منتظر الدلوي" على خط السجال، بعد أيام من إعلان انضمامه إلى أحد الأحزاب الكوردية في خانقين.
وفي مقطع مصور نشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، دعا الدلوي إلى التعامل مع خانقين باعتبارها مدينة "عراقية كوردستانية" بعيداً عن الانحيازات الطائفية والعرقية، مطالباً بتطبيق المادة 140 مع ضمان حقوق جميع المكونات وعدم تدخل الأطراف في شؤون المناطق الأخرى، وذلك في سياق رده على تصريحات منسوبة إلى قيادي في تنظيمات بدر في ناحية جلولاء، كان قد انتقد الطروحات الكوردية المتعلقة بالمادة 140، ليتحول السجال بذلك من نقاش بشأن مادة دستورية إلى مواجهة أوسع في الخطاب السياسي والإعلامي بشأن هوية المنطقة ومستقبلها.
ومع تصاعد حدة السجال، وبحسب مصدر امني في ديالى، فقد اعتقلت قوة امنية "الدلوي"، في قضاء خانقين، بتهمة "إثارة النعرات الطائفية والعنصرية والقومية".
في المقابل أخبر مسؤولون محليون ضمن الاتحاد الوطني بالمحافظة، وكالة شفق نيوز، عدم علمهم بصدر مذكرة الاعتقال.
التظاهرة تتوقف قبل انطلاقها
هذه التطورات دفعت ملف التظاهرة إلى منعطف جديد؛ إذ قررت هيئة المشرفين على التجمع الجماهيري في خانقين تعليق الفعالية مؤقتاً، بعدما كانت التحضيرات تتجه إلى تنظيمها وسط المدينة.
وجاء القرار وسط مخاوف لدى الجهات المنظمة من الأوضاع الأمنية المحيطة بالفعالية واحتمال تعرض المشاركين أو المنظمين لمخاطر، فيما تقرر إرسال وفد يمثل خانقين إلى بغداد لطرح مطالب المنطقة أمام رئيس الجمهورية والمسؤولين والجهات العليا المعنية.
وعقب ذلك، أعلنت الأحزاب الكوردستانية في خانقين دعمها الكامل لتعليق التجمع، وقالت في بيان مشترك اطلعت عليه وكالة شفق نيوز إن القرار اتخذ "حصراً حرصاً على أمن المواطنين وسلامتهم وحماية أرواحهم وممتلكاتهم".
وأضافت أن إجراءات الأمن والحماية المخصصة للتجمع، وبحسب المعلومات المتوافرة لديها، "لم تكن بالمستوى المطلوب، ولم تكن كافية لضمان سلامة المشاركين".
الأحزاب الكوردية تطالب بإطلاق المعتقلين والغاء أوامر القبض
وفي مؤشر على انتقال الأزمة إلى مستوى آخر، طالبت الأحزاب الكوردستانية في بيانها بـ"الإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، وإلغاء أوامر القبض الصادرة بحق الشخصيات السياسية والناشطين والشباب"، معتبرة أن مشاركتهم جاءت في إطار "التعبير السلمي والمدني عن مطالب دستورية ومشروعة".
كما اعتبرت أن الحراك الشعبي في خانقين وجلولاء والسعدية ومندلي وقرة تبة وجبارة أوصل رسالة بشأن ما وصفته بـ"انتهاك المادة 140 من الدستور وتجاهل الحقوق الدستورية لأهالي هذه المناطق".
وطالبت الأحزاب "الرئاسات الأربع في العراق وممثلي الكورد في بغداد" بالتحرك والاستجابة لمطالب أهالي المنطقة والعمل على معالجتها وفق الأطر الدستورية والقانونية.
وفي الوقت نفسه، دعت الجماهير إلى الالتزام بتعليق الفعاليات مؤقتاً، حفاظاً على الأمن والاستقرار، إلى حين استكمال وفد خانقين اجتماعاته وتحركاته في العاصمة بغداد.
من الشارع إلى بغداد
وهكذا، تحولت قضية بدأت بتصريحات في برنامج تلفزيوني خلال أيام قليلة إلى سجال سياسي ومجتمعي، ثم إلى اجتماعات حزبية ومدنية ودعوة لتظاهرة جماهيرية، قبل أن تدخل أنباء أوامر القبض والمخاوف الأمنية على الخط وتدفع باتجاه تعليق التحرك ونقل الملف إلى بغداد.
لكن جوهر الأزمة يبقى أقدم بكثير من التطورات الأخيرة؛ فالمادة 140، التي أقرها الدستور العراقي لمعالجة أوضاع المناطق المتنازع عليها، ما تزال واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وحساسية في العلاقة بين بغداد وأربيل وفي عدد من مناطق محافظة ديالى.
وفي خانقين تحديداً، أعادت التطورات الأخيرة إلى الواجهة أسئلة الهوية والتغييرات السكانية والإدارية وحدود القضاء وحقوق مكوناته، وهي ملفات ظلت موضع خلاف سياسي واجتماعي لسنوات.
وبين من يرى في المادة 140 مساراً دستورياً لمعالجة آثار سياسات وتغييرات سابقة، وبين أطراف تعترض على الطرح الكوردي وطريقة توصيف الواقع في المنطقة، تحاول القوى المحلية في خانقين إبقاء الخلاف داخل المسار السلمي والقانوني.
أما الاختبار التالي، فلم يعد في شوارع خانقين بعد تعليق التجمع، بل انتقل إلى بغداد، حيث ينتظر أن يحمل وفد المدينة مطالبها إلى المؤسسات العليا، في محاولة لاحتواء أزمة أعادت ملف المناطق المتنازع عليها إلى الواجهة من جديد.
وتنص المادة 140 على إزالة سياسات ديموغرافية أجراها نظام صدام حسين في المناطق المتنازع عليها لصالح العرب على حساب الكورد، ومن ثم إحصاء عدد السكان قبل الخطوة الأخيرة التي تتمثل في إجراء استفتاء يحدد السكان بموجبه فيما إذا كانوا يرغبون بالانضمام لاقليم كوردستان أو البقاء تحت إدارة بغداد.
وكان من المقرر الانتهاء من مراحل تنفيذ المادة حتى نهاية 2007 لكن المشاكل الأمنية والسياسية حالت دون ذلك.
وقضت المحكمة الاتحادية العليا في عام 2019 ببقاء سريان المادة (140) من دستور جمهورية العراق، وأكدت أن ذلك يستمر لحين تنفيذ مستلزماتها وتحقيق الهدف من تشريعها.