هل تُحرك منصات التواصل الاجتماعي القرار السياسي في العراق؟
شفق نيوز- بغداد
يبلغ عدد مستخدمي الإنترنت في العراق نحو 39.6 مليون شخص، أي ما يقارب 83.8% من السكان، فيما بلغ عدد هويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي نحو 40.1 مليون هوية، بحسب أحدث البيانات الرقمية المتاحة حتى تشرين الأول/ أكتوبر 2025.
وتعكس هذه الأرقام تحولاً متزايداً في طبيعة المجال العام العراقي، بعدما أصبحت منصات مثل "فيسبوك" و"تيك توك" و"إكس" و"تليغرام" ساحات لطرح القضايا العامة، وتوثيق المشكلات، وتشكيل الرأي العام، وأحياناً الضغط على المؤسسات الحكومية والتشريعية.
وفي هذا السياق، يرى المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق أن خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تؤدي دوراً متزايداً في تحديد أولويات النقاش السياسي، من خلال آليات ترتيب المحتوى وإبراز الموضوعات الأكثر تفاعلاً، وهو ما يسهم في توجيه اهتمام الجمهور وتحديد القضايا التي تحظى بالانتشار.
ويقول مسؤول في المركز لوكالة شفق نيوز، إن الخوارزميات لم تعد مجرد أدوات تقنية لتنظيم المحتوى، وإنما أصبحت عاملاً مؤثراً في تشكيل توجهات الرأي العام وصناعة ما يمكن وصفه بـ"الأجندة الرقمية"، خصوصاً مع اعتماد شريحة واسعة من المواطنين على المنصات مصدراً للأخبار والمعلومات السياسية.
ويحذر في الوقت نفسه من أن هذا التأثير قد يتحول إلى عامل ضغط على النقاش الديمقراطي عندما تضخم الخوارزميات المحتوى المثير أو المضلل، أو تعزز الاستقطاب، أو تحصر المستخدمين داخل ما يعرف بـ"فقاعات المعلومات".
ويشير إلى أن الخوارزمية أصبحت بذلك شريكاً غير مباشر في صناعة الأجندة السياسية، من دون أن تكون بديلاً عن المؤسسات السياسية والإعلامية، داعياً شركات التواصل إلى تعزيز الشفافية بشأن آليات عمل الخوارزميات ومكافحة التضليل وخطاب الكراهية، بالتوازي مع رفع مستوى الوعي والمهارات الرقمية لدى المواطنين.
تأثير متبادل
من جهته، يرى رئيس المرصد العراقي للحريات الصحفية وعضو مجلس نقابة الصحفيين العراقيين، هادي جلو مرعي، أن طبيعة الأوضاع السياسية وحركة المجتمع العراقي جعلت مواقع التواصل "دار استراحة للجميع"، يلجأ إليها المواطن للكشف عن همومه ومعاناته وهواجسه وانتقاداته وآرائه ومعتقداته.
ويقول مرعي لوكالة شفق نيوز، إن السياسي نفسه جزء من هذه الحالة الاجتماعية، وغالباً ما يستخدم مواقع التواصل للوصول إلى الجمهور، ولذلك أصبح متأثراً بها بقدر تأثيره من خلالها، الأمر الذي يجعلها أداة يلجأ إليها السياسي، وفي الوقت نفسه مصدراً للقلق بالنسبة إليه.
وهذا التفاعل بين السياسي والجمهور الرقمي يفسر جانباً من التحول الذي شهدته عملية صناعة الرأي العام في العراق؛ فالقضية التي كانت تحتاج في السابق إلى وسيلة إعلام تقليدية للوصول إلى جمهور واسع، بات بإمكانها اليوم الانتشار من خلال منشور أو مقطع فيديو يصوره مواطن بهاتفه.
قوة الجمهور الرقمي
ومن هنا، يمكن أن تنتقل قضية خدمية أو حادثة محلية خلال ساعات من نطاق جغرافي محدود إلى نقاش وطني، خصوصاً إذا التقطتها الصفحات الإخبارية والحسابات المؤثرة وانتقلت بين أكثر من منصة.
وفي هذا الجانب، يقول النائب السابق، حسين عرب، إن القرارات السياسية أصبحت تتأثر بصورة متزايدة بما تفرزه وسائل التواصل الاجتماعي من مواقف شعبية وحزبية، مبيناً أن وجهة النظر الشعبية يمكن أن تؤثر في القرارات السياسية، بل وتدفع أحياناً إلى التراجع عنها.
ويضيف عرب لوكالة شفق نيوز، إن التعبير عن الرأي انتقل من المنشورات التقليدية التي كانت تحتاج إلى وسائل محدودة للوصول إلى الجمهور إلى النشر الإلكتروني واسع الانتشار، مشيراً إلى أن حركات الاحتجاج والثورات في العالم أصبحت قادرة على الانطلاق من صفحات "فيسبوك" والمنصات الأخرى.
ويخلص إلى أن مواقع التواصل باتت "أداة ضاغطة" على القرارات الحكومية والتشريعية، خصوصاً عندما يتحول التفاعل الإلكتروني إلى موقف جماهيري واسع.
رصد التأثير الحقيقي
لكن حجم التأثير لا يمكن قياسه بعدد المستخدمين وحده، فالقوة السياسية لـ"الترند" تعتمد على مجموعة من المؤشرات، أبرزها حجم التفاعل، وسرعة الانتشار، ونطاق الوصول، واتجاه التفاعل، واستمراره، ثم النتيجة السياسية التي تترتب عليه.
ويبدأ القياس من حجم التفاعل، أي عدد المنشورات والتعليقات والمشاركات والمشاهدات، ثم سرعة صعود الوسم أو القضية إلى ذروة التداول، كما يمكن رصد مدى انتقال الموضوع بين المنصات، من فيديو ينتشر على "تيك توك" مثلاً إلى نقاش على "فيسبوك" أو "إكس"، ثم إلى وسائل الإعلام التقليدية.
ويُضاف إلى ذلك تحليل اتجاه التفاعل لمعرفة ما إذا كان الجمهور مؤيداً للقرار أم رافضاً له، مع ضرورة الحذر من مساواة النشاط الرقمي بالرأي العام، لأن بعض الحملات قد تكون منظمة أو مدفوعة أو مدعومة بحسابات آلية.
تعدد مسارات التأثير
كما تختلف وظيفة المنصات في صناعة الضغط السياسي العراقي، فـ"تيك توك" يتميز بسرعة الانتشار الفيروسي، ولا سيما في مقاطع المناشدات والتوثيق والمشكلات الخدمية، فيما يمثل "فيسبوك" مساحة أوسع للنقاش المجتمعي والمجموعات والصفحات المحلية.
أما "إكس"، وعلى الرغم من صغر قاعدة مستخدميه مقارنة ببعض المنصات الأخرى في العراق، فهو يحظى بأهمية سياسية بسبب وجود السياسيين والنواب والوزراء والصحفيين والمؤسسات الرسمية عليه، ما يجعل انتقال قضية إليه أكثر ارتباطاً بالنخبة السياسية.
في المقابل، يؤدي "تليغرام" دوراً مهماً في تداول الأخبار العاجلة والقنوات والمجموعات، بينما يتيح "يوتيوب" مساحة أكبر للمحتوى التحليلي والتحقيقات والبرامج السياسية، ويعتمد "إنستغرام" بدرجة أكبر على المحتوى البصري وصناع المحتوى والمؤثرين.
وبذلك، لا تعمل المنصات بالضرورة بصورة منفردة، بل قد تنتقل القضية من منصة إلى أخرى قبل أن تصل إلى وسائل الإعلام والمؤسسات السياسية.
بين الضغط والشائعات
وبناءً على ذلك، يرى المحلل السياسي، أحمد يوسف، أن مواقع التواصل لم تعد منصات للترفيه والتواصل فحسب، وإنما تحولت إلى محور مؤثر في الحياة السياسية وصنع القرار، بعدما أصبح ملايين الأشخاص قادرين على التعبير والضغط بطريقة لم تكن متاحة سابقاً.
ويقول يوسف لوكالة شفق نيوز، إن بعض القرارات الحكومية يمكن أن تتعرض للسحب أو التعديل تحت ضغط حملات جماهيرية واسعة على الإنترنت، لكنه يحذر في الوقت نفسه من الأخبار الكاذبة والتضليل وطغيان العاطفة.
ويشدد على ضرورة ألا يعتمد صانع القرار بصورة كلية على ما يتداول في مواقع التواصل، بل أن يقارن المعلومات المتداولة مع مصادر رسمية ومستقلة أخرى لتفادي الوقوع في فخ الشائعات.
ويرى في الختام أن المرحلة المقبلة تتطلب نشر ثقافة رقمية نقدية، ووضع أطر تنظيمية عادلة تحافظ على حرية التعبير وتكافح التضليل في الوقت نفسه، إلى جانب تطوير مؤسسات قادرة على الاستجابة السريعة للمطالب العامة من دون التخلي عن التحقق والعقلانية.