"أميركا أولاً" في بغداد.. ماذا يخطط توم باراك لعراق "الأزمات المترابطة"؟

"أميركا أولاً" في بغداد.. ماذا يخطط توم باراك لعراق "الأزمات المترابطة"؟ توم باراك
2026-06-02T09:49:55+00:00

شفق نيوز- بغداد/ واشنطن/ لندن

يوصف توم باراك (79 عاماً) بأنه أكثر من مجرد دبلوماسي أميركي تقليدي، فالرجل الذي ينحدر من أصول لبنانية، ويتحدث العربية، ويجمع بين خلفية رجل الأعمال والمستثمر وعلاقاته الوثيقة بالرئيس الأميركي دونالد ترمب، بات خلال الأشهر الأخيرة أحد أبرز مهندسي السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.

ويرى مراقبون أن تعيينه مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى العراق وسوريا، يضعه في قلب الملفات الأكثر حساسية بالنسبة لواشنطن، من النفوذ الإيراني والفصائل المسلحة إلى الطاقة والاستثمارات ومستقبل الترتيبات الإقليمية.

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أول أمس الأحد، تعيين سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توم باراك مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى العراق وسوريا، مع احتفاظه بمنصبه سفيراً في أنقرة، مؤكداً أن المهمة الجديدة تأتي في إطار تعزيز التعاون الاستراتيجي مع حكومتي بغداد ودمشق.

وجاء القرار بعد يوم واحد فقط من إعلان وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، انتهاء مهمة باراك كمبعوث خاص إلى سوريا، قبل أن يتضح لاحقاً أن الإدارة الأميركية تتجه إلى توسيع صلاحياته بدلاً من إنهائها.

ويمثل القرار، بحسب باحثين ومراقبين تحدثوا لوكالة شفق نيوز، مؤشراً على تحول أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع العراق، من ملف مستقل يدار عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، إلى جزء من منظومة إقليمية مترابطة تشمل سوريا وتركيا وإيران والخليج.

هندسة إقليمية

وفي هذا السياق، يرى الباحث في العلاقات الدولية وشؤون الشرق الأوسط بجامعة تينيسي، دلير خلف أوسمان، أن دمج الملفين العراقي والسوري تحت إشراف مبعوث واحد يعكس تحولاً جوهرياً في الاستراتيجية الأميركية.

ويقول أوسمان لوكالة شفق نيوز، إن الولايات المتحدة لم تعد تتعامل مع العراق باعتباره ملفاً منفصلاً بخصوصياته الداخلية، بل كجزء من هندسة أمنية وجيوسياسية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل توازنات المنطقة وتقليص النفوذ الإيراني.

ويعتقد أن هذا التوجه يمثل انتقالاً من المقاربة الأميركية التي سادت منذ عام 2003، والتي ركزت على الديمقراطية والتنمية وبناء المؤسسات، إلى مقاربة تضع الأمن الإقليمي وتوازنات القوى في مقدمة الأولويات.

ويضيف أن خلفية باراك وعلاقته المباشرة بترمب وعقيدة "أميركا أولاً" التي يتبناها الرئيس الأميركي تكشف أن اهتمامه سينصب على تعزيز الدولة المركزية وقدراتها الأمنية أكثر من الانشغال بملفات الديمقراطية والفيدرالية والتعددية السياسية.

إنهاء مهمة سافايا

وفي واشنطن، يكشف كبير الباحثين في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، باتريك كلاوسون، أن تعيين باراك لا يمثل تحولاً مفاجئاً بقدر ما يكرّس واقعاً قائماً.

ويقول كلاوسون لوكالة شفق نيوز، إن التعيين المشترك لباراك في العراق وسوريا وتركيا "استمرار لسياسة قائمة يقودها بالفعل منذ فترة"، مشيراً إلى أنه أصبح شخصية محورية في إدارة ملفات المنطقة، بما يشمل لبنان أيضاً.

ويكشف الباحث الأميركي أن المبعوث السابق للعراق، مارك سافايا، أُقيل فعلياً من منصبه من دون إعلان رسمي، معتبراً أن القرار "حظي بترتيب وترحيب واسع داخل وزارة الخارجية الأميركية وداخل العراق".

ويضيف، أن سافايا، وهو رجل أعمال من ولاية ميشيغان وينحدر من أصول كلدانية عراقية (من سهل نينوى)، لم يمتلك خلفية دبلوماسية تؤهله لإدارة ملف معقد بحجم العراق، وأن تجربته انتهت عملياً قبل أن تبدأ.

نهج غير تقليدي

ومن بغداد، يرى الكاتب والمحلل السياسي، علي البيدر، أن تعيين باراك لا يبدو خطوة بروتوكولية عابرة، بل مؤشراً إلى أن واشنطن تريد إدارة علاقتها مع بغداد عبر قنوات سياسية مرتبطة مباشرة بالبيت الأبيض.

ويقول البيدر لوكالة شفق نيوز، إن المهمة الجديدة تأتي ضمن إطار تعزيز التعاون الاستراتيجي مع العراق، لكنها في الوقت ذاته تعكس رغبة الإدارة الأميركية في إعادة ترتيب ملفات المنطقة كوحدة مترابطة تشمل العراق وسوريا وتركيا وإيران ولبنان أيضاً.

ويضيف أن الجمع بين منصب السفير في تركيا ومهمة المبعوث الخاص للعراق وسوريا يكشف اهتماماً أميركياً بملفات الطاقة والتوازنات الإقليمية وأمن الحدود، فضلاً عن الاستفادة من علاقات باراك الشخصية وقدرته على الجمع بين الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية.

ويعتقد البيدر، أن واشنطن تسعى أيضاً إلى إدارة ملفات الوجود العسكري الأميركي والتحالف الدولي والعلاقة مع الفصائل المسلحة بصورة أكثر مباشرة، مع التركيز على منع أي تصعيد قد يهدد المصالح الأميركية.

ضبط الفصائل

وبينما تتعدد الملفات المطروحة أمام المبعوث الجديد، يضع كلاوسون قضية الفصائل المسلحة في مقدمة الأولويات الأميركية، ويقول إن الهدف العاجل والأكبر لواشنطن يتمثل في تحجيم نفوذ الحشد الشعبي وضمان عدم تأثيره على تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، إلى جانب الضغط على بغداد لفرض سيطرتها الكاملة على الفصائل المسلحة ومنع أي استهداف للقوات أو المصالح الأميركية.

ويشير إلى أن أجندة باراك لا تقتصر على الملفات الأمنية، بل تمتد إلى العلاقات الاقتصادية وصادرات النفط العراقي والتعاون الاستثماري.

ويتقاطع هذا التقدير مع ما يراه عدد من المراقبين الذين يعتبرون أن واشنطن تنظر إلى العراق حالياً من خلال ثلاثة ملفات رئيسية، سلاح الفصائل وتقليص النفوذ الإيراني وإعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، خاصة في قطاعات الطاقة والغاز والكهرباء والمصارف.

"رجل ترمب"

من جهته، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة إكستر البريطانية، هيثم الهيتي، إن إعادة تعيين باراك أغلقت الباب أمام التكهنات التي أحاطت بمستقبله خلال الأسابيع الماضية.

ويضيف الهيتي لوكالة شفق نيوز، أن الرجل لعب دوراً محورياً في التحولات التي شهدتها سوريا خلال المرحلة الماضية، وأن تصريحاته في دمشق وبيروت وبغداد أظهرت مقاربة مختلفة عن الخطاب الأميركي التقليدي المرتبط بالديمقراطية والانتخابات.

ويصف الهيتي، باراك، بأنه شخصية واقعية وصريحة تنظر إلى المنطقة من زاوية تكويناتها الاجتماعية والعشائرية والتاريخية، أكثر من النظر إليها من خلال القوالب الديمقراطية الغربية التقليدية.

ويشير إلى أن خلفيته كرجل أعمال، وأصوله اللبنانية، وتخصصه في التاريخ والقانون، كلها عوامل تمنحه فهماً عميقاً لتركيبة الشرق الأوسط وتعقيداته.

ويرى الهيتي، أن باراك يميل إلى دعم الدول المركزية القوية بدلاً من النماذج القائمة على المحاصصة والانقسامات الطائفية، معتبراً أنه يمثل أحد أبرز وجوه التيار الترامبي الساعي إلى إعادة صياغة السياسة الأميركية في المنطقة.

مواجهة النفوذ الإيراني

ورغم الثقة التي تمنحها الإدارة الأميركية لباراك، إلا أن مهمته في العراق تبدو أكثر صعوبة من الملف السوري، حيث يقول أوسمان إن أكبر التحديات التي ستواجهه تتمثل في النفوذ الإيراني العميق داخل العراق، والذي يمتد إلى السياسة والاقتصاد والأمن، بخلاف المشهد السوري الذي كان الدور التركي فيه أكثر وضوحاً وتأثيراً.

ويضيف أن العراق يضم مراكز قوة متعددة ومترابطة، من الحكومة والأحزاب والفصائل المسلحة إلى القوى الكوردية والفاعلين الإقليميين، ما يجعل أي محاولة لإعادة تشكيل التوازنات مهمة شديدة التعقيد.

فرصة أم تهديد؟

في المقابل، لا يتفق الجميع مع الرؤية المتفائلة حيال تعيين باراك، فالسياسي العراقي البارز، مثال الآلوسي، يرى أن العراق والمنطقة بحاجة إلى "أميركا المؤسسات" أكثر من حاجتهما إلى مبعوث مقرب من الرئيس الأميركي.

ويقول الآلوسي لوكالة شفق نيوز، إن بعض مواقف باراك وتصريحاته تثير تساؤلات بشأن فهمه للديمقراطية والتعددية السياسية، محذراً من أن التعامل مع العراق بالطريقة ذاتها التي جرى التعامل بها مع الملف السوري قد لا يخدم تطوير الشراكة الاستراتيجية بين بغداد وواشنطن.

ويضيف أن تكليف باراك قد يُفسر من قبل بعض الأطراف باعتباره تراجعاً عن المقاربة المؤسسية الأميركية التقليدية، أو رسالة رمادية حيال التوسع الإيراني والتركي في المنطقة.

أما الباحث في الشأن السياسي زياد العرار، فيرى أن تعيين باراك يعكس اهتماماً أميركياً متزايداً بالعراق خلال المرحلة المقبلة.

ويقول العرار لوكالة شفق نيوز، إن العراق سيكون جزءاً أساسياً من المشهدين الإقليمي والدولي، في ظل ملفات معقدة تتعلق بالسلاح والاقتصاد والعلاقات الخارجية وطبيعة النظام السياسي.

ويتابع أن واشنطن تبدو راغبة في البناء على ما بدأته خلال الأشهر الماضية، والعمل مع الحكومة العراقية بصورة أكثر كثافة، وهو ما يفسر اختيار شخصية بحجم باراك لهذه المهمة الحساسة.

  

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon