من الحظر إلى المنافسة.. "ويز" يبقى في العراق وبدائل محلية تبحث عن موطئ قدم
بغداد- شفق نيوز
بعد أسابيع من الجدل بشأن حظر تطبيق الملاحة "ويز" (Waze) في العراق، وما رافقه من مواقف متباينة حول مستقبل التطبيق، حسمت هيئة الإعلام والاتصالات الجدل باستبعاد حظره، في تحول أعاد النقاش إلى قدرة المبرمجين العراقيين على تطوير بدائل محلية قادرة على المنافسة، بدلاً من فرضها على المستخدمين بقرارات المنع.
وكان وزير الاتصالات مصطفى سند قد أعلن عزمه حظر التطبيق بسبب منشئه الإسرائيلي، وحدد مطلع عام 2027 موعداً لتنفيذ القرار، ثم قدّمه إلى نهاية كانون الأول 2026، غير أنه عاد ليؤكد، أول أمس الخميس (22 تشرين الثاني الجاري)، عدم وجود حظر حالياً، مع تمسكه بموقفه السابق وتوقعه تراجع استخدام "ويز" مع ظهور تطبيقات عراقية منافسة.
وجاء الموقف الأكثر حسماً من رئيس الجهاز التنفيذي لهيئة الإعلام والاتصالات بليغ أبو كلل، الذي استبعد حظر التطبيق، موضحاً أنه بات مملوكاً لشركة "غوغل"، وأن العراق يتعامل مع خدمات الشركة، ودعا في الوقت نفسه إلى تطوير تطبيقات عراقية منافسة، وترك حرية الاختيار للمستخدمين.
وقال أبو كلل، خلال مشاركته في منتدى "حوكمة الإنترنت" في بغداد، إن حظر أحد تطبيقات "غوغل" بسبب جنسية مطوريه الأوائل أمر غير وارد، مؤكداً دعم الهيئة لوزارة الاتصالات والمبرمجين العراقيين في تطوير بدائل محلية، لكنه أقرّ بأن المهمة ليست سهلة.
وبذلك، انتقل الجدل من مصير التطبيق العالمي إلى فرص المنافسة في سوق الملاحة الرقمية العراقية، ومدى قدرة الشركات المحلية على تقديم خدمات تضاهي التطبيقات المستخدمة منذ سنوات، ولا سيما في دقة الخرائط ومعلومات الازدحام وحماية بيانات المستخدمين.
بدائل عراقية في مواجهة المنافسة
وفي خضم النقاش بشأن حظر "ويز"، كشف وزير الاتصالات مصطفى سند، في تصريح لوكالة شفق نيوز، أن عدداً من المبرمجين العراقيين والشركات المحلية قدّموا إلى الوزارة عروضاً لتطبيقات متخصصة بالخرائط ومراقبة حركة مرور السيارات.
وأكد سند، أن الوزارة تلقت مقترحات متعددة من مطورين محليين، معرباً عن اعتقاده بأن ظهور هذه التطبيقات سيؤدي إلى تراجع الاعتماد على "ويز"، وصولاً إلى بقائه تطبيقاً قليل الاستخدام خلال المرحلة المقبلة.
وأثارت التصريحات المتعلقة بالحظر اهتمام عدد من المبرمجين العراقيين، الذين عرض بعضهم مشاريع وتطبيقات محلية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وسط نقاش بشأن إمكانية تحويل هذه المبادرات إلى منتجات قادرة على تلبية احتياجات المستخدمين.
وفي هذا السياق، يرى مطور البرمجيات مؤمل تحسين علي، أن القضية ينبغي النظر إليها من زاويتين هما السيادة الرقمية ومصلحة المواطن، مع ضرورة التمييز بين بناء بديل وطني قوي وفرضه عبر حظر التطبيقات الموجودة.
ويقول علي لوكالة شفق نيوز إن "امتلاك العراق منظومة خرائط وبيانات جغرافية وطنية يمثل خطوة مهمة نحو بناء قطاع رقمي مستقل"، داعياً إلى دعم الشركات والمبرمجين العراقيين لإنتاج تطبيقات تستطيع المنافسة عالمياً، وليس الاكتفاء بتطوير بدائل للاستخدام المحلي.
لكنه يحذّر في المقابل من أن حظر تطبيق يعتمد عليه المواطنون يومياً يحتاج إلى تقييم تقني مسبق، خصوصاً أن أي بديل محلي مطالب بإثبات كفاءته وقدرته على تقديم خدمة مستقرة وآمنة.
ويضيف أن "التطبيق المحلي ليس بالضرورة أكثر أماناً أو كفاءة لمجرد أنه محلي"، مشدداً على أن مفهوم السيادة الرقمية لا يمكن اختزاله في حظر تطبيق أجنبي، وإنما يتطلب بناء منظومة وطنية متكاملة لحماية البيانات وتطوير الخدمات.
ويعتقد علي، أن أفضل وسيلة لدعم المنتج العراقي تتمثل في تقديم بديل موثوق، ونشر نتائج الاختبارات التقنية الخاصة به، وإتاحة المنافسة بين الشركات المحلية وفق معايير واضحة، بدلاً من دفع المستخدمين إلى خيار واحد.
ثقة المستخدمين هي الاختبار
ولا تقتصر التحديات التي تواجه تطبيقات الملاحة العراقية على تصميم الخرائط أو توفير واجهات الاستخدام، بل تشمل أيضاً دقة تحديد المواقع، وتحديث معلومات الطرق والازدحامات، واستقرار الخدمات، فضلاً عن حماية البيانات الشخصية.
ويقول المبرمج ومصمم الألعاب مصطفى باسل محمد لوكالة شفق نيوز، إن المعيار الحقيقي لنجاح أي تطبيق عراقي لا يكمن في حمله صفة المنتج الوطني، ولا في الحملات الترويجية التي ترافق إطلاقه، وإنما في التجربة الفعلية للمستخدم والقيمة التي تقدمها الخدمة.
ويوضح محمد أن المبرمجين العراقيين قادرون على تطوير تطبيقات منافسة، لكن نجاحها يتطلب إثبات كفاءتها من خلال حماية بيانات المستخدمين، والالتزام بمعايير الأمان، وضمان استقرار النظام وعدم ظهور مشكلات تعيق الاستخدام اليومي.
ويشير إلى أن المطور الناجح هو من يقدم منتجاً يعالج مشكلة حقيقية، ويوفر مستوى من الخدمة يقارب ما تقدمه التطبيقات المعروفة، مؤكداً أهمية أن تكون التطبيقات الجديدة متاحة مجاناً، وألا تتحول إلى منصات للإعلانات الترويجية التي لا تخدم المستخدم.
ويدعو محمد الحكومة إلى فسح المجال أمام المطورين العراقيين لتقديم أفكارهم، والسماح بإطلاق أكثر من تطبيق، بما يمنع احتكار الخدمة أو إجبار المواطنين على استخدام برنامج محدد.
ويلفت إلى أن المشكلة لا تكمن في نقص قدرات المبرمج العراقي، بل في ضعف البيئة الحاضنة وغياب الدعم الحقيقي لصناعة البرمجيات بوصفها قطاعاً اقتصادياً منتجاً، يمكنه توفير فرص عمل وتطوير خدمات محلية قابلة للتوسع.
الحاجة إلى سياسة رقمية وطنية
من جانبها، ترى الخبيرة في تقنيات البرمجة والحاسوب، الدكتورة روشنا الجاف، أن الجدل بشأن "ويز" ينبغي أن يشكّل فرصة لإعادة النظر في سياسات دعم التطبيقات الرقمية، وتمكين المطورين العراقيين من تحويل أفكارهم إلى مشاريع عملية.
وتقول الجاف لوكالة شفق نيوز، إن على وزارة الاتصالات إفساح المجال أمام المبرمجين العراقيين لتقديم مشاريع وتطبيقات محلية رصينة، مشيرة إلى أن تنفيذ تلك المشاريع لا يشترط بالضرورة أن يكون محصوراً بالمطورين المحليين، ما دامت الأفكار والمبادرات العراقية قادرة على الإسهام في بناء خدمات وطنية.
وتشدد على أهمية الاستعانة بمتخصصين في البرمجة والأمن السيبراني عند تنفيذ المشاريع الرقمية، بما يضمن كفاءتها التقنية وحماية بيانات المستخدمين.
كما تدعو إلى وضع سياسة عراقية واضحة لإدارة قطاع الإنترنت والخدمات الرقمية، معربة عن استعدادها لتقديم دراسات وبيانات وخرائط إلى وزارة الاتصالات مجاناً، إذا كانت هناك خطوات جدية لتأسيس بنية رقمية عراقية آمنة وتطوير قطاع الاتصالات.
من قرار المنع إلى حرية الاختيار
ويعيد موقف هيئة الإعلام والاتصالات من تطبيق "ويز" طرح مسألة الصلاحيات التنظيمية المتعلقة بحجب التطبيقات والمواقع الإلكترونية، ولا سيما بعد إعلان وزارة الاتصالات توجهها السابق نحو حظر التطبيق.
وكان أبو كلل قد أكد، خلال مشاركته في منتدى حوكمة الإنترنت، أن للهيئة موقفاً بشأن حظر التطبيقات، محذراً من أن قرارات الحجب قد تتسبب بمشكلات في التعامل مع الشركات العالمية.
وفي موقفه الأخير، استبعد حظر "ويز" بسبب خلفيته الإسرائيلية، مشيراً إلى أن ملكيته الحالية تعود إلى "غوغل"، ومؤكداً دعم إنشاء بدائل وطنية مع ترك الخيار للمستخدمين.
ويُستخدم "ويز" في العراق منذ سنوات لتحديد المسارات ومتابعة حركة المرور والازدحامات، ويستفيد منه سائقون وعاملون في خدمات النقل والتوصيل، إلى جانب مستخدمين يعتمدون عليه في تنقلاتهم اليومية.