مزيج بين "الأنتيكات والشاي".. مقهى كركوكي يتحول إلى متحف للذكريات (صور)
شفق نيوز- كركوك
وسط أحد الأحياء القديمة في مدينة كركوك، يجلس الرجل الخمسيني أبو مراد عمر أحمد، بين مقتنياته العتيقة، وكأنه حارس لذاكرة زمن مضى.
داخل مقهى "ده ده لر يادكتر" والتي تعني بالعربية "مقهى الآباء والأجداد"، تختلط رائحة الشاي الساخن بصوت فناجين "الاستكانات"، فيما تروي الجدران حكايات عقود طويلة من تاريخ المدينة.
وللوهلة الأولى، يصدم الداخل إلى المقهى إعلان عُلّق عند المدخل كتب عليه: "يمنع دخول الشباب والأطفال دون سن 18 عاماً إلى المقهى"، في إشارة واضحة إلى رغبة صاحب المكان بالحفاظ على هدوء المقهى وطابعه التراثي الذي يجذب كبار السن ومحبي الماضي.
أبو مراد، الذي اتخذ من جمع "الأنتيكات" والأشياء التراثية مصدراً للعيش والرزق، لا يكتفي بعرض مقتنياته فحسب، بل يستقبل زبائنه بالقهوة والشاي وبقية المشروبات التي يطلبونها، وكأنه يريد أن يعيد لرواد المكان دفء المقاهي العراقية القديمة التي كانت تجمع الأصدقاء والوجهاء والكتّاب.
ويقول أبو مراد عمر أحمد، لوكالة شفق نيوز، إن "فكرة المقهى بدأت من شغفه القديم بجمع القطع التراثية والأدوات القديمة التي كانت تستخدم في المنازل العراقية قبل عشرات السنين"، مبيناً أن "أغلب تلك القطع حصل عليها من كبار السن أو من منازل قديمة أزيلت مع الزمن".
ويضيف أن "المقهى تحول مع مرور الوقت إلى مكان يقصده محبو التراث والباحثون عن الهدوء"، لافتاً إلى أن "بعض الزبائن يأتون فقط لمشاهدة المقتنيات القديمة والتقاط الصور معها، فيما يحرص آخرون على قضاء ساعات طويلة في لعب الدومينو والطاولي واحتساء الشاي".
وعلى جدران المقهى تتدلى صور شخصيات عراقية بارزة، من بينها صورة الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم، والرئيس العراقي السابق أحمد حسن البكر، إلى جانب ساعات جدارية قديمة، ومدفأة "علاء الدين"، وأوانٍ نحاسية، وجرة تاريخية يقول أبو مراد إنها صنعت سنة 300 للهجرة.
ولا تبدو المقتنيات المعروضة داخل المقهى مجرد ديكور عابر، بل أقرب إلى متحف شعبي مصغر يحاول صاحبه إنقاذ ما تبقى من ذاكرة المدينة، فكل قطعة تحمل قصة مختلفة، وبعضها يعود إلى عشرات السنين، فيما يؤكد أبو مراد أن "العديد من الأدوات باتت نادرة جداً ولم تعد موجودة حتى في بيوت كبار السن".
العودة إلى الماضي
بينما يقول أحد رواد المقهى، ويدعى حسن علي، لوكالة شفق نيوز، إن "المكان يختلف تماماً عن بقية مقاهي كركوك الحديثة"، مبيناً أن "الهدوء والطابع التراثي يجعلان الجالس يشعر وكأنه عاد إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي".
ووفقاً لحديث علي، فإن المقهى بات مقصداً للباحثين عن الراحة بعيداً عن الضوضاء والهواتف المحمولة والألعاب الإلكترونية، مشيراً إلى أن أغلب رواده من كبار السن والمتقاعدين الذين يجدون فيه مساحة لاستذكار الماضي وتبادل الأحاديث القديمة.
من جهته، يوضح أحمد رشيد، وهو أحد الزبائن الدائمين للمقهى، أن أكثر ما يلفت الانتباه هو اهتمام صاحب المكان بالتفاصيل الصغيرة، من طريقة تقديم الشاي إلى ترتيب الأدوات التراثية، مضيفاً أن الجالس يشعر وكأنه داخل بيت بغدادي أو كركوكي قديم.
ويشير إلى أن المقهى لا يعتمد على الموسيقى الصاخبة أو شاشات التلفاز الحديثة لجذب الزبائن، بل يعتمد على البساطة والهدوء والحنين إلى الماضي، وهو ما يجعله مختلفاً عن بقية المقاهي المنتشرة في المدينة.
مساحة ثقافية
أما عبدالله خليل، فيرى أن "ده ده لر يادكتر" ليس مجرد مقهى، بل مساحة ثقافية واجتماعية تجمع مختلف أطياف المجتمع الكركوكي، مؤكداً أن المكان أصبح معروفاً حتى لدى الزوار القادمين من خارج المحافظة.
وفي حديثه لوكالة شفق نيوز، يؤكد أن بعض السائحين والمهتمين بالتراث الشعبي يقصدون المقهى خصيصاً لرؤية القطع القديمة والتعرف على تفاصيل الحياة العراقية القديمة، خاصة أن العديد من الأدوات المعروضة اختفت من الاستعمال اليومي منذ عقود.
وفي زاوية أخرى من المقهى، يجلس عدد من الصم والبكم حول طاولات الدومينو والطاولي، يتبادلون الإشارات والضحكات بصمت، بينما تتصاعد أبخرة الشاي من أمامهم.
حيث يتابع أبو مراد، قائلاً إن هؤلاء من الزبائن الدائمين الذين اعتادوا المجيء يومياً تقريباً، مؤكداً أن المقهى يمثل لهم مكاناً مريحاً وهادئاً بعيداً عن صخب الشارع.
في حين، يتحدث أحد رواد المقهى، سمير جبار، لوكالة شفق نيوز، بالقول إن ما يميز المكان هو شعور الألفة الذي يمنحه للزبائن، موضحاً أن الجميع يعرف بعضه البعض، وأن الجلسات تمتد لساعات طويلة دون ملل.
ويلفت إلى أن المقهى حافظ على هويته القديمة رغم التطور الكبير الذي شهدته المدينة، موكداً أن كثيراً من المقاهي الحديثة فقدت روحها الاجتماعية، بينما بقي "ده ده لر يادكتر" محافظاً على بساطته وأصالته.
ورغم التغيرات السريعة التي طرأت على شكل الحياة في كركوك، ما يزال هذا المقهى الشعبي يقاوم الزمن بطريقته الخاصة، مستنداً إلى ذاكرة المكان وحنين رواده للماضي.
ففي كل زاوية من زواياه حكاية، وفي كل قطعة أثرية أثر لأشخاص رحلوا وبقيت مقتنياتهم شاهدة على زمن آخر. وبين فناجين الشاي ورائحة الخشب العتيق، يواصل أبو مراد استقبال زبائنه يومياً، حارساً لذاكرة مدينة لا تزال تبحث عن ملامحها القديمة وسط زحام الحداثة.