غزة تحت الركام.. تاريخ عمره آلاف السنين يواجه الاندثار (صور)

غزة تحت الركام.. تاريخ عمره آلاف السنين يواجه الاندثار (صور)
2026-08-12T09:02:44+00:00

شفق نيوز- غزة

بين أنقاض الحرب في قطاع غزة، لا تختفي المنازل والمستشفيات ودور العبادة وحدها، بل تتوارى معها طبقات من تاريخ مدينة تعاقبت عليها حضارات وإمبراطوريات على مدى آلاف السنين.

في البلدة القديمة بمدينة غزة، يقف ما تبقى من المسجد العمري الكبير وسط الركام، بعدما انهارت أجزاء واسعة من مبناه التاريخي، فيما فقدت مئذنته القديمة وأقواس وقباب وأجزاء من ليوانه الغربي معالم كانت شاهدة على قرون من الحياة الدينية والعلمية في المدينة.

وعلى مسافة غير بعيدة، تعرض قصر الباشا، أحد أبرز المعالم التاريخية في غزة، لأضرار بالغة طالت مبناه وعناصره المعمارية، كما أصابت الأضرار حمام السمرة، ومبانٍ ومواقع تاريخية وأثرية أخرى، لتتسع بذلك خسارة لا تقاس بعدد الأحجار المهدمة فقط، بل بما تحمله تلك المواقع من قيمة تاريخية وثقافية.

وتؤكد اليونسكو أن غزة شهدت، منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أضراراً موثقة في 164 موقعاً من مواقع التراث الثقافي حتى 24 مارس/آذار 2026، بينها 14 موقعاً دينياً، و128 مبنى ذا أهمية تاريخية أو فنية، وتسعة معالم، وثمانية مواقع أثرية، ومتحفان وثلاثة مستودعات للممتلكات الثقافية المنقولة.

وتعتمد اليونسكو في تقييمها على صور الأقمار الصناعية وتحليل البيانات، إلى جانب تقييمات ميدانية حيث تسمح الظروف الأمنية.

لكن خبراء التراث الفلسطيني يتحدثون عن نطاق أوسع من الخسائر، حيث قال حمودة الدهدار، مدير البلدة القديمة وخبير التراث الثقافي، لوكالة شفق نيوز، إن حصراً أولياً أجرته وزارة السياحة والآثار الفلسطينية في بداية الحرب وثّق تضرر نحو 500 مبنى وموقع أثري أو تاريخي، بشكل كلي أو جزئي، مشيراً إلى أن الحصر منشور ضمن بيانات الوزارة، فيما يجري حالياً تحديث الأضرار من خلال مشروع تعمل عليه الهيئة العربية الدولية للإعمار.

ويفسر اختلاف الرقم الفلسطيني عن الأرقام الدولية بأن عمليات الرصد تختلف في نطاقها ومنهجيتها، خصوصاً أن الوصول الميداني إلى المواقع خلال الحرب كان بالغ الصعوبة.

مدينة عبرت منها الحضارات

لا تأتي أهمية هذه المواقع من قدمها فقط، فغزة كانت عبر التاريخ نقطة عبور بين قارتي آسيا وإفريقيا، وممراً تجارياً وحضارياً تعاقبت عليه حضارات متعددة.

وأضاف الدهدار، أن القطاع "لا يخلو من منطقة أو محافظة إلا وتضم معلماً أثرياً"، مستشهداً بمسجد النصر في بيت حانون، الواقعة إلى الشمال من قطاع غزة، والذي شُيّد في الحكم الأيوبي، والكنيسة البيزنطية في جباليا، والمسجد العمري في مدينة غزة، ومسجد السيد هاشم، إلى جانب موقع دير القديس هيلاريون/تل أم عامر في منطقة النصيرات.

ويعود موقع تل أم عامر إلى القرن الرابع الميلادي، ويعد من أقدم المواقع الرهبانية في الشرق الأوسط، وقد أدرجته اليونسكو عام 2024 على قائمة التراث العالمي وقائمة التراث العالمي المعرّض للخطر، في إجراء طارئ على خلفية المخاطر الناجمة عن الحرب، كما سبق أن منحته اليونسكو حماية معززة مؤقتة بموجب اتفاقية لاهاي لعام 1954.

وتابع الدهدار، حديثه بالقول إن هذه المواقع "تترجم الحكم الذي تناوب على قطاع غزة منذ ما قبل الفتح الإسلامي"، معتبراً أن آثار غزة تمثل سجلاً مادياً للحضارات التي مرت بالمدينة وتركت بصماتها في عمارتها ومبانيها.

قصر الباشا.. ثمانية قرون تحت الركام

من بين أبرز المواقع التي طالتها الحرب قصر الباشا، الذي يعود تاريخه إلى الحقبة المملوكية في غزة، ويعد من أبرز نماذج العمارة التاريخية في المدينة.

وبحسب الدهدار، تجاوزت نسبة الأضرار التي لحقت بالقصر 80%، فيما بلغت في المسجد العمري الكبير أكثر من 75%، مع فقدان عناصر تاريخية ومعمارية مهمة.

ويشير إلى أن الأضرار لم تقتصر على الجدران والأسقف، بل طالت أيضاً "نقوشاً إسلامية بارزة ومخطوطات ولوحات أثرية" كانت جزءاً من القيمة التاريخية للمواقع.

وفي حالة القصر، لا تعني إعادة بناء الجدران بالضرورة استعادة المبنى كما كان، فالقيمة التراثية ترتبط كذلك بالأحجار الأصلية، وتفاصيل البناء، والنقوش، والمواد، وطريقة التشييد، وكل عنصر يحمل جزءاً من تاريخ المكان.

أما المسجد العمري الكبير، فلا يختصر في كونه مبنى دينياً، بالنسبة لسكان غزة، يمثل المسجد جزءًا من الذاكرة الجماعية للمدينة.

في هذا الصدد، قال نمر أبو عون، مفتي المسجد العمري الكبير، في حديث لوكالة شفق نيوز، إن المسجد يمثل مرجعية دينية وروحانية جامعة لكل قطاع غزة ولكل الفئات، وإنه كان على مدار التاريخ مكاناً للعلم ونشر المعرفة والفتوى والتسامح.

وأوضح: "هو النبض، القلب النابض لمدينة غزة"، موضحاً أن المسجد كان مقصداً للمصلين والزوار، خصوصاً خلال شهر رمضان والمناسبات الدينية، كما كان محطة للعلماء والمسافرين الذين يعبرون غزة بين بلاد الشام ومصر.

وتبلغ مساحة المسجد، بحسب أبو عون، نحو 4,250 متراً مربعاً، فيما تركزت الأضرار الأكبر في القسمين الجنوبي والغربي، وهما من أقدم أجزاء المسجد وأكثرها ارتباطًا بتاريخه المعماري.

ولفت المفتي، إلى أن "الأقواس التاريخية والقباب" تضررت، كما دُمرت المكتبة التاريخية للمسجد، ومئذنته القديمة، إضافة إلى الليوان الغربي الذي كان يضم غرفًا للعلماء، ومرافق الوضوء، واصفاً المشهد الحالي بالقول إن المئذنة التاريخية التي كانت "علامة مميزة للمسجد العمري" لم يبق منها سوى الحجارة الملقاة على الأرض.

أما ما بقي من المسجد، وفق أبو عون، فيتركز بصورة أساسية في الساحة الشمالية، حيث يوجد منبر يعود إلى العهد العثماني، وقد وُضع فيها غطاء مؤقت حتى يتمكن الناس من أداء الصلاة في المساحة المتبقية.

ويختصر أبو عون حجم الخسارة، قائلاً إن "المسجد التاريخي الأثري الروحاني القديم كله هدم"، في وصف يعكس بالنسبة لسكان المدينة فقدان جزء من مكان ارتبط بحياتهم الدينية والاجتماعية لقرون.

إنقاذ ما يمكن إنقاذه

وسط هذا الدمار، لم تتوقف محاولات حماية ما تبقى من المباني، اذ رأى الدهدار، أن فرق التراث نفذت، منذ بداية الحرب، أعمال إنقاذ وترميم طارئة باستخدام المواد المتاحة داخل القطاع، رغم ارتفاع أسعارها ونقصها.

وأشار إلى تنفيذ مشاريع إنقاذ طارئة في أكثر من 20 موقعاً، من بينها المسجد العمري الكبير، وقصر الباشا، وحمام السمرة، وجامع عثمان قشقار، إضافة إلى تدخلات لإنقاذ الأحجار التاريخية في منطقة حارة المسيحية ومحيط المستشفى المعمداني.

ووفقاً للدهدار، فإن هذه الأعمال تهدف في المرحلة الأولى إلى تثبيت العناصر المعمارية وحماية الأحجار التاريخية، تمهيداً لعمليات ترميم أوسع عندما تتوافر الظروف والموارد اللازمة.

لكن عمليات الإنقاذ تواجه تحديات كبيرة، أبرزها استمرار المخاطر الأمنية، وصعوبة الوصول إلى بعض المواقع، ونقص مواد الترميم، وقلة الفنيين المتخصصين، إضافة إلى إغلاق المعابر وما يترتب عليه من صعوبة إدخال المواد والمعدات اللازمة.

وبالنسبة للمهندسين والمتخصصين، لا يعني انهيار المبنى بالضرورة انتهاء قصته.

وأكدت نشوى الرملاوي من مركز عمارة التراث "إيوان"، في حديث لوكالة شفق نيوز، أن حجم الأضرار "كبير جداً"، إذ توجد مبانٍ دُمرت بالكامل، وأخرى دُمر جزء كبير منها، فيما تعرضت مبانٍ أخرى لأضرار أثرت بشكل واضح على حالتها الإنشائية.

وأضافت أن المباني المدمرة بالكامل يمكن التعامل مع ما تبقى منها عبر "فرز وتشوين حجارتها"، وإعداد الدراسات والمقترحات لكيفية الاستفادة من العناصر الأصلية بما يحافظ على تاريخ المبنى وقيمته الفنية.

أما المباني التي تضررت جزئياً، فتنوه إلى أن بالإمكان الحفاظ على حجارتها ومعالجة أضرارها الإنشائية إلى حين توفير مشاريع لإعادة البناء، شريطة توافر الرسومات والمخططات اللازمة للحفاظ على أصالة المبنى.

وفي الحالات الأقل تضرراً، يمكن تنفيذ أعمال التدعيم وإعادة بناء الأجزاء الحرجة بما يمنع الانهيار ويحافظ على المبنى.

وتعدد الرملاوي أبرز التحديات، ومنها "الوضع الأمني الذي يقيد عمليات التدخل العاجل"، وقلة التمويل المخصص للتراث، ونقص الخبرات العاملة في مجال الحفاظ على المباني التاريخية، إضافة إلى عدم توفر مساحات آمنة لحفظ الأحجار التي جرى انتشالها من المباني المهدمة.

ولفتت إلى أن أي عملية إعادة إعمار مستقبلية يجب أن تبدأ بالمباني التراثية المتضررة، عبر إزالة الأجزاء الخطرة وحمايتها من الاندثار، وإعادة بناء الأجزاء المهدمة من المباني التي تضررت جزئياً باستخدام الحجارة الأصلية، وبالأسلوب المعماري نفسه قدر الإمكان، مؤكدة أهمية توثيق عمليات التدمير وإعادة البناء، حتى لا تضيع تفاصيل ما حدث من تاريخ المكان.

أحياء اختفت.. وليس مباني فقط

لا تقتصر الخسارة على المباني التي تحمل تصنيفاً أثرياً رسمياً.

فبحسب الدهدار، تعرضت أحياء تاريخية في مدينة غزة، من بينها التفاح والشجاعية، لدمار واسع، وهو ما يعني أن الخسارة طالت النسيج العمراني التاريخي الذي تشكلت داخله حياة الناس وعلاقاتهم وذاكرتهم اليومية.

وهنا تتجاوز القضية حدود ترميم مبنى أو إعادة بناء مسجد أو قصر؛ فالحفاظ على التراث يعني أيضًا الحفاظ على علاقة الناس بالمكان، وعلى الشوارع والساحات والمباني المتجاورة التي صنعت هوية الأحياء القديمة.

وتشير اليونسكو في تقييمها إلى أن من بين المواقع التي وثقت أضرارها المسجد العمري الكبير وقصر الباشا وحمام السمرة، إلى جانب عشرات المواقع والمباني التاريخية والدينية والأثرية الأخرى في القطاع.

في حين قال مفتي المسجد العمري، إن إعادة ترميم المسجد تمثل "أمل أهل قطاع غزة بشكل خاص وأهل فلسطين بشكل عام"، لكنه يقر في الوقت نفسه بأن إعادة البناء، مهما بلغت دقتها، لن تعيد بالضرورة المبنى إلى صورته الأصلية بكل تفاصيلها.

وبين أن الهدف هو الحفاظ على هويته التاريخية والدينية، حتى تتمكن الأجيال القادمة من رؤية ما تبقى من آثار الأجداد، موضحاً أن عودة المسجد إلى الحياة ستكون رمزًا لإمكانية عودة الحياة إلى مدينة غزة نفسها.

وفي المقابل، يرى المتخصصون أن إعادة البناء يجب ألا تكون مجرد عملية تشييد جديدة فوق أنقاض قديمة، بل مشروعاً علمياً يوثق ما كان قائماً، ويحافظ على الأحجار والعناصر الأصلية، ويستند إلى الدراسات والمخططات والصور والأرشيف والشهادات.

وفي مدينة تعاقبت عليها الحضارات، تصبح الأحجار أكثر من مواد بناء، فهي تحمل آثار من شيدوا المكان وعاشوا فيه، وتوثق تحولات مدينة كانت على مدى قرون نقطة التقاء بين طرق التجارة والحضارات.

 

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon