ساعات على إعلان السيادة العراقية.. هل تُعطلها الفصائل؟
شفق نيوز- بغداد
ساعات تفصل العراق عن الموعد المعلن لاستكمال مهمة التحالف الدولي، في 30 أيلول/ سبتمبر الجاري، فيما أعلن مجلس الوزراء العراقي تعطيل الدوام الرسمي اعتباراً من يوم غد الأربعاء حتى السبت 3 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل احتفاءً بـ"أيام السيادة".
لكن اكتمال الانسحاب، بحسب خمسة سياسيين ومحللين، لا يعني بالضرورة اكتمال مفهوم السيادة ما لم يترافق مع احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني والعسكري.
السيادة والتسوية
وفي هذا السياق، يرى عضو لجنة العلاقات الخارجية النيابية، سامي أوشانا، أن إنهاء الوجود الأجنبي "بالإتفاق يكمّل السيادة على الورق، لكن حصر السلاح هو الذي يكمّلها على الأرض".
ويقول أوشانا، لوكالة شفق نيوز، إن نجاح الدولة في المسارين معاً سيحرم أي فصيل مسلح خارج القانون من الاستناد إلى مبررات "المقاومة" أو "الضرورة الأمنية".
لكن النائب يحذر من أن معالجة الملف لا يمكن أن تتم بقرار عسكري منفرد، بل عبر "صفقة سياسية" تضمن للفصائل دوراً سياسياً آمناً مقابل احتكار الدولة للقوة.
أما السياسي المستقل، عادل الغريري، فيوضح أن 30 أيلول/ سبتمبر ليس "يوم السيادة" بقدر ما هو "يوم إكمال السيادة"، لأن السيادة العراقية موجودة ومتجذرة، لكنها تعرضت لنواقص أبرزها وجود القوات الأجنبية التي استعانت بها بغداد عام 2014 لمواجهة تنظيم "داعش".
ويتحدث الغريري، لوكالة شفق نيوز، قائلاً إن الموعد يمثل "انعطافة مهمة" في مسار استكمال السيادة، مشيراً إلى أن الدولة تسعى إلى إنهاء وجود جميع القوات الأجنبية على أراضيها، بما في ذلك القوات التركية، وصولاً إلى احتكار القرار في السلم والحرب والملف الأمني.
ولا يحصر الغريري، مسألة حصر السلاح بإنهاء الوجود الأجنبي، بل يعدها "مطلباً وطنياً" يرتكز على خمسة مسارات: المطالب الشعبية، والدستور، والبرلمان، والسلطة القضائية، والمرجعيات الدينية.
ويشير إلى أن المطالبة بحصر السلاح داخل المؤسسات الرسمية صدرت عن مرجعيات دينية شيعية وسنية ومسيحية، إلى جانب دعوات من مجلس القضاء الأعلى، معتبراً أن الإطار القانوني يجب أن يوفر للفصائل وأفرادها مساراً لتكييف أوضاعهم داخل المؤسسات الرسمية، سواء الأمنية أو الحشد الشعبي.
ما بعد التحالف
لكن الانتقال من إنهاء الوجود الأجنبي إلى فرض السيادة الكاملة يواجه، وفق المحلل السياسي، علي الناصر، تحدياً يتجاوز مسألة انسحاب القوات البرية.
ويقول الناصر، لوكالة شفق نيوز، إن خطوات الحكومة برئاسة الزيدي مهمة ويمكن أن تنعكس إيجاباً على مفهوم السيادة، لكنها تحتاج إلى استكمال، وفي مقدمتها فرض السيادة على الأجواء العراقية وتفعيل منظومات الدفاع الجوي والرادارات ومنع أي انتهاك جوي من أي دولة.
ويربط الناصر، المرحلة المقبلة أيضاً بالوجود التركي، متوقعاً أن يشمل المسار تسليم مواقع عسكرية، من بينها بعشيقة وجبل سنجار، إذا اكتملت ترتيبات الانسحاب.
لكن السيادة، في تقديره، لا تتوقف عند الأمن، فهناك "سيادة اقتصادية" تتطلب تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على الاقتصاد الريعي، وهو ملف يفترض أن ينعكس في موازنة عام 2027، وسط ضغوط خارجية مرتبطة، بحسب الناصر، بتدفقات الدولار والسياسة المالية الأميركية.
وفي ملف السلاح، يضيف الناصر، أن انتهاء الوجود الأجنبي قد يقلل مبررات بعض الفصائل للاحتفاظ بالسلاح، خصوصاً مع توجه قوى مسلحة إلى العمل السياسي والمشاركة في الانتخابات المقبلة.
ويلفت إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في الأسلحة الثقيلة والصواريخ والطائرات المسيّرة التي تمتلكها بعض الفصائل، مقابل وجود أسلحة أخرى سبق أن جرى تسجيلها لدى وزارة الداخلية، موضحاً أن معالجة هذا النوع من السلاح قد تتم بصورة تدريجية، إذا نجحت الحكومة في بناء مزيد من الثقة مع الفصائل ومع دول الجوار.
انتفاء مبررات السلاح
وفي السياق ذاته، يرى الخبير الأمني، صفاء الأعسم، أن إحدى مبررات احتفاظ الفصائل المسلحة بسلاحها كانت تستند إلى وجود قوات أجنبية في العراق، إلا أن الدولة العراقية لم تكن تصف هذا الوجود بـ"الاحتلال"، في ظل اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين العراق والولايات المتحدة خلال حكومة نوري المالكي.
وفي حديث لوكالة شفق نيوز، يؤكد الأعسم، أن مبرر بقاء قوات التحالف الدولي، برئاسة الولايات المتحدة، لم يعد قائماً بعد انتهاء المهمة التي أوكلت إليها والمتمثلة بإنهاء وجود تنظيم "داعش" في العراق، لافتاً إلى أن التنظيم لم يعد يسيطر على أراضٍ عراقية، فيما تقتصر قدراته على خلايا نائمة يمكن للأجهزة الأمنية العراقية التعامل معها.
كما يعتقد أن انتهاء وجود قوات التحالف، بالتزامن مع العمل على إنهاء وجود القوات الأجنبية الأخرى، ومنها القوات التركية في بعشيقة، يمثل خطوات باتجاه إنهاء الوجود العسكري الأجنبي داخل العراق.
ويختم الأعسم، حديثه بالقول إن استكمال هذه الخطوات يعني، في المقابل، انتفاء المبررات التي تستند إليها الفصائل في الاحتفاظ بالسلاح خارج مؤسسات الدولة، معتبراً أن العراق بدأ بذلك "إنهاء كل الخيوط السائبة" في ملف حصر السلاح بيد الدولة.
سيادة لا تتجزأ
من جهته، يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، عصام الفيلي، أن مفهوم السيادة "لا يتجزأ"، ولا يرتبط بوجود قوات أجنبية على الأراضي العراقية فقط، وإنما يرتبط أيضاً باحترام القانون والدستور، وعدم وجود سلطة خارج سلطة الدولة.
ويقول الفيلي، لوكالة شفق نيوز، إنه "لا يحق لأي كيانات موازية أن تذهب تجاه تجزئة مفهوم السيادة"، مؤكداً أن السيادة في الدول تكون واحدة، وعلى الجميع الخضوع للقوانين النافذة ولسلطة رئيس الوزراء في العراق، بوصفه القائد العام للقوات المسلحة.
ويضيف أن أي عقائد أو ولاءات خارجية يجب ألا تتقدم على مفهوم السيادة، مشدداً في الوقت نفسه على أن الوطن يأتي أولاً، مع احترام خصوصيات الدين والمذهب لكل جهة، من دون أن تتحول هذه الخصوصيات إلى عامل يؤدي إلى تجزئة مفهوم السيادة.
ووفقاً للفيلي، فإن انسحاب القوات الأميركية ينهي مبرر وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة، مشيراً إلى طرح يقضي بانضمام سلاح الفصائل وأفرادها إلى مؤسسات الحشد الشعبي، على أن تكون عملية تحديد السلاح وتسليمه من صلاحية القائد العام للقوات المسلحة، وليس الجهات المسلحة نفسها.
ويتابع قائلاً إن الدولة هي التي تتولى تمويل هذه الجهات من الناحيتين اللوجستية والمادية، وبالتالي فإن إدارة السلاح واستخدامه يجب أن تخضع لقرار الدولة وسلطتها الدستورية.
ويأتي ذلك في وقت وضعت فيه حكومة الزيدي ملف حصر السلاح ضمن مسار منفصل زمنياً عن انسحاب التحالف، ففي 21 أيلول/ سبتمبر الجاري أعلن رئيس الوزراء خطة تبدأ بمرحلة تهدئة مدتها 90 يوماً تمتنع خلالها الفصائل عن شن هجمات، مقابل ضمانات بعدم تعرضها لهجمات أميركية، على أن تبدأ بعدها عملية تسليم السلاح وتكتمل بحلول 30 حزيران/ يونيو 2027.
وبالتوازي، تعمل قوى سياسية على التفاوض مع الفصائل بشأن آليات التنفيذ، فيما أعلن رئيس ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، في 23 أيلول/ سبتمبر الجاري أن برنامجاً وجدولاً زمنياً لحصر السلاح سيُعلنان في 30 أيلول/ سبتمبر، مع التأكيد على معالجة الملف بالحوار ووفق الأطر الدستورية والقانونية.
غير أن هذا المسار، بحسب المراقبين، يواجه موقفاً أكثر تشدداً من بعض الفصائل، ففي أمس الاثنين، هدد المسؤول الأمني في كتائب حزب الله، أبو مجاهد العساف، بالعمل على إسقاط حكومة الزيدي إذا لم تعمل لمصلحة الشعب، كما توعد بإغلاق منافذ دول قال إنها تشارك في حصار إيران.
وربط العساف في بيان ورد لوكالة شفق نيوز، موقفه بما بعد 30 أيلول/ سبتمبر، قائلاً إن العراقيين سيحتفلون بـ"طرد" القوات الأميركية والناتو، محذراً من استمرار ما وصفه بالخروقات الجوية الأميركية بعد 1 تشرين الأول/ أكتوبر، ومهدداً بمراقبة الأجواء العراقية والإنذار ثم إسقاط الطائرات التي يعتبرها معادية في حال انتهاكها الأجواء.