تصعيد الحوثيين.. أداة جديدة لرفع كلفة حرب أميركا على إيران؟
شفق نيوز- بغداد/ صنعاء/ واشنطن
أعلنت حركة أنصار الله اليمنية (الحوثيون)، يوم الخميس، السيطرة على مدينة المخا الساحلية المطلة على البحر الأحمر، في تطور يأتي وسط تصعيد عسكري متسارع على الساحل الغربي لليمن، واقتراب المعارك من مضيق باب المندب، بالتزامن مع هجمات حوثية متصاعدة على مدن ومنشآت في جنوب السعودية.
ويأتي هذا التحول بعد نحو أربعة أعوام من الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة نيسان/ أبريل 2022، ومع انهيار مسار خفض التصعيد تدريجياً منذ تموز/ يوليو الماضي، لتنتقل المواجهة خلال الأسابيع الأخيرة من مناوشات وهجمات صاروخية ومسيّرة إلى معارك برية واسعة في تعز والحديدة ومأرب والجوف والبيضاء.
وتشير التطورات الميدانية والسياسية إلى أن الحرب اليمنية لم تعد محصورة في خطوط التماس الداخلية، إذ بات البحر الأحمر وباب المندب والهجمات على السعودية جزءاً من الاعتبارات العسكرية والإقليمية، في وقت باتت فيه الساحة اليمنية مرتبطة بالمواجهة الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران.
التصعيد الإقليمي
وفي هذا السياق، يقول أستاذ العلاقات الدولية، صالح الشذر، إن العراق يدخل هذا المشهد من موقع مختلف عن المراحل السابقة، مشيراً خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن مرحلة ما بعد عام 2003 شهدت فراغاً أمنياً وسياسياً واستراتيجياً، أسهم في توسيع نفوذ إيران في المنطقة، في وقت ابتعدت فيه دول عربية عن بغداد خلال مراحل مهمة.
وبحسب الشذر، فإن العراق أصبح أقرب سياسياً إلى المحور الإيراني، لكنه يحاول في الوقت نفسه الحفاظ على سياسة خارجية تقوم على النأي بالنفس ومسك العصا من الوسط، وهي سياسة ساعدته حتى الآن على تجنب الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية والدولية.
ويضيف أن التجربة العراقية مع الحروب، ولا سيما الحرب على الإرهاب، فضلاً عن تجارب حروب الخليج السابقة، تجعل المجتمع والدولة العراقية أقل استعداداً للدخول في تحالفات عسكرية جديدة.
ويرى الشذر أن أي ترتيبات دفاعية إقليمية لا تعني تلقائياً دخول العراق فيها، خصوصاً أن النظام السياسي العراقي يجعل البرلمان الجهة المعنية بالمصادقة على المعاهدات الدولية، كما أن التحالفات المطروحة حتى الآن ذات طبيعة دفاعية ولم تتحول إلى التزام عسكري فعلي.
لكن الساحة اليمنية، وفق الشذر، تحمل خصوصية مختلفة، فالعلاقة الأيديولوجية والعسكرية التي تربط الحوثيين بإيران تجعل الجماعة لاعباً مؤثراً في أي مواجهة إقليمية واسعة، ولا سيما بسبب قدرتها على التأثير في أمن الملاحة البحرية.
ويقول إن أي تسوية مستقبلية مع إيران قد تشمل الحوثيين إلى جانب أطراف إقليمية أخرى، مثل حزب الله في لبنان، وبعض الفصائل المسلحة في العراق، ما يعني أن المسار العسكري الحالي لا يستبعد بالضرورة عودة المسار السياسي إذا توصلت الأطراف الكبرى إلى صيغة تفاهم.
وفي أبرز تطورات الأحداث، أكد الناطق باسم قوات الحكومة اليمنية العقيد ركن ماجد النزيلي، مساء اليوم، أن القوات الأمنية ستستخدم "كل الأسلحة لاستهداف أي تحرك للحوثيين بنطاق حددناه كمنطقة قتل"، حسب تعبيره
وحذّر النزيلي، المدنيين من "استخدام طريق تعز المخا حتى إشعار آخر"، داعياً إلى "الابتعاد عن تجمعات ومعدات قوات الحوثيين في طريق تعز المخا".
من جانبه قال المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع، إن "القوات المسلحة تمكنت قبل قليل من التصدي لتشكيل قتالي في تعز وأجبرته على المغادرة باستهدافه بصواريخ محلية الصنع".
يشار إلى أن جماعة أنصار الله اليمنية (الحوثيين)، قد أفادت اليوم الخميس، استعادة السيطرة في محور حيس والخوخة، الرابط بين محافظتي تعز والحديدة، انطلاقاً من الجراحي، بعد أن كانت القوات الحكومية قد أعلنت استعادتهما والتقدم باتجاه الجراحي.
وفي تعز، احتدم القتال في عدد من جبهات المحور الغربي، ولا سيما في البرح ومقبنة وموزع والكدحة والوازعية، حيث شهدت هذه المناطق خلال الأيام الماضية اشتباكات عنيفة وتبادلاً للسيطرة بين الطرفين.
الرواية اليمنية
وفي المقابل، يعتبر عضو تحالف "الأحزاب المناهضة للعدوان" في اليمن، عادل راجح، أن التصعيد يأتي في إطار ما يسميه الحوثيون معادلة "التصعيد بالتصعيد"، وأن هدفه إنهاء الوجود السعودي ورفع ما يصفه بالحصار المفروض على اليمن.
ويقول راجح لوكالة شفق نيوز، إن القوات التابعة للحوثيين تمكنت من بسط نفوذها على الساحل الغربي والوصول إلى مضيق باب المندب، مع استمرار التحرك نحو جبهات أخرى، بينها مأرب.
ويرى أن صنعاء ستواصل، بالتوازي مع ذلك، لعب دور إقليمي في دعم القضية الفلسطينية والقضايا العربية والإسلامية.
تهديد الملاحة
ميدانياً، يقرأ مايلز كاغينز، العقيد المتقاعد في الجيش الأميركي والمتحدث السابق باسم التحالف الدولي لهزيمة تنظيم "داعش"، السيطرة المعلنة على المخا باعتبارها تطوراً ذا قيمة عسكرية ونفسية للحوثيين.
ويقول كاغينز لوكالة شفق نيوز، إن وجود الحوثيين في المخا يمنحهم موقعاً استراتيجياً يمكنهم من تهديد السفن القريبة من باب المندب، ويمثل في الوقت نفسه هزيمة تكتيكية ونفسية للقوات الحكومية.
ويرجح كاغينز أن تدفع أهمية الموقع السعودية ودولاً أخرى إلى تنفيذ غارات جوية لمحاولة إخراج الحوثيين منه وتدمير مواقعهم.
غير أن الوصول إلى باب المندب والسيطرة الفعلية على حركة الملاحة يبقى مساراً أكثر صعوبة من السيطرة على المخا، إذ يتطلب تثبيت مواقع ساحلية وجزر وممرات استراتيجية، إضافة إلى امتلاك قدرة مستمرة على تهديد السفن.
ويأتي ذلك فيما تصاعدت الهجمات الحوثية على السعودية بصورة غير مسبوقة منذ بداية المرحلة الجديدة من الحرب.
وفي الوقت نفسه، نقلت مصادر سعودية وباكستانية وإيرانية، وفق ما أوردته وكالة "رويترز" أمس الأربعاء، أن باكستان نقلت إلى طهران تحذيراً سعودياً بضرورة كبح هجمات الحوثيين قبل أن تتسع المواجهة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في ظل الحديث عن تنسيق أمني سعودي-تركي-باكستاني، مع تأكيد إسلام آباد أن أي دور عسكري لها سيقتصر على الدفاع عن الأراضي السعودية، ولن يشمل عمليات قتالية داخل اليمن.
مخاطر التوسع الإقليمي
وهنا يرى عضو الحزب الجمهوري الأميركي، مالك فرانسيس، أن التطورات الحالية تجاوزت حدود جولة جديدة من الحرب اليمنية.
ويقول فرانسيس لوكالة شفق نيوز، إن البحر الأحمر وباب المندب لم يعودا مجرد ممرين مائيين، بل أصبحا جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي والدولي، محذراً من أن تحويل باب المندب إلى ورقة ضغط عسكرية واستهداف الملاحة الدولية قد يدفع أطرافاً جديدة إلى الصراع.
ويضيف أن السعودية، في المقابل، تملك حق حماية أمنها وسيادتها، لكن استمرار الحل العسكري وحده لا يوفر مخرجاً دائماً من الأزمة، معتبراً أن مصلحة الرياض تكمن في يمن مستقر لا يتحول إلى مصدر تهديد لجيرانها.
ويشير فرانسيس إلى أن امتلاك السعودية شراكات أمنية ودفاعية مع دول مثل تركيا وباكستان يجعل أي تصعيد كبير ضد أراضيها قابلاً لتوسيع دائرة المواجهة.
ويقول إن انتقال الصراع من الحوثيين والسعودية إلى شبكة من التحالفات الإقليمية سيحوّل الحرب اليمنية إلى مواجهة متعددة الجبهات، قد تمتد من البحر الأحمر واليمن إلى الخليج ومناطق أخرى.
العراق في المواجهة
وتتزامن التطورات اليمنية مع تصعيد أوسع في المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، وهو ما يثير مخاوف من تحول الحوثيين إلى جبهة إضافية في صراع إقليمي يتجاوز اليمن.
وكانت تقارير قد تحدثت خلال الأيام الماضية عن ارتباط التصعيد الحوثي بالاستراتيجية الإيرانية الهادفة إلى رفع كلفة الضغط الأميركي على طهران، خصوصاً عبر تهديد الملاحة في باب المندب بالتوازي مع التوتر في مضيق هرمز.
وفي العراق، يضيف هذا المشهد بعداً آخر للصراع، في ظل استمرار الخلاف حول مستقبل الفصائل المسلحة الموالية لإيران وحصر السلاح بيد الدولة.
وكانت الحكومة العراقية قد حددت في وقت سابق 30 أيلول/ سبتمبر موعداً مرتبطاً بانتهاء مهمة التحالف الدولي، قبل أن تتراجع التصريحات الرسمية عن اعتبار التاريخ مهلة نهائية لنزع سلاح الفصائل.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر إذا توسعت الحرب الإقليمية، لأن العراق قد يتحول، بحكم موقعه وعلاقاته مع إيران والولايات المتحدة ودول الخليج، إلى إحدى أكثر الساحات عرضة للتأثر بأي تصعيد.
وفي ضوء هذه التطورات، يرى مالك فرانسيس أن جميع الأطراف مطالبة بمنع انتقال المواجهة إلى مرحلة لا يمكن التحكم بها، داعياً في الختام الحوثيين إلى عدم تحويل اليمن إلى منصة لصراعات إقليمية، والسعودية إلى الجمع بين حماية أمنها والسعي إلى تسوية سياسية.