بين السلاح والدولة.. حزب الله يخوض معركته الأصعب
جدارية لحسن نصر الله وهاشم صفي الدين، وخلفها أخرى لنعيم قاسم، خلال التشييع في بيروت يوم 23 شباط 2025.
شفق نيوز- بيروت
تحليل خاص
لا يحاول قيادي في حزب الله إنكار ما أصبح ظاهراً في المشهد اللبناني بأن "مكانة حزب الله الداخلية تراجعت، قبل أن يستدرك بأن التراجع لا يعني انهيار الحزب أو خسارته قاعدته الأساسية داخل الطائفة الشيعية.
يمر حزب الله اليوم بمرحلة لم يشهد شبيهاً لها خلال أكثر من أربعة عقود، واقفاً بين احتمال إعادة إنتاج دوره ضمن شروط لبنانية وإقليمية جديدة، والدخول في مسار تراجع طويل يغير الموقع الذي بناه منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي.
فالحزب الذي خرج من حروب سابقة أكثر قوة أو نفوذاً، خرج من المواجهة الأخيرة محتفظاً بسلاحه وتنظيمه وقاعدته الأساسية، لكنه لم يخرج بالمكانة نفسها.
تعرضت قيادته وبنيته العسكرية لضربات غير مسبوقة، وتقلصت شبكة تحالفاته، فيما تحول السلاح الذي مثّل طوال عقود مصدر قوته وحصانته السياسية إلى محور تسوية رسمية انخرطت فيها الدولة اللبنانية مع إسرائيل برعاية أميركية.
وكان اغتيال أمينه العام حسن نصرالله أكثر من خسارة في رأس الهرم التنظيمي. فقد الحزب الشخصية التي جمعت بين الشرعية الداخلية والحضور الشعبي والقدرة على ضبط الحلفاء وإدارة العلاقة مع إيران والقوى الإقليمية.
ترك اغتياله فراغاً في قيادة كانت تدير تناقضات الحزب مع القوى اللبنانية وتوازن بين العمل العسكري ومتطلبات السياسة، كما أفقد الحزب أحد أبرز رموز نفوذه الإقليمي، وشخصية تجاوز حضورها حدود التنظيم والدولة اللبنانية.
لم يؤد اغتياله إلى سقوط الحزب أو تفكك مؤسساته، لكنه ترك القيادة الجديدة أمام تنظيم أقل قدرة على المبادرة، وبيئة إقليمية أكثر اضطراباً، وشبكة علاقات ارتبط جانب منها بالثقة التي راكمها نصرالله على مدى أكثر من ثلاثة عقود.

24 شباط فبراير 2025/ دير قانون النهر
من العمل المسلح إلى قلب الدولة
قطع حزب الله مسافة طويلة منذ ظهوره عام 1982، منتقلاً تدريجياً من خطاب "الثورة الإسلامية في لبنان" إلى تكريس هوية "المقاومة الإسلامية في لبنان"، في مسار هدف إلى لبننة صورته السياسية، مع احتفاظه بعلاقته العقائدية بولاية الفقيه وارتباطه الاستراتيجي بإيران.
وظل هذا التوازن بين الهوية اللبنانية والمرجعية الخارجية أحد أبرز أسباب الانقسام بشأنه.
فرأى مؤيدوه فيه حركة مقاومة فرضت الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب عام 2000، بينما اعتبره خصومه تنظيماً مسلحاً يحتفظ بقرار مستقل عن الدولة ويربط لبنان بصراعات إقليمية لا يملك اللبنانيون قرار خوضها.
وعلى الرغم من مشاركته في الانتخابات النيابية منذ عام 1992، بقي الحزب حذراً في التعامل مع النظام السياسي وقواعد المحاصصة، ولم يدخل السلطة التنفيذية بصورة مباشرة إلا عام 2005، بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وانسحاب القوات السورية.
وبحسب مصادر في الحزب، دفعت تلك المرحلة القيادة إلى مراجعة موقعها داخل الدولة وتعميق دورها السياسي، وهي مراجعة تبلورت في الوثيقة السياسية التي أعلنها نصرالله عام 2009، وقدمت رؤية أكثر تكيفاً مع النظام اللبناني، مع إبقاء المقاومة في صلب هوية الحزب.
ويقول القيادي إن الدخول إلى قلب اللعبة السياسية لم يكن خيار الحزب المفضل، بل جاء استجابة للفراغ الذي خلفه الانسحاب السوري: "دخل الحزب اللعبة السياسية الداخلية مرغماً، واتخذ قراراً بتحمل مسؤولية العمل السياسي".
ومنذ ذلك الوقت، نسج حزب الله شبكة تحالفات مسيحية وسنية ودرزية، لم تكن تهدف إلى المشاركة في السلطة وحدها، بل إلى توفير مظلة سياسية تحمي سلاحه وتمنع عزله داخل النظام.
لكن الحرب الأخيرة أظهرت أن هذه المظلة لم تعد بالقوة نفسها.
اختلفت المرحلة التي بدأت بعد هجوم السابع من تشرين الأول 2023 عن الحروب السابقة التي خاضها الحزب، لأنها جمعت بين الاستنزاف العسكري واغتيال القيادة وتراجع البيئة الإقليمية وتصاعد الضغط الداخلي على السلاح.
فتح الحزب ما سماه "جبهة إسناد غزة"، بعد تحالفه مع إيران لكن المواجهة تطورت إلى حرب قاسية طالت مناطق واسعة من لبنان، وأعادت طرح السؤال بشأن حقه في اتخاذ قرار الحرب من دون الدولة.
وخلال جولة القتال التي بدأت في الثاني من آذار، أعلن حزب الله تنفيذ أكثر من ألف عملية ضد مواقع وقواعد إسرائيلية، فيما قال الجيش الإسرائيلي إنه دمر آلاف الأهداف التابعة للحزب.
كما تقدمت القوات الإسرائيلية داخل عشرات القرى الجنوبية، ووصلت في بعض المحاور إلى عمق قُدّر بنحو 11 كيلومتراً.
وبصرف النظر عن اختلاف روايتي الطرفين بشأن الخسائر، أظهرت النتائج الميدانية أن الحزب لم يعد يمتلك حرية الحركة التي كانت له قبل الحرب.
وتعرضت قيادته السياسية والعسكرية لاغتيالات وخسائر في المقاتلين والمخازن والبنى العسكرية. أضعفت الضربات الحزب وقيدت قدرته على الحركة، لكنها لم تفكك تنظيمه أو تنه وجوده العسكري.
وبعد اتفاقي وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024 ونيسان 2026، هدأت الجبهة من دون الوصول إلى تسوية نهائية. احتفظت إسرائيل بمواقع داخل الأراضي اللبنانية، فيما تمسك حزب الله بسلاحه، رافضاً أن يصبح الانسحاب الإسرائيلي مقابلاً مباشراً لنزع ترسانته.
لكن التحول الأكثر دلالة لم يقع في الميدان وحده.
فالدولة اللبنانية انخرطت، برعاية أميركية، في اتفاق وإطار تفاوضي مع إسرائيل وضع نزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة غير التابعة للدولة ضمن الترتيبات المطلوبة، إلى جانب انتشار الجيش والانسحاب الإسرائيلي وإعادة بسط سلطة الدولة.
لم يكن مطلب نزع سلاح الحزب جديداً. الجديد أن الدولة نقلته من الخطاب السياسي والقرارات الدولية إلى التزام رسمي مرتبط بمسار تفاوضي وتنفيذي مع إسرائيل.
حتى وقت قريب، كان الحزب قادراً على فرض قاعدة تقول إن سلاحه شأن داخلي لا يُبحث مع إسرائيل ولا يرتبط بالانسحاب أو إعادة الإعمار.
أما اليوم، فقد أصبح السلاح في قلب اتفاق وافقت عليه مؤسسات الدولة رغم رفض الحزب.
ويمثل ذلك إحدى أبرز علامات تراجع نفوذه السياسي. فالحزب لم يعد قادراً على منع الحكومة من التفاوض في قضية تمس جوهر وجوده العسكري، ولم تعد الدولة تكتفي بالدعوة النظرية إلى احتكار السلاح، بل دخلت مساراً يفترض أن يمنح الجيش المسؤولية الحصرية عن الأمن والدفاع.
وبدأ اختبار الاتفاق في عدد من القرى الجنوبية، حيث انتشر الجيش اللبناني ضمن مناطق أولية لتنفيذ الترتيبات الأمنية، قبل الانتقال إلى مراحل أكثر تعقيداً تتعلق بالبنية العسكرية للحزب خارج المنطقة الواقعة جنوب الليطاني.
ويرفض حزب الله الاتفاق ويعتبره محاولة لتحويل الاحتلال الإسرائيلي إلى أداة ضغط لانتزاع سلاحه، ويصر على أن الملف يجب أن يناقش ضمن حوار لبناني واستراتيجية دفاعية وبعد انسحاب إسرائيل.
لكن أهمية الاتفاق لا تتوقف على قبول الحزب به، بل تكمن في قدرة الدولة على المضي في مسار كان يصعب تصوره قبل الحرب.

تراجع أم إعادة ترتيب؟
تختلف القراءات اللبنانية بشأن معنى هذه المرحلة.
يرى الكاتب السياسي عبدالله قمح أن الحزب فقد جزءاً كبيراً من شبكة الحلفاء التي صنعت نفوذه خارج البيئة الشيعية، بينما يعتبر المحلل خليل نصرالله أن الحزب لا يعيش مرحلة أفول، بل يعيد ترتيب أولوياته تحت ضغط الاحتلال الإسرائيلي والتحولات الإقليمية.
وبحسب قمح، ابتعدت أطراف كانت حليفة للحزب أو مستفيدة من نفوذه. بعضها أراد التمايز عنه سياسياً، وبعضها خشي العقوبات الأميركية وتأثير العلاقة معه في مصالحه الخارجية، فيما لم تعد أطراف أخرى ترى فيه القوة القادرة على توفير المكاسب السابقة.
ويقدر قمح أن الحزب خسر نحو 80% من شبكة تحالفاته، موضحاً أن النسبة لا تقيس المقاعد أو الأصوات، بل العلاقات التي فقدت مضمونها التحالفي أو تحولت إلى مجرد قنوات اتصال.
مع ذلك، لا يتحدث عن انهيار الحزب.
فالثنائية التي تجمعه بحركة أمل بزعامة رئيس البرلمان نبيه بري لا تزال تمنحه موقعاً شعبياً وسياسياً ونيابياً قوياً. كما تنظر قطاعات واسعة من الشيعة إلى الضغوط الحالية باعتبارها استهدافاً للطائفة بأكملها، لا للحزب وحده، وهو ما يزيد التماسك الداخلي ويحد حتى الآن من فرص ظهور تيار شيعي ثالث ينافس الثنائية.
في المقابل، يرى خليل نصرالله أن الحزب لا يستطيع إعطاء الأولوية للعمل السياسي بينما تحتل إسرائيل أراضي لبنانية وتواصل شن الهجمات.
"الأولوية للتحرير، وبعدها يمكن إعطاء اهتمام أكبر للحضور في الداخل".
وبحسب هذه القراءة، لا يمثل تراجع نشاط الحزب السياسي خياراً نهائياً، بل نتيجة فرضها استمرار التهديد العسكري وتغير البيئة الإقليمية بعد انتهاء المرحلة الأشد من الحرب على تنظيم داعش في العراق وسقوط النظام السابق في دمشق.
ويرى نصرالله أن تماسك الحزب لا يعتمد على مؤسساته وسلاحه وحدهما، بل على علاقة عقائدية واجتماعية عميقة مع بيئته.
فالحزب، بحسب تعبيره، "يشبه بيئته وبيئته تشبهه"، وهو ما يمنحه قدرة على التحمل لا تتوافر بالقدر نفسه لدى الأحزاب القائمة على المصالح الانتخابية وحدها.
لكن الاتفاق اللبناني الإسرائيلي يضع هذه القراءة أمام اختبار أكثر تعقيداً. فالحزب لا يواجه ضغطاً إسرائيلياً أو أميركياً فقط، بل يواجه دولة لبنانية تبنت مساراً يعتبر تفكيك بنيته العسكرية جزءاً من استعادة السيادة والانسحاب وإعادة الإعمار.
قاعدة ثابتة وتحالفات أضعف
داخل البيئة الشيعية، يعتقد حزب الله أن الحرب لم تضعف قاعدته بقدر ما دفعتها إلى مزيد من الالتفاف حوله.
"الشارع المؤيد للمقاومة متقدم على موقف الثنائي الشيعي في فكرة المواجهة والتحدي"، وفق القيادي.
ويعتقد الحزب أن الشعور بأن المعركة وجودية سيسمح له ولحركة أمل بالحفاظ على الحصة الأكبر من التمثيل الشيعي في أي انتخابات مقبلة.
لكن الصورة خارج هذه البيئة أكثر تعقيداً.
كانت العلاقة مع التيار الوطني الحر أحد أهم مصادر الغطاء المسيحي للحزب، إلا أنها تراجعت قبل حرب غزة واتسعت المسافة خلال المواجهة بسبب اختلاف الطرفين في تعريف وظيفة المقاومة.
ورغم ذلك، لم تصل العلاقة إلى القطيعة. فالتيار يدرك أن حزب الله لا يزال طرفاً أساسياً، كما تدفعه حساباته داخل الساحة المسيحية إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة.
أما العلاقة مع تيار المردة، فيصفها الحزب بالممتازة، لكن قمح يميز بين موقف سليمان فرنجية ومزاج جزء من قاعدته الشعبية التي شعرت بالخذلان بسبب عدم تمكن الحزب من إيصاله إلى رئاسة الجمهورية.
وفي الساحة السنية، يعتقد الحزب أن موقفه من غزة خفف بعض التوتر، لكنه لم يؤسس لتحالف سياسي جديد، فيما تقوم العلاقة مع وليد جنبلاط على "ضبط الخلافات" من دون تحالف أو رغبة في المواجهة.
وتبقى العلاقة مع القوات اللبنانية والكتائب محكومة بالخصومة بشأن السلاح ومفهوم الدولة.
بالمقابل، لا يتوقف الضغط على حزب الله عند الحدود اللبنانية أو داخل مؤسسات الدولة.
فقد قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه ناقش مع الرئيس السوري أحمد الشرع إمكانية تولي سوريا دوراً في التعامل مع حزب الله، واقترح أن تترك إسرائيل المهمة لدمشق.
ولم يعلن ترمب التوصل إلى اتفاق نهائي، فيما نفى الشرع وجود خطة سورية للتدخل العسكري في لبنان، مؤكداً أن دمشق لا تريد دفع البلاد إلى مزيد من التصعيد، مع إبقاء باب الحوار مفتوحاً.
ولا يعني ذلك أن تدخلاً سورياً أصبح وشيكاً، لكنه يكشف أن مستقبل الحزب بات مطروحاً ضمن حسابات إقليمية أوسع.
فالحزب الذي استفاد لسنوات من سوريا بوصفها عمقاً استراتيجياً وطريقاً للإمداد، يواجه اليوم سلطة في دمشق تنظر إليه بوصفه خصماً بسبب دوره في الحرب السورية، وإن كانت تتجنب حتى الآن مواجهة عسكرية مباشرة معه.

الإختبار الأصعب
اتتجمع كل هذه التحولات حول سؤال واحد.
ماذا سيحدث إذا انتقلت الدولة من تنفيذ الاتفاق في مناطق محدودة في الجنوب إلى محاولة تفكيك بنية حزب الله العسكرية في جميع أنحاء لبنان؟
يرفض الحزب تسليم ترسانته، ويصر على أن مناقشة السلاح يجب أن تجري ضمن حوار لبناني وبعد انسحاب إسرائيل.
لكن الدولة لم تعد تتحدث عن مبدأ عام لحصر السلاح فقط. لقد انخرطت في اتفاق يجعل انتشار الجيش ونزع سلاح الجماعات غير الحكومية جزءاً من التسوية مع إسرائيل.
وهذا يضع الجيش اللبناني أمام مهمة لم يسبق له أن واجهها بهذه الصيغة.
فالانتقال من الانتشار في قرى أخلاها الإسرائيليون إلى دخول مناطق نفوذ حزب الله وتفكيك بنيته قد يضع الجيش والحزب في مواجهة سعيا إلى تجنبها طوال عقود.
ولهذا تفضل قوى لبنانية عديدة إبقاء الملف ضمن الحوار السياسي، خشية أن يؤدي حسمه بالقوة إلى أزمة تتجاوز قدرة الدولة على احتوائها.
لكن مجرد قبول الدولة بالتفاوض على السلاح يكشف أن قدرة الحزب على رسم الخطوط الحمراء لم تعد كما كانت.
قد يستطيع حزب الله ترميم بعض علاقاته، وقد تعيد الانتخابات تثبيت نفوذه داخل الطائفة الشيعية، لكن انخراط الدولة في مسار رسمي لنزع سلاحه يمس الأساس الذي بنى عليه قوته طوال أربعة عقود.
وفي الوقت نفسه، يظل هامش حركته مرتبطاً بنتيجة الصراع الإقليمي وموقع إيران وحلفائها. فأي مكاسب تحققها طهران قد تمنحه قدرة أكبر على تعطيل مسار نزع السلاح أو تعديل شروطه، بينما قد تدفعه خسائر إضافية إلى التفاوض من موقع أضعف.