بعد 5 سنوات جفاف.. هل تُعيد المياه سكان أهوار العراق؟
شفق نيوز- بغداد/ ذي قار
تشهد الأهوار العراقية خلال 2026 تحسناً في الإطلاقات والمناسيب المائية، مع ارتفاع الخزين المائي، لكن هذا الانتعاش ما يزال دون مستوى التعافي الكامل، فيما لم تصل المياه بعد إلى مستوى يضمن عودة مستقرة للسكان الذين هجروها خلال سنوات الجفاف.
وتعد أهوار جنوب العراق واحداً من أبرز النظم البيئية المائية في المنطقة، وتمتد بين محافظات ذي قار وميسان والبصرة، وترتبط حياة سكانها منذ أجيال بتربية الجاموس وصيد الأسماك وحصاد القصب والبردي.
وأدرجت "أهوار جنوب العراق" ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو في عام 2016، لما تمثله من قيمة طبيعية وثقافية وتاريخية.
لكن سنوات الجفاف الممتدة منذ 2021 دفعت هذا النظام البيئي إلى واحدة من أصعب مراحله، وأجبرت آلاف العائلات على مغادرة مناطقها.
سنوات من الجفاف
وفي هذا السياق، يقول رئيس مجموعة "طبيعة العراق" البيئية، جاسم الأسدي، إن الفترة الممتدة منذ 2021 تمثل أقسى موجة جفاف شهدتها الأهوار منذ بدء استعادتها بعد عام 2003.
ويشير الأسدي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن الأهوار شهدت بعد سقوط النظام السابق، ولا سيما خلال عامي 2004 و2005، تحسناً كبيراً في الإغمار نتيجة كميات المياه الواصلة من نهري دجلة والفرات، قبل أن تتوالى سنوات جفاف في 2009 و2015 و2018، لكنها كانت أقصر زمناً وكانت تتبعها فترات رطبة تسمح باستعادة الأهوار خلال مدة وجيزة.
أما الجفاف الممتد منذ 2021، بحسب الأسدي، فقد طال تأثيره التنوع الأحيائي وسبل معيشة السكان، ولا سيما تربية الجاموس وصيد الأسماك وحصاد الأعلاف والقصب المستخدم في صناعة الحصر والمضائف وبيوت القصب.
وتظهر شدة التذبذب المائي في الأهوار منذ 2004، إذ تراوحت نسب الإغمار، وفق الأسدي، 98%، بينما شهد عام 2019 واحداً من أعلى مستويات الإغمار، عندما وصلت النسبة إلى نحو 97%، بالتزامن مع تجاوز الخزين المائي في السدود والخزانات والبحيرات العراقية 65 مليار متر مكعب.
لكن العام 2025 كان مختلفاً، إذ يوضح الأسدي أن الخزين المائي المتاح في العراق تراجع في ذروة الجفاف إلى نحو 4.7 مليارات متر مكعب فقط في مختلف السدود والخزانات.
ويختم حديثه بالقول إن الخزين اليوم تحسن إلى نحو 33 مليار متر مكعب، وهو تحسن محسوس، لكنه لا يعني أن الأهوار استعادت حاجتها المائية.
عودة محدودة
ويفرق الأسدي بين تحرك سكان الأهوار داخل مناطقها، وبين عودة الذين هاجروا منها إلى مدن ومحافظات أخرى.
فمربو الجاموس، بحسب وصفه، يغيرون مواقعهم داخل الأهوار مرات عدة سنوياً تبعاً لتوفر المياه والمراعي ونسبة الملوحة، وهو انتقال مرتبط بظروف الهور ولا يمثل عودة من الهجرة.
أما الذين غادروا الأهوار إلى مناطق بعيدة في كربلاء وبابل وواسط وغيرها، فيرى الأسدي أن عودتهم ما تزال محدودة للغاية، لأن الإغمار الحالي غير كاف ولا يتمتع بالديمومة المطلوبة.
كما يتابع قائلاً إن وزارة الموارد المائية وجّهت أخيراً بزيادة إطلاقات الفرات بواقع 50 متراً مكعباً في الثانية من سد حديثة باتجاه أهوار ذي قار، و50 متراً مكعباً من دجلة باتجاه أهوار العمارة، ومنها هور الحويزة.
لكن جزءاً من هذه الزيادة قد لا يصل إلى الأهوار بسبب التجاوزات على الحصص المائية على امتداد مساري دجلة والفرات، وفق الأسدي.
حدود التعافي
من جهته، يوضح الخبير في مجال المياه، تحسين الخفاجي، لوكالة شفق نيوز، أن مساحة الأهوار والمسطحات المائية العراقية تبلغ نحو 20 ألف كيلومتر مربع، بينما يجري في بعض التقديرات قياس الانتعاش على مساحة لا تتجاوز خمسة آلاف كيلومتر مربع.
وبحسب الخفاجي، فإن الحديث عن إغمار أو انتعاش يتجاوز 50% في بعض المناطق لا يعني أن هذه النسبة تنطبق على كامل مساحة الأهوار، إذ إن احتسابها على المساحة الكلية يجعل النسبة في حدود 10% أو أقل.
ويربط الخفاجي الزيادة الحالية في المياه بذوبان الثلوج في أعالي الحوض، ولا سيما في الجانب التركي، ويرى أنها قد تكون مؤقتة ما لم تترافق مع سنة رطبة واستمرار في الإطلاقات.
ويضيف أن الأهوار، في ظل الظروف الحالية، لا تبدو قريبة من استعادة مستويات الإغمار الطبيعي أو الفيضي التي عرفتها في السابق.
كما يحذر من أن تراجع الأهوار لا يمثل مشكلة عراقية محلية فقط، مشيراً إلى دورها البيئي في المنطقة، وإلى استمرار ارتفاع درجات الحرارة والجفاف.
مقومات الاستقرار
وفي ذي قار، يقول مستشار المحافظة لشؤون التصحر والجفاف، حيدر سعدي، إن هناك تحسناً في التدفقات المائية القادمة من تركيا وسوريا والمناطق الغربية والفرات الأوسط، لكنه يؤكد أن الكميات الواصلة إلى المحافظة لا تزال دون المستوى المطلوب.
وفي حديث لوكالة شفق نيوز، يلفت إلى أن أكثر من 66 ألف شخص، أو نحو 10,500 عائلة، هاجروا بيئياً نتيجة التغيرات المناخية والجفاف خلال السنوات السابقة.
ويرى أن زيادة المياه وحدها لا تكفي، إذ يجب أن تترافق مع إدارة مائية تضع الأهوار ضمن منظومة الخزين الاستراتيجي للعراق، وتضمن وصول حصتها المائية بصورة منتظمة.
ووفقاً لسعدي، فإن توفير المياه بصورة كافية يمكن أن يشجع السكان على العودة من خلال استعادة الزراعة وصيد الأسماك وتربية الجاموس والسياحة البيئية، محذراً في الوقت نفسه من أن استمرار شح المياه يهدد المهن التقليدية والتراث الاجتماعي والثقافي لسكان الأهوار.
ويشدد سعدي في الختام على ضرورة الحد من التجاوزات ومراقبة توزيع المياه، معتبراً أن استدامة الأهوار لا تنفصل عن الحفاظ على سكانها ومهنهم ونمط حياتهم، وأن عودة المياه لن تكون كافية ما لم تستعد معها سبل العيش التي دفعت السكان إلى الهجرة.