"السكن مع الأهل".. حل طارئ يحاصر الأزواج في العراق

"السكن مع الأهل".. حل طارئ يحاصر الأزواج في العراق
2026-07-31T14:48:07+00:00

شفق نيوز- بغداد

تدفع الأوضاع الاقتصادية وارتفاع أسعار الإيجارات كثيراً من الشباب العراقيين المقبلين على الزواج أو المتزوجين حديثاً إلى السكن مع عائلاتهم، بسبب عدم قدرتهم على استئجار منازل مستقلة.

ومع مرور الوقت، تبرز مشكلات اجتماعية ونفسية وعائلية مرتبطة بهذا النمط من السكن، ولا سيما في ظل ضيق مساحة المنازل، إذ تتراوح مساحات كثير من بيوت العاصمة بغداد بين 50 و100 متر مربع، وهي مساحة لا تكفي، بحسب مواطنين، لاستيعاب عائلة إضافية

ويقول الشاب حسن حمادي، في حديث لوكالة شفق نيوز: "اخترت البقاء في منزل العائلة لأن الإيجارات مرتفعة للغاية فشقة بمساحة 50 متراً إيجارها لا يقل عن 450 ألف دينار شهريا، وذلك تبعاً للحي والمنطقة فهي الأخرى تتباين أسعارها بشكل كبير".

ويرى أن السكن مع العائلة جيد لشاب في بداية زواجه ويعفيه من الإيجارات وما يلحق بها من التزامات مالية، وبالتالي يمكّنه من توفير المال.

ويتفق الشاب علي سعدون، مع حسن حمادي، إذ أنه جهز لنفسه غرفة من "السندويش بنل" على سطح بيت جده الذي تبلغ 100 متر مربع.

ويشرح سعدون لوكالة شفق نيوز، مميزات السكن مع العائلة بالقول: "لو استأجرت بيتاً مستقلاً سأضطر لدفع 600 ألف دينار أو أكثر شهرياً، يضاف لذلك أجور المولدة الكهربائية والإنترنت".

وبناء على هذه المعطيات، قرر سعدو السكن في بيت الجد وتقاسم أجور المولدة والإنترنت والتي لا تزيد على 150 ألف دينار شهرياً، وبذلك وفرّ نحو 500 ألف دينار على أقل تقدير، وفقاً لحساباته.

وعن ضيق المساحة، يوضح سعدون: "للضرورة أحكام، فنحن الفقراء نتحمل كل شيء ونتعاون معاً لتيسير الأمور، فأنا أعمل سائق (تك تك) وما أتحصل عليه يكفي لتغطية نفقات عائلتي الضرورية".

لكن الحال يختلف بالنسبة للزوجات، فمثل هذا المسكن يكون سبباً للخلافات والمشاكل العائلية، إذ تقول هيفاء قاسم في حديث لوكالة شفق نيوز: "أسكن منذ ثلاث سنوات مع عائلة زوجي البالغ عددهم 10 أفراد، وأنا أم لطفلين، وحياتنا الزوجية لا تخلو من مشاكل لهذا السبب".

وتشير إلى أن السكن مع العائلة "يصادر الخصوصية حتى مع الأطفال لأن جدتهم وأعمامهم يتدخلون في تربية طفليّ، وكلما أردت تعليمهما بعض الأشياء والتصرفات تواجهين معارضة من عائلة زوجي ويسنفون كل محاولاتي لتربية أطفالي وتهذيبهم مثل ما أريد".

وتؤكد أن أم زوجها تتدخل بكل شيء "حتى في اختيار ثيابي وزينتي والطعام الذي أعده لزوجي، إضافة إلى تدخلها وقسوتها مع طفليّ"، مشيرة إلى أنها هددت أكثر من مرة بطلب الطلاق أن لم تحصل على سكن مستقل وإنهاء هذه "المعاناة، لكنها دائماً تجد لزوجها العذر بسبب وضعه المادي، فهو يعمل بأجر يومي زهيد.

وتشاطرها الرأي نادية كاظم، فهي الأخرى تواجه مصاعب في السكن مع عائلة الزوج لأن ذلك يفقد حياة الزوجين خصوصيتها، كما تترتب على ذلك جملة من المشاكل التي قد تنتهي بالطلاق.

وتقول كاظم لوكالة شفق نيوز: "تحملت ما يكفي من قسوة أهل زوجي وتصرفاتهم الغريبة معي ومع الأولاد الذين يضيقون ذرعاً داخل غرفة ضيقة وهم بحاجة إلى فناء للعب والقفز".

وتضيف: "ما أن يبدأ أحد أطفالي باللعب خارج الغرفة حتى تبدأ أم زوجي بالصراخ وتطرده إلى الشارع وهذا يؤلمني كثيراً لأن عالم الطفل هو اللعب فكيف يمكن حرمانه من ذلك وطرده إلى الشارع؟".

وتنوه إلى أنها حاولت أكثر من مرة تفادي المشاكل وعدم الصدام ولكن ذلك لم يجد نفعاً، مبينة أنها اقترحت على زوجها الانتقال للسكن مع أهلها لكنه رفض بشدة.

وتتابع: "حين يئست من الحياة الزوجية المستقرة والتفرغ لتربية الأطفال لم يكن أمامي من حل سوى طلب الطلاق. فلا يمكن تصور أن تعيش 4 عوائل في مساحة 50 متراً مربعاً".

وفي الوقت الذي يخفف سكن الزوجين مع الأهل من الأعباء والنفقات المالية في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، تظهر في المقابل سلبيات كثيرة خاصة إذا كانت مساحة البيت صغيرة.

وبهذا الصدد، يوضح المحلل الاقتصادي برهان البهادلي في تصريح لوكالة شفق نيوز، أن ارتفاع الإيجارات لا يؤثر فقط على قدرة الشباب على الزواج، بل يغير شكل الأسرة والمجتمع على المدى الطويل، مؤكداً أن من أبرز الآثار التي تترتب عل ارتفاع الإيجارات، انخفاض معدلات الزواج وتأخر سن الزواج.

ويلفت إلى أن "ظاهرة السكن المشترك مع الأهل، تفرض ضغطاً على البيوت الصغيرة، كما أن ارتفاع الإيجارات قد يخلق على المد البعيد فجوة بين الأجيال، إذ يصبح امتلاك أو استئجار مسكناً مستقلاً امتيازاً لا يستطيع الحصول عليه إلا أصحاب الدخل المرتفع، بينما يبقى أصحاب الدخل المتوسط والمنخفض معتمدين على السكن العائلي".

ومن الجانب النفسي، فإن أزمة السكن وارتفاع الإيجارات يجعل من الزواج مشروعاً مؤجلاً ويحمل هذا الأمر في طياته العديد من الأزمات النفسية.

حيث يقول الأكاديمي المختص في علم النفس أحمد الذهبي في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن ارتفاع الإيجارات تسلب حق الشباب في بداية زوجية مستقلة وتؤدي في ذات الوقت إلى خلافات زوجية قد تستمر لسنوات وقد تنتهي بالانفصال.

ويشير إلى أن "أزمة السكن متفاقمة، ووفق البيانات الرسمية، فإن العجز يصل إلى أكثر من أربعة ملايين وحدة سكنية".

وينوه الذهبي إلى أن "اختيار السكن مع الأهل يمثل حلاً مؤقتاً لأنه يتسبب مستقبلاً بمشاكل نفسية جمة في مجال العيش والسلوك والخصوصية وتربية الأطفال وغير ذلك من مزايا الحياة الزوجية".

ويلفت إلى أن من أبرز مشاكل السكن مع الأهل "فقدان الخصوصية الزوجية وخاصة في البداية حيث يكون الزوجان بأمس الحاجة للتعرف على طباعهما واتخاذ قرارهما بشأن بعض الأمور بعيداً عن تدخل الآخرين".

وينوه إلى أن "السكن مع الأهل يجعل الزوجين يشعران بأنهما مراقبان، ولذا فهما لا يستطيعان التعبير عن مشاعرهما بحرية، إضافة إلى التدخلات وتضارب الآراء من قبل الأب أو الأم أو الأخ أو الأخت والتي قد تؤدي إلى تضخيم الخلافات البسيطة بين الزوجين، وهو ما يجعل الزوجة تجد نفسها أمام سلطتين وهما سلطة الزوج وسلطة أهله، كما يشعر الزوج بأنه ممزق بين إرضاء زوجته وإرضاء والديه".

ويختم الذهبي بالقول إن "تعدد السلطات وتضارب الآراء داخل المنزل يؤثر سلباً على نفسية وذهنية الطفل، إذ لابد من تنشئته ضمن بيئة سليمة لا توجد فيها متناقضات ولا تصرفات وأفعال متباينة".

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon