الذكاء الاصطناعي يدخل سوق العمل العراقي.. من يخسر ومن يربح؟

الذكاء الاصطناعي يدخل سوق العمل العراقي.. من يخسر ومن يربح؟ صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
2026-09-06T20:56:27+00:00

شفق نيوز- بغداد

يتوقع متخصصون أن يبدأ الذكاء الاصطناعي بإعادة رسم خريطة الوظائف في العراق تدريجياً، مع تصدر الأعمال الروتينية قائمة الأكثر عرضة للتحول، ومنها إدخال البيانات، والأعمال الإدارية والمحاسبية المتكررة، والأرشفة والمراسلات، إلى جانب إنتاج المحتوى الإعلامي الأساسي وبعض مهام خدمة الزبائن.

ويقول المختصون إن التحول لا يعني بالضرورة اختفاء هذه المهن، بقدر ما سيعيد تعريف مهامها ويغيّر معايير التوظيف، في وقت قد يكون فيه الخطر الأكبر على الخريجين الجدد، الذين يعتمدون على الوظائف المبتدئة كبوابة لاكتساب الخبرة.

الخريج وسوق العمل

تجربة فرح، خريجة كلية الإعلام في بغداد، تعكس جانباً من هذا التحول، فمنذ تخرجها، أرسلت سيرتها الذاتية إلى مؤسسات إعلامية وشركات ومكاتب بحثاً عن فرصة في التحرير أو إعداد المحتوى أو الأعمال الإدارية، لكنها واجهت فرصاً محدودة.

وتقول فرح لوكالة شفق نيوز: "كنت أبحث عن فرصة أبدأ منها، حتى لو براتب بسيط، المهم أن أتعلم وأكسب خبرة. لكن بدأت ألاحظ أن بعض الأعمال التي كنت أتقدم إليها يمكن إنجاز جزء كبير منها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي".

وتشير إلى أن مهاماً مثل إعادة صياغة النصوص، وإعداد المسودات الأولى، وتلخيص المعلومات وترتيبها باتت أسرع باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي رفع سقف المهارات المطلوبة من الخريج الجديد.

وتضيف: "قبل سنوات كنت أعتقد أن الشهادة والخبرة البسيطة في الكتابة والتحرير يمكن أن تكون بداية جيدة. اليوم أشعر أن عليّ أن أعرف استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وامتلك مهارات رقمية، وأكون قادرة على إنتاج محتوى بسرعة أكبر حتى أكون منافسة".

خطر الوظائف الروتينية

من جهته، يرى المختص في التقنيات علي كريم أن الذكاء الاصطناعي بدأ بالفعل يؤثر في طبيعة فرص العمل المكتبي في العراق، لكن تأثيره ما زال تدريجياً، ولا توجد مؤشرات على إلغاء واسع للوظائف حتى الآن.

ويقول كريم لوكالة شفق نيوز، إن الأعمال الأكثر عرضة للتغيير هي المهام الروتينية والمتكررة، مثل إدخال البيانات والأعمال الإدارية وبعض المهام المحاسبية، إضافة إلى عدد من الأعمال الإعلامية.

ويضيف أن المؤسسات العراقية قد تتجه مستقبلاً إلى تقليل الوقت والكلفة عبر الأتمتة، ما قد يخفض الحاجة إلى بعض المهام الروتينية، بالتزامن مع ظهور وظائف مرتبطة بالبيانات وإدارة الأنظمة والتقنيات والذكاء الاصطناعي.

ويؤكد أن العامل الحاسم سيكون قدرة الموظف على استخدام التقنية، قائلاً إن الموظف الذي يجمع بين مهاراته المهنية والقدرة على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي سيكون أكثر قدرة على الحفاظ على فرصته في سوق العمل.

ويشير كريم إلى أن العراق ما زال في بداية هذا التحول، وأن حجمه سيعتمد على سرعة تبني المؤسسات الحكومية والخاصة للتكنولوجيا، واستعداد الجامعات وسوق العمل لتدريب الخريجين والموظفين.

الخطر الأكبر

من جانبه، يرى الباحث الاقتصادي أحمد عيد أن الوظائف الأكثر عرضة للتأثر هي تلك التي تعتمد على مهام قابلة للتكرار و الأتمتة، مثل إدخال البيانات والأرشفة والمراسلات وإعداد التقارير الأولية، فضلاً عن أجزاء من المحاسبة والإعلام وخدمة الزبائن.

ويقول عيد لوكالة شفق نيوز، إن الذكاء الاصطناعي قد يغيّر احتياجات المؤسسات من العمالة، إذ يمكن إنجاز جزء كبير من هذه الأعمال في وقت أقصر وبعدد أقل من الموظفين.

لكن الخطر، بحسبه، قد يظهر في التوظيف الجديد أكثر من تسريح العاملين الحاليين، لأن المؤسسة التي كانت تحتاج إلى عدة موظفين لإنجاز مجموعة من المهام المكتبية قد تكتفي بعدد أقل بعد إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي.

ويمثل ذلك ضغطاً إضافياً على سوق العمل العراقي، الذي يواجه أصلاً صعوبة في استيعاب أعداد الخريجين.

في المقابل، يتوقع عيد نشوء فرص جديدة لمن يجمعون بين تخصصاتهم الأصلية والمهارات الرقمية، مؤكداً أن إعادة التدريب وتطوير القدرات التقنية ستكونان عاملين أساسيين في تحديد فرص العمل خلال السنوات المقبلة.

التخصص والمهارة

ويضع أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي التحول في إطار أوسع، معتبراً أن تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل العراقي بدأ فعلياً، وإن كان لا يزال في مراحله الأولى مقارنة بالاقتصادات المتقدمة.

ويقول السعدي لوكالة شفق نيوز، إن التأثير الأكبر سيطال الوظائف المكتبية ذات الطابع الروتيني، ومنها إدخال البيانات والأعمال الإدارية والمحاسبية المتكررة وإنتاج المحتوى الإعلامي الأساسي.

لكنه يحذر من وصف الأمر بأنه نهاية لهذه المهن، قائلاً إن الذكاء الاصطناعي "يعيد تعريفها"، وإن الموظف الذي يستخدم أدواته بكفاءة قد يصبح أكثر إنتاجية من موظف يؤدي المهام بالطريقة التقليدية، وهو ما سيغير معايير التوظيف نفسها.

ويشير السعدي إلى أن مخاوف الطلبة من تخصصات مثل الإدارة والمحاسبة والإعلام ليست بلا أساس، لأن بعض الوظائف التي كانت تمثل مدخلاً تقليدياً إلى سوق العمل قد تتقلص.

لكن الحل، بحسبه، ليس الابتعاد عن هذه التخصصات، وإنما دراستها بطريقة مختلفة.

ويطرح مفهوم "المتخصص الهجين"، مثل المحاسب الذي يجمع بين المعرفة المالية والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، والإداري الذي يجيد الأتمتة واتخاذ القرار، والإعلامي القادر على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي مع الاحتفاظ بمهارات التحقيق والتحليل والتفكير النقدي.

ويرى السعدي أن الجامعات العراقية أمام فرصة لإعادة تصميم التخصصات بما يجمع المعرفة الأكاديمية والمهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي، بما يسمح بتحويل الخوف من فقدان الوظائف إلى قدرة على خلق وظائف جديدة.

التحول العالمي يصل العراق

وتأتي هذه المخاوف العراقية في وقت تكشف فيه تقارير دولية عن تغير أوسع في سوق العمل، ففي 27 كانون الثاني/ يناير 2026 أعلنت وزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي الصينية عزمها إصدار سياسات لمعالجة تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف وتعزيز فرص التوظيف، إلى جانب دعم قطاعات رئيسية وتوسيع المساعدة لخريجي الجامعات والشباب الباحثين عن العمل.

وفي 12 آب/ أغسطس 2026 قالت منظمة العمل الدولية إن معدل بطالة الشباب عالمياً بلغ 12.4% في 2025، بما يعادل نحو 67 مليون شاب، بينما بلغت نسبة الشباب الذين لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون تدريباً نحو 20%.

وأشارت المنظمة إلى تراجع بعض الوظائف التي كانت تشكل بوابة تقليدية لدخول الشباب إلى سوق العمل، ومنها الوظائف المكتبية والإدارية والخدمات والمبيعات وبعض المهن التقنية.

وكانت دراسة لجامعة ستانفورد، تناولت الفترة من أواخر 2022 حتى منتصف 2025، قد أشارت إلى تراجع توظيف الفئة العمرية بين 22 و25 عاماً في بعض المهن الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي، ولا سيما تطوير البرمجيات وخدمات العملاء.

لكن صورة سوق العمل ليست قاتمة بالكامل، فتحليل نشره مختبر ييل للميزانية في 20 حزيران/ يونيو 2026 خلص إلى أن الذكاء الاصطناعي، منذ إطلاق ChatGPT في 2022، غيّر الوظائف أكثر مما ألغى منها، ولم يظهر حتى ذلك الوقت ارتباط واضح بين استخدامه والتغيرات الإجمالية في التوظيف أو البطالة الأميركية.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon