"وعود فارغة" تحت 50 درجة.. تقرير بريطاني يستعرض واقع الكهرباء في العراق
شفق نيوز- ترجمة
ما لم تتم معالجة المشكلة الأساسية المتمثلة في غياب الدولة وهيمنة الفساد، فإن أي حديث عن معالجة كارثة الكهرباء في العراق في العام 2027، يبقى مجرد فصل آخر في مسرحية طويلة يعرف الجمهور نهايتها قبل أن يرتفع الستار.
هذا ما خلص إليه موقع "ميدل إيست مونيتور" البريطاني، الصادر تحت عنوان "أزمات الكهرباء العراقية: 50 درجة من وعود البرودة (الفارغة)" بترجمة وكالة شفق نيوز، قائلاً إن بإمكانك استبدال اسم رئيس الوزراء الحالي علي الزيدي، بأي رئيس وزراء منذ العام 2003، ولن يتغير أي شيء في المعنى أو النتيجة.
وأوضح الموقع في تقرير له أن كل زعيم منذ ذلك الوقت "قطع نفس الوعد، وتحدث كل منهم عن نقطة تحول، لكن كل زعيم منهم ترك منصبه دون أن تتقدم شبكة الكهرباء خطوة واحدة إلى الأمام".
وتابع التقرير قائلاً إن "ادعاء الزيدي بأن العام 2027 سيشهد مضاعفة إنتاج الكهرباء، لا يعكس رؤية، وإنما هو ببساطة رقم آخر يضاف إلى أرشيف طويل" مما أسماه التقرير "الوعود الفارغة" التي يعرف العراقيون نهاياتها بالفعل، حيث يعاني العراقيون من درجات حرارة الصيف التي تتخطى الـ50، ما يعيد تكرار فيديوهات لرؤساء الوزراء السابقين محمد شياع السوداني، مصطفى الكاظمي، عادل عبدالمهدي، نوري المالكي وإبراهيم الجعفري، وهم ينطقون بنفس الوعود حول هذه "اللعنة السياسية".
وبحسب التقرير، فإن إحدى أكثر اللحظات سخافة في الذاكرة الجماعية حدثت في العام 2011، عندما أعلن نائب رئيس الوزراء للطاقة وقتها حسين الشهرستاني، بثقة، أن العراق سيبدأ "قريباً" في تصدير الكهرباء إلى الدول المجاورة، فيما وصفه التقرير بأنه بيان "منفصل عن الواقع".
وتساءل التقرير: "كيف يمكن لدولة لا يمكنها تزويد مواطنيها بأكثر من بضع ساعات من الكهرباء يومياً، أن تتحدث عن تصدير الطاقة؟".
وقال التقرير إن "هذه الأرقام ليست خطاباً سياسياً"، مضيفاً أن شبكة الكهرباء لا تزال محطمة وتشهد تسريباً ولا تخضع لمنطق الدولة، وإنما لمنطق الغنائم.
وتناول التقرير "جانباً آخر من الفضيحة"، بحسب معطيات البنك الدولي التي تشير إلى خسارة العراق نحو 40٪ من الكهرباء المولدة من خلال الخسائر التقنية والتجارية، واصفاً إياه بأنه "رقم مذهل لا مثيل له من قبل أي دولة رئيسية أخرى منتجة للنفط".
وبينما يعتمد العراق على استيراد الغاز والكهرباء بشكل كبير لتشغيل محطات الطاقة الخاصة به، ذكر التقرير أن البلد يمتلك احتياطيات هائلة من الغاز التي لا تزال تحرق بدلاً من استغلالها.
وتساءل التقرير: "كيف يمكن لبلد أن يضاعف إنتاجه بحلول العام 2027 عندما لا يستطيع حتى الحفاظ على ما ينتجه اليوم؟". كما وصف ما يجري بأنه "ليس قطاعاً يعاني، وإنما هو قطاع منهار، يتم إعادة تدويره كل عام من خلال وعود جديدة".
وبحسب التقرير، فإن العراقيين يعرفون النتيجة جيداً، حيث إنه خلال أفضل حالاتها، فإن الشبكة تزود العائلات بـ8 إلى 12 ساعة فقط من الكهرباء يومياً، مضيفاً أنه من أجل سد الفجوة، يعتمد المواطنون على مولدات الأحياء الخاصة، ويدفعون ما بين 100 دولار و300 دولار شهرياً في بغداد خلال فصل الصيف.
وتابع قائلاً إن هذا لا يمثل نظاماً كهربائياً، وإنما هو اقتصاد ظل يجري من خلال إعادة تغليف الفساد باعتباره خدمة، وهو ما يحاصر المواطنين بين دولة فاشلة وبين أصحاب المولدات الذين يعملون كسماسرة طاقة.
السبب بسيط وقاسٍ: كان لدى العراق ذات مرة مفهوم للدولة، مهما كان استبدادياً؛ واليوم، اختفى هذا المفهوم، وحل محله نظام السمة المميزة له هي الفساد.
واعتبر التقرير أن العراق خسر مفهوم الدولة التي كانت لديه، حتى عندما كان استبدادياً، وحل مكانه نظام الفساد الذي بات يميزه.
ولهذا، رأى التقرير أن وعد الزيدي حول العام 2027 "يبدو كمزحة فظة" في بلد يعيش تحت 50 درجة مئوية خلال الصيف، حيث إنه ليس بمقدورك أن تضاعف قدرة الإنتاج أو النقل في نظام مبني على عقود وهمية ومحطات توليد الطاقة غير المكتملة والبنية التحتية المهملة والوقود المهرب والغاز المحترق والميزانية العامة المستنزفة، بسبب نظام الرعاية السياسية.
وخلص التقرير البريطاني إلى القول إن الإصلاح لا يبدأ بموعد أعلنه رئيس الوزراء، وإنما بتفكيك شبكة المصالح التي حولت الكهرباء إلى أكبر ميدان للفساد في العراق، مضيفاً أن أزمة الكهرباء هي "مأساة دولة فقدت القدرة على إدارة أبسط ضروريات الحياة، ولكنها لم تفقد القدرة على إنتاج خطاب سياسي".
وأضاف قائلاً إن "رؤساء الحكومة سيواصلون تكرار المسار نفسه من خلال القول نحن نطمئن الشعب العراقي، لكن العراقيين سيواصلون تكرار مشاهدة الوعود القديمة كل صيف، حيث يظهر مجدداً الفشل نفسه".